سيطر التوتر في الساعات القليلة الماضية على كثيرين من الراغبين في أداء فريضة الحج، بعدما سقطت أسماؤهم من لوائح المقبولين. حتى «الفايس بوك» امتلأ بأدعية الرجاء للحصول على «الفيزا». تعلق أمل هؤلاء بختم ملون يمهر جوازاتهم، ليمضوا إلى «رحلة العمر» تحت عنوان مجاملة أو مكرمة ملكية أو حتى الخضوع لابتزاز السماسرة، على الرغم من أنّ تشدد السفارة السعودية، ضيّق هامش تحرك هؤلاء كثيرًا


منهال الأمين
«لن نقبل طلبات من هم دون الستين من العمر». كانت عبارة الموظف في السفارة السعودية في لبنان كفيلة بأن تجعل سميرة تغرق في موجة من البكاء «هذه السنة السادسة ولم يقبل طلبي لأداء فريضة الحج»، تقول. يحاول زوجها علي أن يخفف عنها، ويروي كيف اضطر هو العام الماضي إلى دفع 600 دولار أميركي لشراء تأشيرة. لكن لماذا لا يشتري واحدة لزوجته؟ يجيب بسرعة «يا ريت، ما عم نلاقي».
حضر الزوجان، أمس، مع عشرات المواطنين إلى السفارة السعودية في قريطم، في محاولة منهم للحصول على تأشيرة، بعدما سقطت أسماؤهم من لوائح المقبولين للحج هذا العام. هؤلاء وصل عددهم إلى 10 آلاف اسم، وفق ما أكد لـ«الأخبار» السفير السعودي علي عواض العسيري. وقد اضطر الأخير إلى الخروج للقاء المواطنين الذين تدافعوا مع حرس السفارة، للاطلاع على الحالات المنتظرة. يقول إنه أصدر توجيهاته بقبول الحالات الإنسانية مثل كبار السن والمرضى وغيرهم.
لا ينفي السفير ما يقوله أصحاب الحملات وشركات الطيران لجهة أنّه أقدم على إقالة موظفين في السفارة متهمين بتسهيل بيع التأشيرات. ويؤكد أنّ تغييراً طرأ على كامل الطاقم تحت عنوان «تطوير خدمة الحجاج والمسافرين». يتحدث الرجل عن شبهات عدة كانت تحوم حول بعض الموظفين، وقد «تمهّلنا في اتخاذ أيّ قرار بحقهم، خوفاً من إلحاق الظلم بهم»، داعياً المواطنين إلى عدم الخضوع للابتزاز من أيّ شخص كان، وإبلاغ السفارة بأية مخالفات.
وكانت السفارة قد أصدرت في 28 أيلول الماضي بياناً غير مسبوق أوضحت فيه أنّها تمنح «تأشيرات الحج مجاناً دون تقاضي أي بدل مادي»، مذكّرة بحصرية التعامل مع «هيئة شؤون الحج». يلفت العسيري إلى أنّ البيان جاء على «خلفية رصد حالات سمسرة، ولوضع حد لكل ما ساد عملية إصدار التأشيرات من شوائب في الفترة السابقة».
وبحسب الكوتا الممنوحة للبنان، فإنّ «العدد الرسمي للحجاج هو ستة آلاف حاج، موزعين على الشكل الآتي: 2000 للسنّة و2000 للشيعة و1500 للاجئين الفلسطينيين، و500 لإداريين».
ووسط كثرة الحديث عن «حصة من التأشيرات مخصصة للوزراء والنواب»، ينفي السفير أن يكون هناك شيء اسمه تأشيرة مجاملة، تمنح للسياسيّين أو غيرهم «فزيادة الكوتا تكون عادةً بمكرمة ملكية وصلت هذا العام إلى 4000 اسم، وفوق هذا العدد هناك أسماء يجري التأشير لها بجهد السفارة، وبعض الأحيان يتجاوز السفير صلاحياته بسبب ضغط الطلبات، وبينها طلبات لبعض السياسيين والقوى والأحزاب»، من دون أرقام رسمية في هذا الشأن.
يشن العسيري هجوماً على «السماسرة الذين ابتزّوا المواطنين لسنوات طويلة»، من خلال تقاضي مبالغ راوحت بين 500 و1500 وصولاً إلى 4000 وفق بعض المبالغين، والأرقام تبقى على ذمة حجاج وأصحاب الحملات.
أما القيمون على هيئة شؤون الحج التابعة لمجلس الوزراء، فيحجمون عن إعطاء أي تصريح صحافي، إذ إن مهمتهم، هي «العمل لخدمة الحجاج»، كما يقول لـ«الأخبار» أحد الموظفين هناك. هذا العمل يلقى صدى إيجابياً لدى أصحاب الحملات وشركات السياحة والسفر. فقد أثنى محمد دقدوق، صاحب إحدى الشركات، على أداء الهيئة لناحية تسهيل أمور الحجاج والشركات، ولكن صلاحياتها تبقى، في رأيه، محدودة في ما يخص التأشيرات، والسفارة السعودية معنية مباشرةً بالموضوع. لكن ما هي المعايير التي تُتَّبع في قبول أسماء الحجاج، ولماذا يحرم البعض لسنوات فيما يذهب البعض الآخر كل عام؟ يؤكد السفير السعودي أن هيئة شؤون الحج هي التي تحدد معايير القبول، «فيما تؤشر السفارة لكل الأسماء التي تردنا من الهيئة».


ينفي العسيري أن تكون هناك تأشيرات مجاملة للسياسيّين

ومن يُعرف في أوساط أصحاب الشركات بـ«السماسرة» أو «المفاتيح» يستفيدون عادة، بحسب عدد من هؤلاء، من علاقاتهم بسياسيين قد تخصهم المملكة ببعض تأشيرات المجاملة. ولكن هناك أيضاً بعض «فاعلي الخير» الذين أمّنوا تأشيرات بالمئات من دون تقاضي أموال. وهو ما ينفيه العسيري كلياً، مشدداً على أن «سياستنا هي رفض الوساطات تحت أي مسمى»، رافضاً الحديث عن «أية أبعاد مذهبية في تأمين هذه التأشيرات».
ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه أحد: «لماذا تُحدد حصة لبنان (الكوتا) بأربعة آلاف لبناني، ثم ترفع إلى الضعف تحت عنوان «مكرمة ملكية»، ثم يزداد العدد تحت عناوين المجاملة والوساطات والإكراميات؟». يبرّئ أصحاب الحملات وشركات السفر السفارة السعودية من أي تلاعب، فيما يشار بإصبع الاتهام إلى سماسرة مقرّبين من شخصيات سياسية متنوعة الانتماء، والسؤال هنا: «كيف يمكن شخصية سياسية، نائباً كان أو وزيراً، أن يسمح لمقربين منه بأن يبتزّوا المواطنين بهذه الطريقة، وإن كان لا يعلم فالمصيبة أعظم!».
ولكن بالنسبة إلى الحجّاج، فهل يجوز شرعاً دفع الرشوة للحصول على تأشيرة حج، والخضوع للابتزاز المالي؟
إمام مسجد القدس في صيدا الشيخ ماهر حمود يرى أنّ بعض القوانين المفروضة من الجانب السعودي، وخصوصاًً لناحية تحديد العمر، تؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة. وعلماء الدين قد يجيزون «شراء الفيزا» في حالات خاصة، لأسباب صحية أو مادية، قد تكون حائلاً دون أداء الحج في المستقبل.
أما الشيخ نجيب صالح، من مكتب المرجع الخامنئي، فيرى أنّ هناك خللاً في توزيع الأسماء واختيار الأشخاص المقبولين. ويؤكد أن حصول البعض على تأشيرات بطريقة غير قانونية يحرم الآخرين الحصول على حصتهم، غير جائز شرعاً.