عمر نشابة

في قريطم وبيت الوسط من يعتقد أن قضية اغتيال 1191 إنساناً عام 2006 وجرح أكثر من عشرة آلاف، منهم نحو خمسمائة طفل معوّق، لا تستحقّ الاهتمام بقدر ما تستحقّه جريمة 14 شباط 2005 التي راح ضحيتها 23 شهيداً ونحو مئتي جريح. فلا من يرفع صور هؤلاء الأطفال والأمهات والآباء والأشقّاء والشقيقات، ولا من يحبّهم ويشتاق إليهم ويطالب بالحقيقة لأجلهم ولأجل لبنان. ولا أرامل وأيتام وأحباء مزّقت قلوبهم، ولا من يسأل عن محاسبة المجرمين والمحرّضين والمموّلين والحاقدين عليهم.
في قريطم وبيت الوسط من يعتقد أن مجازر دير ياسين وكفر قاسم وحولا وصبرا وشاتيلا وتلّ الزعتر والدامور وحلبا لا تساوي حتى جزءاً من «جريمة العصر». ليس للشهداء الفقراء مهرجانات ضخمة في وسط المدينة ولا أصنام ولا عرض لسيرة حياتهم العادية عبر وسائل الإعلام. ولا تُذرف على شهداء آلة الحرب الإسرائيلية دموع الملوك والأمراء والشيوخ والرؤساء العرب، ولا يصدر مجرّد بيان عن مجلس الأمن الدولي.
أما فلسطين... فلسطين التي ما زال جبل عامل يلبي نداءها الأخير، فلسطين التي تنزف ما بقي من دمائها لتروي آخر شجرة زيتون في رباط القدس الشريف، فلتمت. وليُكبّل آخر المجاهدين الشرفاء بالأصفاد وليقتادوا إلى أقفاص الاتهام. ومقابل شعار «يا قدس قادمون» فليرفع الآذاريون صراحة شعار «إلى سجون لاهاي ستقتادون». ولتصادر «قوات حفظ السلام» سلاح المقاومة. لأجل السلام ولأجل لبنان. هي معادلة «المجتمع الدولي»: السلام الإقليمي للمجرمين بوسائل دبلوماسية والحرب الدولية على المقاومين بوسائل قضائية.
إن ذوي الطفل والأمّ والوالد الذي قتلته إسرائيل عام 2006 لا يرون أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري يساوي شهداءهم تماماً كما لا يرى آل الحريري أن مئات الأطفال يساوون الرئيس الشهيد. لكن الفارق أن نجل الرئيس الشهيد ورث الزعامة واستخدمها ليطلب من مجلس الأمن إنشاء محكمة دولية، بينما أولاد شهداء جرائم إسرائيل ورثوا الفقر والعذاب ورمى «المجتمع الدولي» حقوقهم المقدّسة في سلّة المهملات.
المؤسف في الأمر أن سعد الحريري لا يدرك، على ما يبدو، أن لا محكمة دولية ولا اهتمام دولياً به وبوالده الشهيد لولا أن هذه المحكمة وهذه القضية بالذات هي فرصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل لضرب حزب الله بعد أن أثبت قدرته على الصمود عام 2006، وبعد أن بات حزب الله آخر المواجهين لإسرائيل والمهددين لأمنها.