في الحمرا، يستضيف مقهيان معرضين يستمران حتى نهاية الشهر الجاري، لصور التقطها شاب وشابة في العشرينيّات، يعلنان انطلاق مسيرتهما الفوتوغرافيّة


هاني نعيم
لا بد لزوّار حانة «دو براغ» الدافئة، في شارع المقدسي، من ملاحظة التغيّر الدائم للوحات والصور على جدرانها. هذه المرّة تستضيف الحانة معرض «إنه فجر جديد، إنه يوم جديد»، المعرض الأول لـ«مختار بيروت»، الذي يفضّل التعريف عن نفسه بهذا الاسم، وخصوصاً أن علاقته مع المدينة تخرج عن الإيقاع المملّ، لتكونَ هي «مختبر» كل شيء. مختبر للتجارب والانفعالات والأفكار المتناقضة. يختزل مختار في معرضه المؤلّف من 12 صورة، جهد سنة كاملة من التصوير، لذا كان اختيار صوره مدروساً، محدداً، «حاولت اختيار أكثر الصور التي تشبهني، وتعبّر عني»، كما يوضح. هذا ما قد يفسّر تنوّع الصور بين «بورتريهات» منفعلة، في لحظة محددة، وبين أشخاص مجهولي الهويّة يقفون في أماكن قديمة ومهجورة، إلا من ذكرياتها التي توحي لمختار بحكايا لها أصحابها، «ويجب أن تبقى»، على حد تعبيره.
يُلاحظ طغيان الحركة على الكثير من صور مختار، وكأن المصوّر يرفض جمود الحياة، ولو كان في الصورة: فوق قمّة القرنة السوداء، شاب يطير فوق الأرض، تحيط به الطبيعة الجرداء، وأزرق السماء، وأصفر الشمس، وكأنه احتفاء بالألوان. وفي صورة أخرى، فتاة تمشي على وعر جبلي، تظلّلها غيمة خفيفة ترفض الانضباط في شكل محدد.
يهرب مختار في إحدى صوره إلى الماضي، إلى بيت قديم، مهجور، تحيط به أشجار خريفيّة. ويبدو في الصورة شاب يدير ظهره لكل شيء، مقترباً من البيت. إعلان العزلة؟ ربما. يظلل مختار شخصيّاته التي يصوّرها، ويخفي ملامحها، «لأعطي للمشاهد انطباعاً، بأنه يمكنه أن يكون ذاك الشخص. لأضعه في الحالة، وأدخله داخل كادر الصورة أكثر». أما في «البورتريه»، فأغلب الشخصيّات مغمضة العينين، كأنها تهرب من رؤية الواقع.


بين الفجر الجديد وحياة تسير بلا حركة مقاربتان مختلفتان للزمن

وكون مختار آت من خلفيّة «إخراجيّة»، إذ إنه يدرس الإخراج في اليسوعيّة، يعمد بسهولة أكبر إلى إدارة شخصيّاته بهدف خلق أفضل تجسيد لفكرته.
في الشارع المحاذي، في مقهى يونس الذي يضج برائحة القهوة، تطلق الشابة عبير غطاس (23 سنة)، معرضها الأول أيضاً، بعنوان: «الحياة تسير بلا حركة».
هنا، تختلف المقاربة. عبير تقف من الطرف الآخر للعالم، وعلى طريقتها، تؤرّخه في صور، ليبقى لحظة أبديّة. يطغى «العتيق» على جو المعرض، الذي ترسم فيه عبير ملامح الزمن الماضي: عبوات أدوية قديمة تتقاسم الألوان. قابس كهربائي قديم معلّق على خشبة صغيرة على أحد الجدران. بيت قرميدي قديم على تلة صغيرة. مقهى قديم. باب قديم. نافذة قديمة مفتوحة بالأبيض والأسود. وسيارة مرسيدس بينز قديمة العهد. وصورة لواجهة مقهى حديث تعكس بيتاً قرميدياً قديماً، في مشهد جذّاب تجمع فيه عبير الحاضر بالماضي.
يحتوي المعرض على صورتي «بورتريه»، إحداهما لفتاة صغيرة ذات عينين خضراوين تعمل في حقل الحمّص، إلى جانبها امرأة عجوز تنضج عينيها بشغف ينبئ بأن الحياة مستمرّة رغم كل شيء، وتختزن بين تجاعيدها تاريخاً طويلاً من الشقاء والخفّة... والفرح!
لا تصوّر عبير الناس إلا بعد أن تتعرّف على حياتهم أكثر، «فأنا أرفض التصوير التجاري للناس»، كما تضيف: «حياتنا هي مجموعة صور، وبذلك، يمكننا أن نحفظ الصورة الجميلة، ونحذف ما لا نريد منها».
تجارب فوتوغرافيّة جديدة لشباب استفادوا من المدينة حين حوّلوا فضاءها إلى مختبر تتفاعل فيها هواجسهم وأفكارهم.