مي الصايغ

غصّ بيت الطبيب أول من أمس بأطفال، منهم من جاء وقد شعّت عيناه أملاً بحياة جديدة توهب له، ومنهم من حظي بعطية متبرع حيّ، أو كريم مات ليعيش مرة أخرى بجزء منه في أجسادهم الصغيرة. المناسبة كانت «اليوم العربي الثاني لأمراض الكلى عند الأطفال»، الذي نظمته جمعية الطفل المصاب بالكلى، بالتعاون مع المركز السعودي لزراعة الأعضاء. أما المدعوون، فكل المعنيين: مرضى على لائحة انتظار زرع الأعضاء. واهبون أو أهل واهبين مثّل رحيلهم فرصة حياة لمرضى. أطباء معنيون إلى جانب وزارة الصحة وجمعيات وأندية، مثل الجمعية اللبنانية لأمراض الكلى والضغط، الجمعية اللبنانية لطب الأطفال، اتحاد أندية الليونز الدولية، والاتحاد اللبناني لرعاية الطفل.
بتول حمود، ابنة الخمس سنوات، كانت هنا أيضاً. الصغيرة خضعت لعملية زرع كلية منذ 3 أشهر ونصف شهر، بعد معاناة نحو 3 سنوات من آلام غسل الكلى. كيف يتحمل هذا الجسد الصغير تلك الأنابيب وذاك الوجع؟ إنها رواية أخرى. إلا أن مشاهدة هذا الوجع دفع بوالدتها إلى التبرع بكليتها لفلذة كبدها.
والدة بتول ليست أحنّ على أولادها من ميرفت حمادة. لكن ليس لميرفت إلا كليتان، فيما أولادها الثلاثة (فتيان وفتاة)، يعانون فشلاً كلوياً. تروي ميرفت مأساتها. فلمن من بين أبنائها ستتبرع بكليتها الثانية؟ كيف ستتمكن من تفضيل ولد على آخر؟
رغم ذلك، كانت ميرفت مستعدة للتخلي عن كليتها، علّها تخفف بعضاً من آلام أحد أولادها. لكنّ البرفيسور شبل موراني، شرح للوالدة صعوبات هذا التبرع. فإن تبرعت ميرفت بكليتها لأحد أبنائها، فمن سيقوم برعايتها ورعاية أحد أولادها الذي خضع لعملية زرع؟ ومن سيتولى مسألة غسل الكلى التي يخضع لها ولداها الآخران.
لكن، مقابل هذا، ثمة تجارب مهمة في هذا المجال، منها تجربة العطاء التي رواها ميشال خليفة، الأب الذي تعالى على جراحه بفقدان ولده ألان، الذي أُصيب بجروح خطرة في انفجار استهدف أحد زملائه في الجامعة اليسوعية في 11 نيسان من عام 2000، دخل بعدها ألان مرحلة الموت الدماغي. حبه العميق لولده جعله يرفض مراسم الدفن، فقرر أن يتخذ القرار الأصعب في حياته: التبرع بأعضاء ابنه. وبالفعل، وقف خليفة أمام الجميع، مطلقاً صرخة، مشجعاً إياهم على الوهب بالقول: «ألان ما مات، 7 أشخاص عايشين بفضل أعضاء ابني. مش أنا بس بحطّ ورد على قبر ابني، كل الأشخاص يلي عاشوا بفضلك، عم يصلولك يا ابني».
أمّا الشهادة الأشد إيلاماً، فقدمتها والدة هادي الذي يعاني فشلاً كلوياً منذ ولادته. وبعد صراع طويل مع المرض، نصح أحد الأصدقاء الأم بعرض ابنها على البروفيسور شبل موراني، لكن كان قد فات الأوان. فابن الأربع سنوات ونصف، كان قد تعرض لفشل في كليتيه الاثنتين، ومشاكل في الكبد. في تلك الفترة، كان بالإمكان التخفيف من معاناة هادي، لكن الحظ لم يكن إلى جانبه. فحين قررت والدته التبرع بإحدى كليتيها، اصطدمت بمشكلة عدم وجود أي واهب، ليمنحه كبداً. بمرور الوقت ساءت حالة هادي كثيراً، وبدأ الورم في طحاله، ومنذ بلوغه الخامسة والنصف، بدأت عظامه تتكسر، ولم يعد يقوى على السير. هادي كان هناك أول من أمس. لا يملك الطفل الآن إلا الدعاء «يا رب ترد عني، ما بدي غير توفرولي الدواء، ما بقى قادر اتحمل الوجع».
حالة هادي كان يمكن أن تصبح أفضل بكثير، لو توافر له كبد منذ البداية. أما اليوم، فأقصى أحلامه أن يتوافر له الدواء، علّه يخفف من الآلام التي أنهكت جسده. فكم نحتاج إلى ميشال خلفية آخر، أب حوّل حزنه على فقدان ولده فرحاً وأملاً بالحياة زرعه في قلوب أولاد الآخرين.



توصيات المؤتمر

تضمن مؤتمر «اليوم العربي الثاني لأمراض الكلى عند الأطفال» الذي عقد في بيت الطبيب أول من أمس، مجموعة من التوصيات. فخلاله، دعا المؤتمرون رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى دعم تعديلات مقترحة من وزارة الصحة لتحديث قانون وهب الأعضاء، على أن تقوم وزارة الصحة بإعطاء بطاقة تشجيعية مجانية لكل متبرع، تمكنه من إجراء الفحوص الطبية اللازمة، والدخول إلى المستشفى على نفقة الوزارة، إذا دعت الحاجة. وقد سجّل لوزير الصحة محمد خليفة توقيعه على بطاقة يتعهد فيها التبرع بأعضائه.
وكانت المطالبة بتفعيل وتطبيق اقتراح زيادة خانة وهب الأعضاء على بطاقة قيادة السيارة، التي يوافق عليها المتبرع مسبقاً، ووضع اللجنة الوطنية لوهب وزرع الأعضاء خطاً ساخناً مجانياً للاستفسار عن هذه المسألة.