هنادي زرقه

كلّما حاولتَ شدّه ليقول لك جديداً عن نفسه، شيئاً لم يسبقْ أن قاله لأحد، يعيدك إلى رواياته وشخصياتها. عندما يتحدث عنها، يرتجف، تتأرجح يداه في المكان، وتنفتح عيناه على اتساعهما مثل طفل أدهشته ثمار يديه. كأنّ لا حياة لهذا الروائي من دون شخصياته. حتى يخيّل إليك، حين تخرج من المقهى الدمشقي حيث التقيته، أنّك ستجد صفاً من تلك الشخصيات الروائية في انتظارك. تبهرك بطلاته الجميلات المنشودات، يخيفك العسكر والمخبرون، تسمع أنفاساً لاهثة توقفت للتوّ عن العدو في أزقّة دمشق هرباً من الملاحقة، أو تشمُّ رائحة أرواح متفسّخة تغتال الثقافة باسم الثقافة، وتستبدل بأخلاق الكتابة أخلاق الوشاة.
حطّمت روايات فواز حداد مقاييس الجرأة التي كانت تُقاس في الرواية السورية بهذه الجملة أو تلك، وهذا المشهد الشجاع أو ذاك. كان قد تجاوز الأربعين حين وقعت عيناه على باكورته الروائية «موزاييك دمشق 39» مطبوعةً. «ارتعدتُ من الخوف، بتُّ مكشوفاً، ولم أعد أكتب لنفسي». يومها، قال النقّاد إنّه لن يستطيع أن يكتب بعدها، فهي رواية ناضجة ومكتملة. وظنّ بعضهم أنّ فواز حداد اسم مستعار. وقال الأديب السوري الكبير عبد السلام العجيلي، يومها، لا أحد يعرف دمشق سنوات الانتداب مثل هذه المعرفة، إلا مَن كان عمره 85 عاماً.
تلك الجرأة المميّزة في سياق الأدب السوري، لم يتعمّدها حداد، بل قادته إليها الضرورات الروائية، فحاول أن يوفيها حقّها، من دون النظر إلى ما قد يترتّب على ذلك، ومن دون التفات إلى ما هو ممنوع أو مسموح. «لقد كتبتُ بكلّ حرية، والحرية داخل الإنسان تهزم القيود خارجه. أكتب روايةً وكفى، من دون الاعتماد على دعايات المنع».
يخطر لك، وأنت تصغي إلى حداد وترقب حركاته، أن تلقّبه بـ«الإنسان القارئ ـــــ الكاتب» أو «الإنسان المُنَقِّب»، أسوة بما ابتكرته الجيولوجيا من تعابير مثل «الإنسان العاقل» أو «الإنسان الصانع» وغيرها... هو يقيس محطات عمره بقراءاته. «1962: اكتشاف نجيب محفوظ. 1970: قراءة أعمال دوستويفسكي. في السابعة من عمري، كنتُ قد قرأتُ «ألف ليلة وليلة». وبين هذه التواريخ التهمتُ مكتباتٍ بأكملها، وكتبتُ الكثير من دون أن أغامر بنشر أيّ شيء. من كثرة ما قرأتُ، خفتُ من النشر». وها هو اليوم يجمعُ آلاف الملفّات لكتابة رواية واحدة: «أبدأُ بجهد عضلي، حتى أعرف أين سيمشي أبطالي، وما هي الأفكار المتداولة في المكان والزمان المعنيين». ولعلّ هذا ما دفع النقّاد والقرّاء إلى الظنّ أنّه عاش سنين طويلة في القاهرة أو بغداد أو بيروت.
غير أنّ دمشق تبقى المكان الأساس، المكان المرسى، مهما ابتعدت به المسافة. وربما كان فوّاز حداد في رواياته أبرز مدوِّن لبقاء دمشق، رغم هدم أمكنته، وتقلّب أزمنتها، وتنوّع بشرها. كأنّ آثار الزمن مجرد مشهد عابر. «لا يزال مسرح أحلامي بيتي القديم في الأحياء القديمة لمنطقة البحصة التي هُدِمَت. ما من أحلام تدور في بيتي الجديد في المزّة».
تحاول شدّه من جديد إلى ما هو شخصيّ، لكنّه لا يلبث أن يفاجئك بما يشبه «نظريةً» روائيّة: «مع أنّ الريف لا يقوى على تشكيل موضوع روائي، نظراً إلى صراعاته المحدودة ونزاعاته المكرورة، وعالمه غير المتشابك، إلا أنّ معظم الأدب الروائي يأتي من الريف. ليست الرواية ابنة أبناء المدن في معظم الحالات».
تصرّ على ما هو شخصيّ، كآليات الكتابة لديه. يخرج بمشهد يصوّر ارتباك الكاتب بين الورق والكومبيوتر.
«في البداية، كنتُ أبحث عن موضوع أكتب عنه، أما الآن فباتت لديّ موضوعات كثيرة. أشكو من تدفّق في الخيال أحتاج إلى أن أكبحه. تأتيني الأفكار حزمةً، أكتبها على الورق، ثم أعود لأكتبها على الكومبيوتر. تكون في البداية بضعة أسطر، لكنّها لا تلبث أن تتضاعف وتتوالد. حدث مرّة أنني كنتُ أكتب على الكومبيوتر وتدفقت الأفكار، فرحتُ ألاحقها بين الورق والكومبيوتر، وكانت النتيجة حواراً طويلاً لا مكان له حيث أكتب، بل في نهاية الرواية، فقصصته ووضعته
هناك».
يكتب صاحب «المترجم الخائن» (الرواية التي بلغت القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية عام 2009) عن أوساط المثقفين، هو المتّهم بالانطواء والابتعاد عنها. «أعرفهم جيداً. أتابعهم منذ عشرات السنين. وأقرأ لهم باستمرار. وتربطني صداقات جيدة مع الذين أحترمهم. وإذا ما كنتُ أهاجمُ المثقفين الانتهازيين، فلكي أدافع دفاعاً مستميتاً وشرساً عن الثقافة. تهاون المثقف وسقوطه كارثة كبرى. دور المثقف لم ينته».
تشعرُ أنّ الكلام تجهّم ثانيةً، فتثير مسألة الأدباء الشباب، والرواية النسوية، وعالم النساء. تجده لا يحبّ الكلام على أجيال في الرواية. يقول إنّ على الكاتبات أن يقرأن «مريم الحكايا» لعلوية صبح كي يتعلّمن الكتابة. «أعجبتني كثيراً. فتحت عينيّ على عالم نساء الجنوب». عاش فواز حداد في عالم نسائي خاص. توفي والده عن 74 عاماً، وسبعة أولاد، كان فواز أصغرهم وكان في عامه الأول فقط. أمّا أمّه فلم تكن قد تجاوزت الرابعة والعشرين، «لكنها كانت حكيمة، وذكية، ومتأنّية، تأتي النساء إليها ليشكين لها همومهنّ. وكنتُ ملازماً لها، أسمع حكاياتهنّ، لكنّي لم أتأثّر بذلك، بل نفرتُ من أجوائهنّ، وهربتُ إلى القراءة حين كبرتُ بعض الشيء».
لماذا يكتب فواز حداد، المثقف القوميّ المعني بقضايا أمّته، ومعماري الرواية السورية؟ يتردّد قليلاً، لكنّه لا يلبث أن يجد جواباً في روايته «الولد الجاهل»: «في هذه الرواية، تطرح الكاتبة المعروفة فجأة هذا السؤال على الكاتب الناشئ، كأنها تؤنّبه أو تنهره أو ترثي له، فيجيبها خائباً، بعد تفكير طويل وتردّد أطول: لا أدري. ومثله أتنبّأ، أنّ العمر سيمضي بي من دون أن أعرف بالضبط لماذا أكتب! لكنني متأكّد أنه ينبغي أن نكتب رواياتنا بشجاعة وأمل. لا يحقّ للروائي في هذه المنطقة أن ييأس».



5 تواريخ

1947
الولادة في دمشق

1991
صدور روايته الأولى
«موزاييك دمشق 39»
(دار الأهالي، دار التكوين ــــ 2007)

1998
تفرّغ كليّاً للكتابة

2009
بلغت روايته «المترجم الخائن»
(الريّس ــــ 2008) القائمة القصيرة
لجائزة «بوكر» العربية

2010
صدرت روايته العاشرة «جنود الله»
عن دار «الريّس»