جلنار واكيم

في لبنان سمعنا في الآونة الأخيرة عن مطاعم للفقراء، في دول عربية أخرى بدأت الظاهرة تنتشر، ولكن قليلون يعرفون أنها تأتي تقليداً لمطاعم «كولوش»، أو مطاعم القلب كما تُسمّى في فرنسا.
الحرارة لا تتجاوز درجتين. على الرصيف يقف صف طويل، يتقدم ببطء وبصمت. الوجوه متشابهة، أما الموجودون، فهم على الأغلب متقاعدون، أو مهاجرون بلا أوراق، أو عاطلون من العمل. هنا أمام جمعية «مطاعم القلب» ينتظرون منذ عدة ساعات وجبة ساخنة تدفئهم.
في الأول من شهر ديسمبر (كانون الأول)، فتحت الجمعية بفروعها الـ1950 أبوابها لتستقبل آلاف المحتاجين في جميع أنحاء فرنسا. البعض اعتاد المجيء منذ عدة سنوات، وآخرون يأتون إلى هنا للمرة الأولى. يأكلون ملء شبعهم، و يحملون معهم طعاماً يكفيهم ويكفي عائلاتهم لمدة يومين.
تأسست الجمعية عام 1985 على يد الفكاهي كولوش. كانت لدى هذا الفكاهيّ فكرة، تحدث عنها في برنامج إذاعي: «لديّ حلم، أن أوزّع 2000 وجبة مجانية يومية على الفقراء والمحتاجين». وهكذا كان. تحوّل الحلم إلى حقيقة، وانضم إليه 5000 متطوع في البداية، وقُدمت ثمانية ملايين و خمسمئة ألف وجبة.
من هو كولوش؟
كولوش فكاهي فرنسي لمع اسمه بين الستينيات و السبعينيات.
في عام 1981، لم يكتفِ كولوش بانتقاد السياسيين، بل حمله حسّه إلى الترشّح للانتخابات الرئاسية. لم يعش كولوش طويلاً ليرى مشروعه يكبر. ففي عام 1986، توفي في حادث سير دراماتيكي. بالرغم من ذلك، نظّم أصدقاء كولوش من فنانين ومتطوعين الحملة الثانية لمطاعم القلب، وقدّموا برنامجاً متلفزاً لدعم المطاعم وجمع التبرعات. وبعدها بسنتين أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً حمل اسم هذا الفنان «قانون كولوش» لمساعدة الفقراء والمحتاجين. ومنذ ذلك الحين، بات يجتمع عدد أكبر من الفنانين الفرنسيين الذين يقيمون حفلات في جميع أنحاء فرنسا من أجل جمع أكبر عدد من التبرعات.
اليوم، بعد مرور 24 عاماً على افتتاح مطاعم القلب، ما زال آلاف الفرنسيين والمهاجرين يعانون الفقر. أمّا عن التمويل، فالمصدر الأساسي هو التبرعات، إضافة إلى حفلات موسيقية تقدّمها فرقة تجمع موسيقيّي فرنسا، يجتمعون سنوياً لتقديم حفلات يعود ريعها إلى هذه الجمعية. كما تباع الأسطوانات من أجل دعم هذه الجمعية، وتسهم الدولة الفرنسية والمؤسسات الأوروبية في تقديم الدعم المالي.
هذا العام، أعرب المنظمون عن خوفهم من ارتفاع عدد المحتاجين بسبب الأزمة المالية وارتفاع البطالة في فرنسا. ويؤكد بول برت أحد المنظّمين أن عدد المسجّلين ارتفع 10 بالمئة هذا الموسم مقارنةً بالعام الفائت، وإن كانت الجمعية قد تمكّنت من إطعام الجميع حتى الآن، فقد تحتاج إلى دعم أكبر هذا العام في ظل أزمة قد تكون هذه فقط بدايتها. ومهما يكن، تبقى هذه التجربة فريدة في مجتمع اعتادت الدولة فيه تكلّف جميع المهمات الإنسانية، ولم يعد المرء يحسّ بضرورة مساهمته في حل مشاكل المحتاجين والفقراء. رحل كولوش، وبقيت مطاعم القلب تكبر يوماً بعد يوم. منذ أكثر من 24 عاماً، بات الفنّانون ينشدون من أجل حل آفة الفقر، وفي كل حفلة، ترفع صورة تحية للأب الأكبر، ليبقى كولوش هنا بعد سنوات من رحيله.