إشبيلية الإسبانية لا تزال تحفظ في شوارعها ومبانيها ولغتها آثاراً من الحضارات التي مرت عليها، وإضافة إلى جمال المدينة فإن إيقاع الحياة الفريد فيها وحيوية أبنائها يجعلان المرء يشعر بأن الوحدة هي عدو الإسبان


جلنار واكيم
وطئت رجلي الأرض الإسبانية أكثر من ثماني مرات، درت فيها في الشمال وفي العاصمة مدريد وفي الجنوب أيضاً. ولكنني لم أحس يوماً بأنني اكتفيت من هذه الزيارات. ليست الحجارة هي الجاذب الأول بالنسبة إلي، رغم جمال المدن الإسبانية الشاهدة على تاريخ أوروبي امتزج مع الحضارة العربية والإسلامية، وزيّنته الروح الغجرية.
إنهم الإسبان يخفون سحراً لا مثيل له. ففي كل زيارة تنتظرك مغامرات مع هذا الشعب الذي يحوّل كل مدينة إلى مسرح بروحه الفكاهية وموسيقاه وصوته العالي. وفي كل مرة كنت أصل فيها إلى إسبانيا، كنت أودع الحميمية.
إشبيلية إحدى المدن الساحرة، وصلت إليها آتية من فرنسا. سرعان ما اختلف الطقس فأحسست بأنني في لبنان. النور كثيف بسبب قوة الشمس وأشجار الزيتون في كل مكان. ثم تأتي اللغة لتذكرك بأنك لست في دولة عربية... ولكن مهلاً، هنا على يمين الطريق، كُتبت بالأحرف اللاتينية كلمة «الساقية». سألت السائق عن معنى هذه الكلمة من باب التأكد. أجابني بأنها القناة الصغيرة الذي تنقل الماء من مكان إلى آخر. فقلت له بفخر إن الكلمة عربية الأصل، واستطردت: «لقد كنا هنا يوماً، وما زالت آثارنا حاضرة». إجابة السائق عكرت مزاجي: «كنتم هنا، ولكننا طردناكم». صمت. قد يكون السكوت ملائماً أكثر في هذه الحالة. ثم حوّلت الحوار إلى موضوع أقل حساسية وأكثر أهمية لسائح جاء ليجول في إشبيلية لا ليطالب بإرثه «المشروع!». سألت عن المعالم السياحية، وماذا علي أن أرى في المدينة. راح السائق يتكلم، وأنا أدوّن على دفتري، فما من معلومة أجمل من تلك الآتية من ابن البلد.
وصلت إلى الفندق وبدأت أستعد لرؤية ما ذكره لي السائق. فجأة دوّى انفجار كبير هز النوافذ والأبواب. يا إلهي!! ما هذا؟ نسيت لوهلة أين أنا وسرعان ما عادت إلى ذاكرتي صور طفولة مطبوعة بمشاهد السيارات المفخخة في بيروت. مهلاً، أنا لست في بيروت. لا بأس، فهنا أيضاً، ما زالت المشاكل بين مجموعة إيتا الانفصالية والدولة الإسبانية تذكرك بالواقع اللبناني وبفصول الحرب الأهلية الدامية. لم يمض وقت طويل حتى نسيت الانفجار. وسرت علي قدميّ أكتشف إشبيلية.
واقع هذه المدينة يجسد أرقى حقبة في تاريخ العرب. وللمرة الأولى أحسست بأهمية مادة تاريخ العلوم عند العرب، هذه المادة التي مثّلت عذابات لنا في المدرسة بسبب تعقيد الأسماء فيها.
تقع إشبيلية في وسط الأندلس. مرت عليها حضارات عديدة ما زالت حاضرة أبرزها الرومانية والعربية والأوروبية. كما أن نهر غوادالاكيفير يُعدّ ركيزة أساسية في هوية هذه المدينة، ويقسمها إلى شطرين. زينة هذه المدينة معالم ثلاثة: الألكازار والخيرالدا، يعودان إلى الفترة الرومانية (المنارة السابقة للمدينة) والكاتدرائية.
للكاتدرائية أهمية بالغة، إذ إنهه بُنيت على بقايا جامع مسلم، وهي ثالث أكبر كاتدرائية في العالم. كما أن المستكشف الشهير كريستوبال كولون (كريستوف كولومبوس) مدفون فيها.
في المدينة أحياء عدة لا بد من زيارتها. حي «لوي آريناليس» وهو الحي المحاذي للمرفأ القديم، حي «سانتا كروث»، وقد شُيّدت مبانيه على أنقاض الحي اليهودي. يحلو في هذا الحي المشي ودخول المنازل ليتعرف المرء إلى فن العمارة الأندلسي. ثم تجدر زيارة حي «ترينانا» وهو الحي الأقدم في المدينة، حيث تحفظ كل زاوية شواهد من تاريخ المدينة، وأخيراً يقودنا المسير إلى «حي الماكارينا». يقع هذ الحي في شمال المدينة ويتميز بوجود العديد من الحانات السهر فيه.
بالإضافة إلى اختلاف شكل المدينة واللغة عما اعتدناه، فإن العلاقة مع الوقت من أبرز ما يواجه الزائر ويحيره في إشبيلية. المدن الإسبانبة عموماً تصحو متأخرة، فتفتح المحال حوالى الساعة الحادية عشرة. والمشكلة الأكبر في هذا الشأن تكمن في توقيت الغداء والعشاء. فالإسبان يتناولون وجبة الغداء عند الساعة الرابعة بعد الظهر، ولا يتناولون وجبة العشاء قبل العاشرة ليلاً.
لا جدوى من البحث عن مطعم في غير هذه الأوقات، فالمطاعم كلها تغلق أبوابها، وعلى السائح أن يتأقلم مع طريقة عيش الإسبان، وفي هذا الإطار يجدر التشديد على أنه من الصعب أن يتأقلم المرء في غضون أيام قليلة مع هذا الإيقاع. يعيش لساعات وهو يتضور جوعاً وقد يتوسل العاملين في أحد المطاعم ليفتحوا له صالة الأكل قبل نصف ساعة من الموعد المحدد، ذلك كله لأنه لم يعد قادراً على تحمل الجوع.
كانت مسألة الجوع أبرز مشاكلي في إشبيلية. ولكن كان هناك دائماً شيء يصادفني لينسيني صوت بطني الفارغ. في أحد مشاويري، وأنا أبحث تائهة عن مطعم يطعمني أي شيء. استوقفني في طريقي «زياح من المؤمنين»، رافعين تمثالين مزينين ليسوع المسيح ومريم العذراء. وراء الموكب مشت فرقة ضخمة من الموسيقيين المراهقين، يعزفون الأناشيد الدينية على آلات نفخ، وآخرون على آلات إيقاعية. كانت الساعة الثانية عشرة ليلاً. تساءلت: ألا تنتبهون إلى أن الموسيقى عالية جداً، وهي بالتأكيد ستؤدي إلى إزعاج النائمين في مثل تلك الساعة؟ ولكن من قال إن الإسبان ينامون في هذه الساعة. قد يكون من المستحيل على هذا الموكب أن يمر في فترة ما بعد الظهر. فالقيلولة من المقدسات في إسبانيا، ينام المواطنون كافة وتُشل الحركة بين الثالثة والخامسة بعد الظهر تقريباً. أما في المساء، فالكبار والصغار صاحون.
فجأة، صرخ قائد الفرقة بالمجموعة لتتوقف، فتوقف الجميع عن العزف. وبدل أن يبقوا موحدين كأية فرقة أخرى، سقطت الصفوف وتفرقوا. الجميع وضع آلته جانباً. هذا أخذ هاتفه وآخر سحب سيجارة، وثالث بدأ يتحدث مع إحداهن على الشرفة. ولم يبق ما يوحد هذه المجموعة إلا اللباس الكشفي. وأما حاملو التماثيل، فهم أيضاً وضعوها أرضاً، لتنزل العذراء والمسيح من السماء إلى الأرض. ثم بصرخة جديدة، توحدت الصفوف وإن بصعوبة، عاد العزف، رُفع تمثالا المسيح والعذراء، ومشت الفرقة.



أكل وغناء

فرغت الطريق وظهر نور من مكان وحيد. إنه المطعم الذي كنت أبحث عنه. دخلت المطعم وأنا بمنتهى السعادة. السفرة الإسبانية تتألف من المازات والأطباق المتعددة، وفيها الكثير من الثوم وزيت الزيتون والطماطم. رحت أتأمل الزبائن الإسبان يجلسون إلى طاولاتهم، يتناولون السانغريا ويتكلمون بصوت عال جداً. وبين الحين والآخر، تأخذ الحماسة أحدهم فينطلق بغناء فلامينكي حزين متألم، يستجيب له كل الموجودين، وتعلو
الأيدي وتصفق له إيقاعات البالماس