رياض صوما *

عندما أطلّ ديمتري مدفيديف ببذلته الزرقاء الأنيقة، ووجهه البشوش، ليلقي خطابه الأول كرئيس جديد لروسيا، كان الانطباع الأول لدى الجميع، أن روسيا تتغير بسرعة. لم يكن التناقض واضحاً قياساً إلى أعضاء القيادة السوفياتية عندما كانوا يقفون على منصّة ضريح لينين، ببذلاتهم الداكنة ووجوههم العابسة، بل حتى مع طلّة بوتين العصرية، ولكن ذات التقاسيم الحادة.
ولعلّ هذا بعض ما أغرى الصحافة العالمية بطرح التوقّعات الإيجابية بشأن احتمالات تحسّن العلاقات بين روسيا والحلف الأطلسي. ولكن الوقائع ذهبت باتجاه مغاير. فقد أصرّت إدارة بوش على مواصلة إضاعة فرص تحسين المناخ الدولي، وخاصة مع روسيا. هكذا تابعت نهجها المتصلب، في كل الملفات الدولية العالقة؛ في العراق، وفي الملف النووي الإيراني، والملف الفلسطيني، وكذلك في الشأن السوداني، والأفغاني، وصولاً إلى الملف السوري ـــ اللبناني، حين تابعت مساعيها لإجهاض اتفاق الدوحة، وتزخيم الخلاف السوري ـــ السعودي.
ولكن ما هو أخطر، بادرت إليه في مكان آخر. انتقلت من مرحلة الضغط على الروس إلى مرحلة استفزازهم. سواء عبر بدء تنفيذ خطة نشر الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا، وتوسيع نشر قوات أطلسية في آسيا الوسطى والقوقاز، إلى مباشرة البحث بضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، ثم إلى تشريع انفصال كوسوفو عن صربيا.
وجاء هجوم النظام الجورجي التابع للولايات المتحدة على أوسيتيا الجنوبية، ليدفع التحدي الأميركي للأمن الاستراتيجي الروسي إلى ما يتعدى قدرة هؤلاء على الاحتمال. لذا بمقدار ما بدا الهجوم الجورجي مفاجئاً، جاء مفاجئاً الرد الروسي الحاسم. فحتى تلك اللحظة، كان هؤلاء يكتفون بالاحتجاج السياسي على الضغوط الغربية المتواصلة. ودون الغرق في تحليل مدى التنسيق المسبق بين شاكاشفيلي وإدارة بوش، أو التساؤل عن نوايا الفريقين، يمكن الجزم بأن الرد الروسي لم يكن موجهاً إلى القيادة الجورجية وحدها، بل إلى جميع خصوم روسيا القريبين والبعيدين، وخاصة في واشنطن.
فقد أرادت القيادة الروسية إبلاغ الجميع، أن الكيل قد طفح. وكان فحوى الرسالة واضحاً: لن يمرّ تجاوز مصالحنا بعد الآن دون ردّ مناسب. إمّا احترام المصالح الروسية، وخاصة في مداها الحيوي، وإما تحويل المنطقة الممتدة من القوقاز إلى الهند، إلى مسرح عمليات يغرق فيه الحلف الأطلسي أكثر مما هو غارق حتى الآن.
وتشير كل التطورات التي تلت إلى أنّ الرسالة قد وصلت. ولمن لم يفهم مباشرة، جاء تصريح مدفيديف ليفهمه، عندما قال: روسيا لا تخشى حرباً باردة جديدة، إذا كان الدفاع عن أمنها القومي، يقتضي ذلك. وأعقب ذلك انعقاد قمة دول منظمة شنغهاي، ليؤكد أنّ روسيا ليست وحدها في المواجهة. وهذا يُظهر أنّ تداعيات الحرب الجورجية، ليست ذات طبيعة تكتيكية محصورة في جورجيا أو حتى القوقاز. فكما أشار انهيار جدار برلين إلى بدء عصر الأحادية الأميركية، تشير حرب أوستيتيا الجنوبية إلى بداية انحسار هذه الأحادية.
وكانت مقدمات ذلك قد ارتسمت على مدى السنوات الأخيرة. فأهمية ما قامت به القوات الروسية، لا يكمن في جانبه التقني، أي «استعادة الجيش الأحمر لياقته»، على أهميته، بل في طبيعة القرار السياسي الذي حرّكه. حيث إنه يكشف خروج روسيا من الغيبوبة السياسية التي دخلتها إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، وعودتها الميدانية بقوة إلى المسرح الإقليمي والدولي. كما يكشف من خلال أداء الثنائي بوتين ـــ مدفيديف، وهما ليسا مجرد شخصين، طبيعة النخبة الروسية الجديدة: نخبة عصرية المظهر واللغة، تلبس قفازات مخملية، ولكنها تملك قبضة فولاذية.
في الشرق، ستتسارع مسيرة ارتقاء الصين إلى مرتبة قوة عظمى كاملة المواصفات. إنها الآن قوة عظمى رياضياً، وتقترب سريعاً من التحول إلى قوة عظمى اقتصادياً، ولن يطول الوقت لتتحول إلى قوة عظمى عسكرياً وسياسياً واستراتيجياً. في الغرب ستساهم العودة الروسية، بتعديل التوازنات داخل الحلف الأطلسي لمصلحة أوروبا، وربما لتوجهاته. فستقاوم أوروبا مستقبلاً بشكل أقوى، محاولات جرّها وراء المشاريع الأميركية، على حساب استقرارها السياسي والاقتصادي والأمني.
أما في الوسط، وهذا يهمنا بصورة مباشرة، فستكتمل مع العودة الروسية مسيرة انهيار مشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي ـــ الإسرائيلي. وقد بدأت كل قوى المنطقة استعدادها للتكيف مع الواقع المستجد، وخاصة القوى الثلاث الأكثر جهوزية، وهي روسيا وإيران والهند.
القوى الثلاث المذكورة موجودة في معاهدة شنغهاي، ولكنها الأقرب إلى المسرح الشرق أوسطي. روسيا، التي تجد صعوبة باستعادة ما تنازلت عنه في أوروبا الشرقية، طمعاً برضى غربي حصلت على نقيضه، ولا ترغب في منافسة الصين شرقاً، وهي شريكتها في مواجهة توسعية الأطلسي وعدوانيته، تجد في الشرق الأوسط الكبير، وهو خاصرتها الجنوبية، الميدان الملائم للدفاع عن نفسها ولاستعادة وزنها الدولي، وخاصة أن لها فيه الكثير من أصدقاء الحقبة السوفياتية، إضافة إلى الأصدقاء الجدد. وهذا ما التقطه الرئيس السوري بشار الأسد، عندما دعا روسيا خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، إلى إعادة الحرارة إلى تحالفاتها السابقة في المنطقة. فردت القيادة الروسية التحية بأحرّ منها، عندما أعلنت استعدادها لإعادة تسليح سوريا.
إيران، المهدّدة أميركياً وأطلسيّاً، ومن إسرائيل و«المعتدلين العرب»، تجد نفسها الآن أول المستفيدين من التطورات التي جرت في القوقاز. ليس فقط لأن الاختراق الأميركي ـــ الإسرائيلي هناك، وهو يستهدفها بقدر استهدافه الروس، قد ضُرب، بل لأن موقف روسيا سيصبح أقوى إلى جانبها، في ملفها النووي وفي كل الملفات. ولأنّ الحصار الأميركي عليها سيتشتّت. روسيا تسدّ «الدين» الإيراني بمعنى ما. فعندما كانت مستضعفة، ولا ننسى ذهاب بريجنسكي آنذاك إلى حد الدعوة لتقسيمها، كان لدى الإيرانيين الجرأة، إلى جانب حلفائهم في المنطقة والعالم، (سوريا، المقاومات العربية، كوريا الشمالية، فنزويلا...) للتصدي للهجوم الأميركي الرئيسي الذي كان يجري على امتداد الشرق الأوسط الكبير، أي على الجنوب الروسي.
أما الهند، وهي القوة الصاعدة، في الجوار المباشر لمنطقتنا، فإنّها لن تبقى طويلاً مجرد مراقب لصراع تاريخي الأبعاد يجري على حدودها. وهي تجد تقاطعاً واضحاً لمصالحها مع روسيا وإيران، لأسباب عديدة، وستساهم إلى جانب هاتين القوتين وربما قوى أخرى، في ملء أي فراغ سينتج عن انحسار الحضور الأطلسي في المنطقة.
إنّها ستسترجع على الأرجح، نهج باندونغ مع بعض التعديل الذي تقتضيه الظروف الدولية الراهنة. لقد اعتاد الشرق الأوسط على الهند، وكأنها في قارة أخرى. ولكن المستقبل سيذكر الجميع بأنها أكبر قوة ديموغرافية على حدوده. والعالم بعد حرب جورجيا، غيره قبلها، ومنطقتنا في مقدمة المناطق التي ستشهد عمق الاختلاف. الكثير يتوقف على طبيعة الاستراتيجية التي سيردّ بها الأميركيون وحلفاؤهم على الوقائع الجديدة. فإذا أصروا على متابعة سياسة المجابهة والاحتلال الراهنة للشرق الأوسط الكبير، فإنّهم يخاطرون بمواجهة حركات استقلالية متزايدة الفعالية، ومدعومة من الثلاثي الروسي ـــ الإيراني ـــ الهندي، وآخرين.
عندها، بدل أن يكون الشرق الأوسط الكبير، من الهند إلى جورجيا ومن كازخستان إلى أثيوبيا، مسرح تكريس الهيمنة الأميركية الأطلسية الصهيونية على العالم، سيتحول منطلق نظام عالمي جديد، أكثر عدالة وديموقراطية واحتراماً لمصالح الشعوب.

* عضو المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني