هشام صفي الدين *

هل تتحوّل الاستراتيجية الدفاعية التي تنادي بها المعارضة (فللموالاة ربّ دولي يحميها) إلى «لبنان أولاً» بالمفهوم الأردني أو المصري أو حتى السوري؟ بعبارة أوضح، هل الاستراتيجية الدفاعية بحسب تصور المعارضة الراهن هي الخطوة الأخيرة نحو آخر عملية عزل لشعب دولة عربية مجاورة لإسرائيل عن جيرانه العرب عموماً وفلسطين خصوصاً في ما يتعلق بمقاومة إسرائيل؟ وإن كانت الحال كذلك، فما السبيل إلى تفادي هذا المصير في ظلّ الضغوط الخارجية والظروف الداخلية؟
ليس القصد مساءلة النوايا، فالطريق إلى الجحيم كما يقال معبدة بالنوايا الحسنة. القصد هو قراءة نقدية (و«بهدوء» كما علمنا الراحل جوزيف سماحة) لمفهوم هذه الاستراتيجية المطروح وتبعاته في المدى البعيد بدل الاستخفاف به من جهة أو التهليل له من جهة أخرى. وهذا يعني الابتعاد قليلاً عن الدوران في فلك ما يمكن وصفه بالبارانويا الجماعية بشأن سلاح حزب الله التي انتقلت عدواها من عرّابي 14 آذار إلى شتى الأفرقاء اللبنانيين (بارانويا نزع السلاح عند الموالاة، ودمجه عند المعارضة وكسر احتكاره عند اليسار وأطراف ثالثة أخرى).
وعليه، عوضاً عن حصر النقاش بمصير السلاح المباشر، يجب الالتفات إلى المنظومة الدفاعية بحدّ ذاتها والخطاب الإيديولوجي الذي ترتكز عليه، أياً كان المنادي بها.
المنظومة الدفاعية: يمكن تصنيف المنظومات الدفاعية غالباً ضمن تصورين أساسيين لمعنى المقاومة والحرية والاستقلال. الأول، متمثلاً بـ«دولتي أوّلاً»، يرتكز على فكر قومي قطري شوفيني تستحيل فيه السيادة فكرة مجردة ترتبط بتفسير ضيق لحماية الوطن كبقعة جغرافية ضمن حدود مرسومة.
وفي واقع الحال العربي، لا يرقى هذا الفكر حتى إلى المفهوم السيادي القطري المعاصر. فأكثر الدول تمسكاً بالسيادة القطرية كدول غرب أوروبا والولايات المتحدة، تدرك أن أمن محيطها وحتى حلفائها عبر البحار من أمنها، وأي عزل لهؤلاء الحلفاء هو مسّ بأمنها القومي. أما عربياً، فالسيادة القطرية تعني العكس تماماً، عزل البلد المعني عن محيطه بل عدم الاعتراف بوجود هذا المحيط وخنقه لو لزم الأمر (سياسة مصر نحو غزة والأردن نحو الضفة). ويعود هذا الاختلاف في مفهوم السيادة إلى سبب بسيط: فعربياً، ترتبط سياسة «دولتي أولاً» ببناء الأنظمة واستمراريتها لا الدولة.
في مقابل هذا المفهوم «السيادي»، يطالعنا مفهوم مغاير للأمن والحرية والسيادة يرتكز على مبدأ حماية الناس وأرضهم الذي هو حقهم كأصحاب حياة وأرض لا كأرقام ومواطنين. وقد يتطلب ذلك حماية حدود ما، لكن الناس والأرض، لا «الدولة»، هم الأساس.
الخطاب الإيديولوجي: كلما يكثر خطاب الاستراتيجية الدفاعية من الحديث عن كرامة لبنان وسيادة لبنان وحماية حدود لبنان وغيرها من التعابير النظرية، ويبتعد عن الحديث عن الناس وأرضهم وحريتهم، كلما انزلقت الاستراتيجية نحو اقتباس، ولو عن غير عمد، خطاب «دولتي (أي لبنان) أولاً».
وفي ما يخص الصراع مع إسرائيل سنجد تاريخياً أنه كلما ازداد ارتباط حركات الكفاح والمقاومة بالأنظمة أكثر، أو هي تبوّأت السلطة، كلما فسدت وساومت وحادت عن أهدافها، بينما كلما بقيت مرتبطة قيادياً وتنظيمياً وقراراً بالناس ولو اعتمدت على دعم ما من الدولة، نجحت في الحفاظ على هويتها وأهدافها. وعلى الساحة اللبنانية، السؤال الذي يطرح نفسه إذاً هو:
أي من المفهومين يطغى على صيغة المعارضة للاستراتيجية الدفاعية؟ لا شك بأن معادلة الشعب المقاوم موجودة بقوة في أدبيات حزب الله، أخيراً في ورقة التيار العوني. لكن الخطوات العملية المقترحة حالياً تصب في أدبيات «لبنان أوّلاً» ويمكن اختصارها بالدعوة إلى أمرين: أ ـــ مركزية القرار ولامركزية التنفيذ. ب ـــ تسليح الجيش تمهيداً لدمج المقاومة به.
الأمر الأول يربط شرعية استخدام السلاح بهوية حامله (مركزية أمراء الطوائف؟) بدل ربطه بأسباب استخدامه. والثاني يسمح باستبدال إسرائيل بأي عدوّ خارجي (أو داخلي «أجنبي») بحسب الرياح السياسية للبلد حتى لو سمحت الظروف مستقبلاً بإعادة بناء جبهة لبنانية فلسطينية موحّدة تتفادى أخطاء الماضي.
لذلك فإن مركزية القرار وتسليح الجيش من دون ربطهما بسياسة وطنية لا لبس فيها بالنسبة للموقف من قضية الصراع العربي ــــ الإسرائيلي، وخصوصاً في ظل تاريخ لبنان في هذا المجال، يؤسس لمنظومة دفاعية لبنانية ضيقة يمكن أن تتحول إلى «لبنان أولاً» في أي لحظة.
كيف يمكن إذاً تعديل هذه الصيغة؟ ألم يكن الأجدى بوسائل الإعلام ومراكز الدراسات وأجهزة هذه الدولة (التي تريد الإمساك بقرار الحرب والسلم ولا تقوى على إعداد دراسة!) الانشغال بطرح السيناريوهات المختلفة لإيجاد أكثرها فعالية وملاءمة (أم أصبح حزب الله الداء والدواء فمطلوب منه تسليم سلاحه وابتكار الوسيلة المرضية للطرف الآخر أو تفويض حليفه بذلك؟).
في ما يلي بعض الطروحات (التي تحتاج إلى شرح أوفى والناقصة حكماً وهي لفتح باب النقاش) لما يمكن أن يمثّل أسس استراتيجية دفاعية تضع القضية والناس قبل الدولة والحدود، وإن ضمن المتاح في ظل المناخ السياسي السائد اليوم.
أولاً: التأكيد بفخر أن شرعية السلاح تنبع من طريقة استخدامه وأهدافه (أي حماية الناس لبنانيين وفلسطينيين) وليس هوية مستخدمه (الدولة أو قوى وطنية أخرى). الترجمة العملية: أن يتم الحوار بالدرجة الأولى حول قواعد استخدام السلاح عوضاً عن الانشغال بنقل المهمة من يد إلى أخرى (من الحزب إلى الجيش). أي عوضاً عن التركيز على آلية تسليح الجيش مقدمة لدمج المقاومة به، يُصاغ ميثاق وطني يحدد بدقة قواعد استخدام حزب الله لسلاحه والأجهزة المرتبطة بأعمال المقاومة. إلى حين إيجاد صيغة أفضل لمقاومة جامعة لا تولي زمام أمورها لجيش نظامي إلا إذا توصلت الأطراف اللبنانية إلى شبه إجماع على دور لبنان في الصراع مع إسرائيل. هكذا، تضمن المقاومة هامشاً للمناورة من ضمن حدود مقبولة لدى معظم اللبنانيين.
ثانياً: التخلص من ثنائية التعامل مع السلاح وكأنه إما الأداة الوحيدة لتحقيق انتصار شامل على إسرائيل، أو السبب الرئيس في نزول الويلات بالوطن (وكلاهما بالمناسبة يعززان مقولة «لبنان أولاً». فالأول غير صحيح إلا في نطاق تحرير الجنوب لا فلسطين، والثاني ليس مهتماً بفلسطين أصلاً).
فالقوى اللبنانية مصابة بهوس إما إنهاء مستقبل العمل العسكري الفدائي أو التهافت عليه والشكوى من حصريته في جهة. والعجب في الحالة الثانية أكثر منه في الأولى. فهناك ألف قضية وقضية يمكن للأطراف الصادقة في دعمها للقضية الفلسطينية أن تتبناها في سبيل تدعيم الجبهة الداخلية. وكأن هذه القوى التي تتذمر من عدم استطاعتها المشاركة بالمقاومة قد حققت الإنجازات العملاقة في مجال الكفاح الطبقي والنضال الشعبي الفلسطيني، في وجه القوانين اللبنانية الجائرة والقيادات الفلسطينية المتقاعصة، ولم تجد من تحدّ جديد سوى تكليل هذه النجاحات بحمل السلاح في وجه إسرائيل.
الترجمة العملية: إطلاق القوى الداعمة للمقاومة والمهمشة حالياً ورشة عمل لتفعيل أساليب المقاومة غير المسلحة، من دعم فك الحصار في غزة، إلى التواصل مع الحملات العالمية لمقاطعة إسرائيل وتقويض نظامها العنصري، إلى إنهاء حالة الحصار القانوني لفلسطينيي لبنان الذي يمثّلون خزاناً من الطاقات التي يمكن تجييرها لمصلحة المقاومة بما يتلاءم مع الواقع اللبناني. ولا يمنع انصراف هذه القوى عن موضوع السلاح حالياً من التشارك في الأعباء (المقاومة المسلحة والمدنية) في المستقبل بعد بناء الثقة بين الأطراف والخبرة كل في مجاله.
ثالثاً: عدم الرهان ضمن أي استراتيجية على الأنظمة العربية في ما يتعدى الدعم اللوجستي والمادي الذي لا يهدد استقلالية القرار المقاوم. الترجمة العملية: إذا جرى العمل على بناء جبهة مقاومة عربية مشتركة (وهي حاجة تكاد تكون ضرورية) يكون الإطار الجامع لها شعبياً لا رسمياً. أي يجب ألا تتورط الحركات المقاومة في علاقة عضوية مع أي نظام عربي أو إقليمي حالي أكثر مما تحتاج إليه لتأمين استمراريتها.
ولكن ماذا لو انخرطت هذه الأحزاب نفسها بالسلطة؟ المفارقة أن ذلك يعني نجاح نهجها، ولكن أيضاً بداية خرابها. وفوز المعارضة اللبنانية في الانتخابات النيابية المقبلة هو أكثر التطورات التي يمكن أن تدفع نحو هذا الاتجاه على الساحة اللبنانية، أي نحو إعلان ولادة «لبنان أولاً» تماماً كما كان انخراط «حماس» بالسلطة عاملاً في خلق «غزة أولاً» وضرب المقاومة الفلسطينية.
لا شك (ونأمل إن وجد الشك) بأن حزب الله يدرك خطورة تداعيات فوز المعارضة على مشروع المقاومة. ونأمل أكثر أنه، في محاولة مستمرة لنفي تهمة تبعيته للخارج ــــ بينما تزداد مشاركته بصنع القرار الداخلي ــــ لم ولن يصبح لبنانياً... أكثر من اللزوم.
* كاتب لبناني