هشام صفي الدين *

ما هو مستقبل المقاومة؟ سؤال يجب إعادة طرحه اليوم في ظل هبوب رياح «المصالحات» العربية و«المهادنات» الأميركية و«اللفتات» التركية وما سيتبعها من متغيرات ذات صلة بالمنطقة. لم يعد كافياً القول، في وجه خطاب أميركي دبلوماسي ومركّب (أي غامض وملتبس)، أن بوش وأوباما وجهان لعملة واحدة. فوحدة الأهداف لا تعني وحدة الوسائل، واختلاف الوسائل يتطلب تحولاً في سبل الردّ. كذلك لا يكفي ترداد أن حربي لبنان وغزة الأخيرتين كشفتا عن الأطماع الإسرائيلية وأدّتا إلى هزيمة إسرائيل، وإنّ غداً لناظره قريب. يجب بحث أوجه الشبه والاختلاف في الأسباب والنتائج وما يترتب من تباعد أو تماثل في استراتيجية المقاومة في لبنان أو فلسطين.
ومراجعة كهذه تفيد بأن سياسة أوباما هي سياسة احتواء، وهي نتيجة مباشرة لا لطيب خاطر أوباما بل لفشل سياسة بوش التوسعية وتصدّر الأزمة الاقتصادية سلّم أولويات الإدارة الجديدة التي لن تحتمل المزيد من الاستنزاف الخارجي في المدى المنظور. باختصار، وبشيء من التبسيط، بوش هو نيكسون قبل بوادر الهزيمة قي فيتنام وأوباما هو نيكسون بعدها. فسياسة الاحتواء تعني الانفتاح الحذر على الخصوم (نيكسون نحو الصين وربما أوباما نحو إيران) والاعتماد الزائد على الحلفاء المحلّيين (نمو الدور التركي وتعويم مصر والسعودية والسلطة الدحلانية). وسيعني ذلك المزيد من الضغوط على قوى المقاومة (من الصديق قبل العدو وإن بدرجات متفاوتة) للمساومة مع القوى المحلية المحبة للحياة. وجزرة الاعتراف بحماس وحزب الله من بعض الجهات الغربية قبل الاعتراف بأحقية ما ينادون به هي الخطوة الأولى لطلب المساومة. وقد عقدت مساومات في عهد بوش عندما كان سهلاً كشف تواطؤ القوى المحلية «المعتدلة»، فما بالك بحجم هذه المساومات وتداعيات رفضها في المرحلة المقبلة؟
والحق أن محدودية المناورة لدى قوى المقاومة لن تكون نتيجة هذه الضغوط وحسب، بل انعكاساً جزئياً لأحادية الخطاب المقاوم الذي يدور لسنوات حول زمن الانتصارات وعدائية إسرائيل بدل الغوص في طبيعة هذه العدائية التي تتخطى العمل العسكري لتشمل إسرائيل ككيان اقتصادي واجتماعي وسياسي.
والتعاطي مع حرب غزة دليل على هذا النقص في الرؤية ومقاربة الصراع. فمن نافل القول إن أهداف إسرائيل في لبنان وغزة هي ضرب المقاومة. لكن من الخطأ الاستنتاج أن عدوّ المقاومة في كلتا الجبهتين واحد. فإسرائيل دولة احتلال في لبنان لكنها دولة استيطان في فلسطين. وشعار تحرير الأرض حتى آخر شبر ينطبق على لبنان. ولكنه شعار لا يكفي في فلسطين حيث لا تدور المواجهة مع جيش محتل فحسب، بل مع مجتمع بأكمله من قوة إنتاجية مسيطرة إلى أجهزة أمنية ومستوطنات وجدار فصل عنصري وتطهير عرقي وحصار وتجويع. باختصار، إن استنساخ التجربة اللبنانية في غزة من دون تعديلات، هو ترسيخ لفصل غزة عن باقي فلسطين، كلّ فلسطين. فإذا كانت المقاومة في لبنان بكل إمكاناتها المتراكمة غير قادرة على استرجاع شبر واحد داخل الخط الأخضر لأسباب موضوعية لا عن تقاعص، فماذا يعني أن نطالب بتحرير أرض كل فلسطين من غزة في ظلّ ما تملكه من قدرات أقل محدودية بكثير؟ ليست المساءلة انتقاصاً من الإنجازات الراهنة أو رفضاً للكفاح المسلح. لا شك بأن حربي لبنان وغزة أرستا توازناً عسكرياً جديداً. لكنه توازن ردعي. وعليه، فإذا كان الهدف هو التحرير لا الردع فقط، يجب اتباع رؤية مختلفة للصراع داخل فلسطين. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي الإدراك أن المعركة قي فلسطين هي معركة ضدّ نظام استيطاني عنصري لا مجرّد احتلال، وأن الاستمرار في الحديث عن حلّ الدولتين وحدود الـ67 والفصل بين عرب الداخل وفلسطينيي الضفة والقطاع هو تجاهل لهذا الواقع. وأحداث حرب غزة تؤكد ذلك. فما معنى أن تعم التظاهرات مدن الداخل بينما تنجح سلطة عباس في قمع أي حركة تضامن في الضفة مع أهل القطاع؟ وما معنى ألا يتوانى شخص كعزمي بشارة عن تسمية الأشياء باسمها ورسم خطوط التواطؤ بين إسرائيل والسلطة في رام الله بينما يمتنع مصطفى البرغوثي عن ذلك رغم إدانته لهذا القمع؟ ولماذا تهرع إسرائيل إلى احتضان أي قوة محلية في لبنان أو الضفة والقطاع مستعدة لمساندتها بينما تكاد تقابل تحركات عرب الداخل، وهم حليف طبيعي بل أصحاب القضية، بلامبالاة أو اهتمام عابر من جانب القوى المقاومة مقابل إصرار مرهق على إبقاء الجسور مفتوحة مع شرائح سياسية موالية لإسرائيل في الضفة أو لبنان؟ ولماذا حصل شبه تجميد لعملية الضغط من أجل فك الحصار عن غزة بشتى السبل التي تتخطى إطلاق الصواريخ في انتظار نتائج حوار بيزنطي في القاهرة لا يسمن ولا يغني عن جوع؟
أليست هذه الوقائع كافية لمراجعة نقدية لطبيعة الصراع وللمشروع الملتبس لقيام دولة فلسطينية على فتات أرض فلسطين؟
إنّ رؤية إسرائيل من منظار استيطاني لا احتلالي يعزز نظرية الحلّ على أساس الدولة الواحدة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات في ظل تراجع أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يضمن عودة فلسطين فعلياً ومن دون تطهير عرقي مضاد. وتعتمد هذه الرؤية على التطورات الميدانية، وعالجها بإسهاب محللون وكتاب كيوري دايفيس وعلي أبو نعمة، لكنها لا تزال غير مطروحة بجدية في العالم العربي، حيث تكاد تقتصر الثقافة الشعبية المقاومة، وخاصة خارج فلسطين، على الخطاب التعبوي الذي لا يمكنه أن ينتج رؤى جديدة وحلولاً خلاقة لتوسيع هامش المقاومة. وما لم تُجدّد هذه الثقافة في هذا الاتجاه وتخرج من ثنائية مقاومة المسرح التي تحترفها قوى الاعتدال والنظام العربي ومقاومة المدفع التي لا تكفي، فستجد المقاومة نفسها في مكان لا تحسد عليه.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، وعلى ضوء هزيمة النظام العربي عام 67، أدرك غسّان كنفاني أن الإنسان هو القضية، وأن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان، وهو ما عبّر عنه في رواية «عائد إلى حيفا» التي أعادت النظر في العلاقة بين نكبة 48 وهزيمة 67. اليوم، تدعو الانتصارات، وإن كانت مؤلمة، إلى مراجعة مماثلة لحيثيات الصراع، مراجعة تسبغ معنى جديداً وبالغ الأهمية على معادلة «حيفا... وما بعد ما بعد حيفا».
* كاتب لبناني