رياض صوما *

وأخيراً، انعقد المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي اللبناني بعد تأجيل متكرر. وكان كثيرون من أعضائه وأصدقائه يعوّلون عليه من أجل إخراج الحزب من عطالته التنظيمية بعدما نجح إلى حد ما في تجاوز أزمته السياسية. ولكنه خيب آمال المراهنين على التجديد. فبعد إصدار مقرراته واستكمال تأليف هيكله القيادي «الجديد»، جاءت رسالته إلى جمهوره وجمهور اليسار باهتة والبعض اعتبرها كئيبة. فقد أكدت عجزه المتواصل عن الخروج من صيغته التقليدية وصورته النمطية، وأولوياته التنظيمية الجامدة. بل أسوأ من ذلك، أظهر حنيناً مرضياً إلى الماضي، عبر العودة إلى صيغة اللجنة المركزية كإطار قيادي. في ما يشبه ردّة محافظة نحو المزيد من المركزية والفردية والانغلاق على القليل من الانفتاح الديموقراطي الشكلي الذي كان قد تحقق منذ المؤتمرين السادس والسابع. في الوقت الذي يحتاج فيه إلى عكس ذلك تماماً، لو أراد استقطاب الأجيال الشابة إلى صفوفه، وقد بات قادته الحقيقيّون يقتربون بسرعة من الشيخوخة. أو لو أراد التقاط الفرصة التي تتيحها التطورات الدولية والإقليمية والوطنية. حيث يفسح فشل الليبيرالية المتطرفة، وتعثر الحرب الأميركية على الإرهاب، واستنقاع النظام الرسمي العربي، وتناقضات النظام اللبناني، المجال أمام استعادة الشيوعيين واليساريين والديموقراطيين والوطنيين لبعض ما فقدوه في المرحلة السابقة. ولكن قسماً من النافذين حالياً في قيادة الحزب لا يرغب على ما يبدو بذلك، ولأسباب لا تحتاج إلى الكثير من التحليل. وقد لاحظ جميع المراقبين ضعف اهتمام وسائل الإعلام بالمؤتمر، والغياب شبه التام للنقاش الفكري والسياسي العلني الذي كان يواكب المؤتمرات السابقة. فبينما كان يواكب تلك المؤتمرات عدد وفير من الصحفيين والمفكرين وقادة الرأي، أحجم حتى مثقفو الحزب، أو على الأصح من بقي منهم في صفوفه أو حوله، عن إثارة نقاش حقيقي بشأن طروحات المؤتمر وخلاصاته. ومع ذلك، لا تبدو قيادة الحزب والمقربون منها قلقين من ذلك، لأن هذه «الجوانب الهامشية» لا تشغل بالهم. فهاجسهم الفعلي تركّز قبل المؤتمر وخلاله، على كيفية الخلاص من هذا الاستحقاق المزعج بأسرع ما يمكن، وتمديد الاستئثار بقرار الحزب، لا أكثر ولا أقل. وقد دفع ذلك العديد من كوادر الحزب الى الاستغراب الساذج، بشأن ما سمّوه عملية سلق للمؤتمر. وتستطيع القيادة الآن، وخاصة جهازها الإداري، الزهو بنجاحها في تجاوز كل الانتقادات التي تعرضت لها خلال المؤتمر، وحماية مواقعها، مستفيدة من كل «الظروف الملائمة» ومن الإمكانات التي وضعها الحزب بين يديها. وليت المسألة تقف عند هذا الحد. فبعض النابهين في صفوفها يعتبر أن غياب النقاش العلني مظهر صحيّ، يعكس تماسك الحزب وصلابته. وكأن النقاش الفكري والسياسي العلني مظهر من مظاهر الأزمة.
أو كأن ضعف نشاطية منظمات الحزب وقطاعاته، وتراجع دوره ووزنه في المعادلات السياسية، يتحمل الطليان مسؤوليته. أو كأن مداخلات مندوبي المؤتمر والشباب منهم على الأخص، كانت مديحا لأدائهم «الرائع «. بينما كشفت تلك المداخلات الهوة المتزايدة الاتساع بين واقع قيادة الحزب، قدرات وأولويات وحسابات ومصالح، وبين الفرص الموضوعية التي تتيحها التطورات على أكثر من صعيد، والتي تسمح بعودة حقيقية للشيوعيين واليساريين والتقدميين إلى مسرح الغعل السياسي والاجتماعي. والمضحك المبكي، أن الأمين العام يكرر أمام الهيئات الحزبية المختلفة وحتى في خطاباته نية، أن التفاوت يزداد بين متطلبات المشروع السياسي للحزب، ومستوى جاهزيته التنظيمية، ثم يشارك في إعداد سلة «الإصلاحات التنظيمية» التي أقرها المؤتمر «وفي استنساخ القيادة السابقة «مع بعض الديكور الضروري، ثم يتحدث عن التجديد». ومع ذلك، يقتضي الإنصاف عدم حصر مسؤولية ما جرى في القيادة القديمة ـــ الجديدة وحدها.
ـــ أولاً، ينبغي التذكير بمدى الإساءة التي ألحقها البعض بقضية تطوير الحزب ودمقرطته، عندما ربطوا قضية الديموقراطية في الحزب بطروحات سياسية أقل ما يقال فيها إنها طروحات يمينية
ـــ ثانياً، لا بد من تحميل قسم كبير من الكوادر والمناضلين الحقيقيين بعض المسؤولية، حيث فضّلوا الانكفاء يأساً، على متابعة مهمة التجديد والتطوير من داخل صفوف الحزب.
ـــ أخيراً وليس آخراً، هناك قدر من المسؤولية تقع على الاتجاهات الاصلاحية في الحزب لطريقتها في تعميم وجهات نظرها والدفاع عنها. حيث غلبت العفوية وغياب التنسيق مجمل حركتها. بينما تميز المحافظون كعادتهم، بالتنظيم الجيد والمثابرة.
في المحصلة، ماذا يمكن القول؟ سيتعرض أصحاب الآراء الإصلاحية والديموقراطية لسيل من انتقادات مؤيدي وجهات نظرهم، داخل الحزب وخارجه، بشأن آمالهم المستحيلة بخصوص إمكان دمقرطة الحزب الشيوعي اللبناني وسائر الأحزاب المشابهة. وسيقال لهم الى متى ستواصلون رهانكم الخاسر،على مشاركة من يرى حل معضلات القرن الواحد والعشرين، بالعودة الى مفاهيم وتقاليد ثلاثينيات القرن العشرين؟ ورغم وجاهة الانتقادات والتساؤلات، على هؤلاء الرد بأنه رغم النتائج السلبية للمؤتمر تحديداً في ما خص التعديلات التنظيمية التي مثّلت خطوة كبيرة إلى الوراء، وتركيبة الهيئة القيادية التنفيذية، فإن الكثير من المؤشرات التي تميز بها المؤتمر تؤكد هشاشة القرارات المتخذة وضعف التركيبات المشرعنة. فمحتوى غالبية المداخلات التي ألقيت، ونتائج التصويت خلال عمليات الاقتراع التي جرت، سواء على صعيد انتخاب اللجنة المركزية أو انتخاب المكتب السياسي، تشير إلى أن المزاج الحزبي العام يتحول ولو ببطء، باتجاه التغيير الإيجابي. فقد كان انتصار «المحافظين» خلال المؤتمر الأخير مرهقاً ومكلفاً، وربما كان الانتصار الأخير. المهم أن نتابع مشروع تحويل الحزب الشيوعي اللبناني إلى نموذج للأحزاب الثورية في لبنان والمنطقة، من حيث الجمع الناجح بين أقصى قدر من الالتزام بالقضايا الاجتماعية والوطنية والقومية والأممية، وأقصى قدر ممكن من الممارسة الديموقراطية داخل صفوفه وداخل المجتمع. هذه هي مساهمتنا الراهنة في إعادة تنشيط اليسار ضمن صفوف حركة التحرر العربية، في وجه جديد عصري وديموقراطي، وصدقية مستعادة. الكثير يتوقف الآن على قدرتنا على إقناع الشيوعيين بذلك، داخل الحزب وخارجه، وعلى تشجيع المحبطين منهم، ولدى الكثيرين ما يبرر إحباطهم، على الانخراط مجدداً في هذا المشروع الطويل النفس للتغيير. أن الحماسة الذي أبداها الشباب قبل وخلال وبعد عقد المؤتمر، رغم الشطحات السياسية التي انزلق إليها بعضهم، تجعلنا واثقين بوجود استعداد حقيقي لإعادة تصحيح الأخطاء الفادحة التي ارتكبت. وليكن نجاحهم في انتزاع قرار بعقد مؤتمر قطاعي للشباب في الخريف القادم خطوة بالاتجاه الصحيح لإخراج الحزب من الدوران المتواصل حول القضايا من دون حلها بصورة مناسبة وبالسرعة الضرورية.
* عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني