رياض صوما *

خلال معركته الانتخابية، بذل باراك أوباما جهداً كبيراً للظهور بمظهر المصمّم على إحداث تغيير حقيقي في التوجهات والأداء الأميركي. لم يمضِ ما يكفي من الوقت لتقدير صدقية الرئيس الأميركي الجديد أو قدرته على الوفاء بتعهداته. ولكن الشكوك بدأت تتزايد حول الجانبين، وهي لا تخفى على المراقبين، ولا على أركان إدارته. فاللغة الملتبسة التي يعتمدها أوباما، ومنطق المصالح التي تحكمه على الصعيدين الداخلي والخارجي يُفسحان في المجال أمام الشكوك المشار إليها، وسوابق صديقه وشريكه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، تعزّزها.
أما نصائح مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، والكاريزما التي يتمتع بها، والتي ساعدته على كسب تأييد الجمهور الأميركي وتعاطف أوساط واسعة على امتداد العالم، والتعاون الظاهري للقوى الدولية الرئيسية حتى الآن، فتمنحه فرصة المحاولة ولكنها لا تضمن نجاحه. وذلك لأسباب موضوعية وذاتية عديدة.
مع ذلك، تحاول الإدارة الأميركية تنفيذ ما يسهل تنفيذه من وعود رئيسها، وخاصة تلك المتعلقة بتنشيط الاقتصاد، والانسحاب من العراق، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان وتعذيب السجناء والأسرى، وقضايا البيئة... فقد باشرت حواراً واسعاً يشمل حلفاءها وأخصامها، لمعالجة الأزمات المشار إليها. من قمة العشرين الأخيرة التي عُقدت في لندن لإنقاذ الاقتصاد العالمي، إلى قمة الأميركيتين التي أبدى خلالها أوباما رغبته في إعادة النظر في الحصار الفاشل على كوبا، مروراً بإعلانه رغبته في مصالحة العالم الإسلامي خلال زيارته الأخيرة إلى تركيا، وينوي تكرار ذلك خلال زيارته القادمة إلى القاهرة. دون أن ننسى إعادة تأكيده التزامه بقرار الانسحاب من العراق في نهاية 2011، ومباشرة المفاوضات مع روسيا لخفض الترسانات النووية، وإبداء رغبته في الوصول إلى عالم دون أسلحة ذرية، والاعتراف بحق إيران في متابعة برنامجها النووي السلمي، إلى تكرار وعده بالسعي إلى إنصاف الشعب الفلسطيني ودعم حقه في إقامة دولته المستقلة، وغيرها من المواقف والالتزامات.
لكن الوعود شيء وإمكانات التنفيذ شيء آخر. ودون المخاطرة بالمقارنة التفصيلية بعهد بيل كلينتون، يكفي التذكير بأن هذا الأخير تسلّم زمام القيادة والاقتصاد الأميركي في ذروة زخمه، والهيبة الأميركية في قمة سطوتها، والنموذج الأميركي في عز ألقه، على خلفية الانهيار السوفياتي، بينما يتولى أوباما قيادة الولايات المتحدة، في شروط أقل ما يُقال فيها، إنها بعيدة كل البعد عن ذلك. لذا يبدو توقّع عجز الإدارة الجديدة عن تمرير «مشاريعها الإصلاحية» أمراً منطقياً. فهناك صعوبة كبيرة في التوفيق بين العناوين المثالية التي يطرحها أوباما، وتعقيدات الواقع الدولي وطبيعة المصالح الفاعلة داخل الولايات المتحدة وخارجها. فرغم تعرض المجمع العسكري الصناعي والاحتكارات النفطية وكتل المضاربة المالية إلى نكسات كبيرة، فإنها ما زالت تملك ما يكفي من القوة، لممارسة ضغوط قوية على إدارته، تلزمها بالحد من طموحاتها للإصلاح.
ولنراجع كيفية تعاطيها مع بعض الأزمات التي واجهتها خلال الفترة القصيرة التي انقضت على تسلّمها مهمّاتها للتأكد من حدود التغيير المتاح أمامها.
الأولى: أزمة إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً قادراً على وضع قمر صناعي في مدار حول الأرض. حيث بادرت إدارة أوباما إلى الاحتجاج على عملية الإطلاق، واستصدار بيان رئاسي من مجلس الأمن يهدد بزيادة العقوبات على كوريا الشمالية. ومثّل ذلك الموقف الأميركي استمراراً للمعايير المزدوجة، مما دفع الكوريين الشماليين للانسحاب من المفاوضات السداسية واستئناف مشروعهم النووي العسكري. فليس هناك أدنى منطق في الاعتراض على امتلاك كوريا الشمالية التقنيات الفضائية، في الوقت الذي تجاز فيه التقنية ذاتها لعشرات الدول الأخرى. وهذا يتناقض مع تعهدات أوباما بالإقلاع عن سياسة المعايير المزدوجة.
الثانية: أزمة الحرب المتوسعة في أفغانستان وباكستان. هنا أيضاً وقعت إدارة أوباما في تناقض مع توجهاتها المعلنة. فبينما التزمت في برنامجها المعلن الخروج من دوّامة الحروب التي انزلقت إليها الإدارة السابقة، وجدناها تضغط على الحلف الأطلسي لزيادة تورطه في الحرب الدائرة في المدى الأفغاني ـــــ الباكستاني. وقد أكدت استمرارها في اللجوء إلى القصف الجوي رغم الخسائر البشرية الفادحة.
الثالثة: أزمة الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. بينما سبق أن تعهد أوباما السعي الجاد لوضع قضية تنفيذ مشروع الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، شاهد العالم مبعوثه إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، يتعرض للإهانة من وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، دون أي رد فعل منه أو من إدارته. بل جرى تأكيد المضي في التحضير لتنفيذ مناورات عسكرية مشتركة بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، تعدّ الأكبر في تاريخ التعاون بينهما حتى الآن. كما جرى تجاهل التسريبات الإعلامية الإسرائيلية عن التدريبات العسكرية الإسرائيلية المستجدة لضرب المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية.
الرابعة: الموقف المخزي الذي اتخذته الإدارة الأميركية وعدد من الحكومات الحليفة عندما انسحبت من مؤتمر مناهضة العنصرية الذي عُقد أخيراً في سويسرا، دفاعاً عن الكيان الصهيوني العنصري.
الخامسة: المناورات العسكرية الأطلسية في جورجيا، التي استدعت رداً عنيفاً من الرئيس الروسي خلال العرض العسكري المستعاد في ذكرى الهزيمة النازية. ويمكن توقع نماذج أخرى ستحصل من مواقف وتوجهات ستكشف الحدود الضيقة وحتى الشكلية للتغيير اللاحق بالسياسات الأميركية في الداخل والخارج.
إنّ تراجع أوباما عن تعهداته أو عجزه عن تحقيقها يعني أن العالم والشرق الأوسط خاصة سيتابع انزلاقه نحو الفوضى التي دفعته إليها السياسات المتهورة لإدارة جورج دبليو بوش. وهذا يعني أن الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة في النهاية سيكون أكبر.
* عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني