هشام صفي الدين *

أيّام تفصلنا عن الاستحقاق الانتخابي النيابي واحتمال فوز المعارضة بالأكثرية. تدور الحملات الانتخابية حول ما ليس في حاجة إلى نقاش أو تفسير: الخيارات الوطنية والإقليمية لكلا الفريقين، التي يدركها الناخب بوضوح كصفاء السما الزرقا. لكن ماذا عن الشأن الداخلي؟ أليس الأحرى الاهتمام به، وخاصة أن الانقسام الحاصل بين المعسكرين يكاد يقضي علي أيّ نبض مؤسساتي لدولة أكل عليها زمن الطائفية وشرب؟ مشروع الموالاة الداخلي له تاريخ معروف وموثّق يعود إلى عهد الحريري الأب قبل أن يطوّب، وبإجماع «قدّيس» لبنان الأوّل إثر اغتياله. وهو مشروع بناء شبكة ثروات خاصة على حساب دولة مرهونة اقتصادياً للدّين والقطاع الخاص والنفوذ الخارجي.
لكن ماذا عن المعارضة التي قد تمسك بدفة الحكم قريباً؟ هل يمكن الحديث عن قوة سياسية اسمها المعارضة في الشأن الداخلي تبشّر بجمهورية ثالثة؟ وكيف ستكون علاقة القوى المتحالفة تحت رايتها في مرحلة ما بعد 7 حزيران إن فازت؟
الجواب يعكسه سلوك قوى المعارضة أثناء السباق الانتخابي. فما معنى أن يجتمع أقطاب المعارضة الثلاثة الكبار من أجل حلّ عقدة مقعد نيابي، ولا يجتمع ممثلون لهذه القوى من الصف الخامس أو السادس لإعلان وعد انتخابي واحد مشترك بشأن قضايا اجتماعية او اقتصادية أو بيئية؟ وما معنى الإصرار على المشاركة قي الحكم مع الحريرية القائمة، بعدما تبيّن أن الضامن الأول والأخير لسلاح المقاومة هو قوة السلاح لا الحوار؟ ولماذا يكاد يقتصر الخطاب المعارض (باستثناء خطاب العونيين) على قضايا الأمن والمقاومة، أي على خطاب دفاعي يصدّ ادعاءات الموالاة، لكنه لا يحاصرها لجهة ما تقترفه من جرائم سيادية في مجال إدارة الدولة ومؤسساتها؟ وكيف يمكن محاربة الفتنة الطائفية (لا الهروب منها إلى الأمام) عندما تتجنّب المعارضة دعم حلفائها السنّة في العلن، وهؤلاء يكادون يخجلون بها بينما التيار الأكثر مناداة بالعلمانية يستعين بالخطاب الطائفي عند كلّ منعطف خطر؟
قد يقول البعض إنّ جدية التغيير تكاد تقتصر على التيار الوطني الحرّ. لكن مراجعة مسيرة التيار في الآونة الأخيرة وبرنامجه ليست مشجّعة. واللوم لا يقع على التيار فقط بل على الصحافة أيضاً، التي كان يمكن أن تدفع التيار نحو المزيد من الشفافية والمسؤولية تجاه خياراته الإصلاحية لو التزمت ببديهيات المساءلة لأيّ مشروع انتخابي. فطلّة عون الإعلامية الأسبوعية فرصة ثمينة لذلك غالباً ما تهدر بالأسئلة الروتينية عن رد فعل عون على ما قالته الموالاة وغيره من العموميات والقيل والقال، رغم طرح عون للعديد من القضايا الإصلاحية المحدّدة.
تتخطى هذه المساءلة تناول البرنامج الانتخابي وتفنيد بنوده كأنه وثيقة علمية قيد الدرس (وهو ما دارت حوله معظم التحاليل الإعلامية) لتشمل عناصر أساسية في العمل الانتخابي مثل:
ــ الوعود الانتخابية: لا بأس ببرنامج انتخابي زهاء 58 صفحة يعج بالمطالب الإصلاحية الصعبة المنال، وأحياناً المستحيلة التحقيق. ومنطقياً لا أحد يتوقّع تحقيق معظمها في المدى المنظور. لكن يجب المساءلة عن بنود محدّدة وأساسية (لا تتخطّى عدد أصابع اليد الواحدة) تمثّل الوعد الانتخابي، التي يبني عليها الطرف حملته قبل الانتخابات، ويبني عليها الناخب محاسبته للسلطة بعدها. فكيف يمكن مثلاً تقويم تنفيذ وعد عام مثل «السهر على ضمان حرية الإعلام» (وهي خطوة عملية بحسب برنامج التيّار!)؟ قارن ذلك بوعد عملي وموجود في البرنامج نفسه يقضي بتقليص ساعات العمل الأسبوعية إلى أربعين. لا يكفي أن يتضمّن البرنامج خطوة كهذه. يجب البحث عن هذه الوعود المحددة في البرنامج، وتبنيها في الخطاب اليومي، ومناقشتها إعلامياً لتصبح أكثر رسوخاً في ذهن المواطن، فيصير الطرف السياسي أكثر اضطراراً إلى إقرارها للحفاظ على صدقيته. إن نجح في إنجازها زاد من قدرته على المضي في إصلاحات أخرى، وإن فشل صعب تملّصه من المسؤولية على الأقل أمام الرأي العام.
ــ كلفة الإصلاح: لا معنى لأيّ مشروع انتخابي جديّ من دون تخمين (ولو مبدئياً) للكلفة. سكت برنامج التيار عن ذلك، وأهمله النقاش الإعلامي، مع العلم أن تكلفة بند واحد في البرنامج (إنشاء جهاز دفاع جوي) تتخطى الملايين من الدولارات. من أين ستموّل كل هذه الإصلاحات العملاقة؟ (المنطق الذي يسري على قطاع الاتصالات لا يسري بالضرورة على قطاعات أخرى). وضع سعر للإصلاح سيزيد هذه المطالب واقعية، ويزيد من احتمال العمل عليها بجدية وفعالية.
ــ جداول زمنية ورقمية: جميل أن تقر ضريبة بيئية أو تصاعدية، ولكن بكم، وما هو الجدول الزمني الذي ستلزم نفسك به لإقرار هذا المشروع؟ باستثناء البنود المتعلقة بقطاع الاتصالات، تخلو معظم الخطوات العملية الإصلاحية التي ينادي بها التيار من أرقام وجدوال زمنية للتنفيذ وتفاصيل ملموسة لتطبيقها.
في غياب هذه الثقافة الانتخابية، قد يخسر التيار أو بعض الجهات فيه فرصة حقيقية، وإن ضئيلة لشق طريق إصلاحي متواضع قد تُبنى عليه مشاريع مستقبلية أكثر عمقاً وتأثيراً في البنيان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبنان. وسيقتصر التغيير بعد 7 حزيران في أحسن الحالات على انتعاش مؤقت لمؤسسات الدولة، وانتشار أدبيات عمل جديدة لا تلبث أن تخبو في المدى الطويل ليصبح مشروع الجمهورية الثالثة حلماً خارقاً من ورق (كلبنان في أشعار سعيد عقل)، حيث وبحسب برنامج التيار نفسه ستطالعك المكتبات العامة في كلّ المدن اللبنانية، وكل الطرقات المعبّدة حديثاً ستزينها الأشجار المخضرّة على الجانبين، بينما تعج الشواطئ بالفقمات المهدّدة بالانقراض.
* كاتب لبناني