تستطيع أن تعيب على كل الأحزاب والتيّارات السياسيّة في العالم العرب إهمالها أو تحقيرها لقضايا المرأة العربيّة. فمن الأصوليّة السنيّة والشيعيّة إلى أحزاب اليسار الشيوعي إلى القوميّات المُخلِّصيّة، تعرّضت المرأة لتهميش مقصود


أسعد أبو خليل *
يمكن اعتبار تقصير اليسار في قضايا المرأة العربية أعظم من تقصير الأصوليّات، لأن ايديولوجيا اليسار لا تحمل في طيّاتها عداءً مستحكماً لقضيّة تحرير المرأة ومساواتها مثلما تحمل الحركات الدينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة واليهوديّة (وإن حاول البطريرك الماروني في واحدة من عظاته التي تدفعك إلى الحنين إلى عظات أبو ملحم أن يستعين بالتراث الاستشراقي المبتذل عن وضع المرأة في الإسلام، وذلك من أجل الرفع من شأن الحل «المسيحي» للموضوع، ومن أجل الاستفادة مما سمته الباحثة ليلى أحمد «النسويّة الاستعماريّة»، في إشارة إلى استغلال وضع المرأة في العالم الإسلامي على يد المُستعمر الغربي، فيما كان هذا المُستعمر نفسه ـــــ مثل اللورد كرومر ـــــ معادياً للمرأة في بلاده، ومثل جورج بوش هو نموذج للنسويّة الاستعماريّة في «تحرير» المرأة في (أفغانستان).
لكن الافتراض أن اليسار نظريّاً ميّال إلى تحرير المرأة، كلام فيه نظر: تكفي مراجعة النقد النسوي لكارل ماركس على يد كاثرين مكنن في كتابها «نحو نظريّة نسويّة للدولة». لكن تراث الأموات الديني التقليدي يثقل كواهل أجيال لاحقة وفق وصف كارل ماركس. فهذا التراث هو الميّال إلى معاداة المرأة، وإن كان العهد القديم أكثر عداءً للمرأة من كتب مقدّسة أخرى.
والكلام عن المرأة في العالم العربي يمكن أن ينحو في أكثر من اتجاه: هناك من يستعين بنظريّة الاستثناء، مثل هشام شرابي في كلامه عن «البطريركيّة الجديدة»، وهو كلام منمّق لصياغة رافييل باتاي في «العقل العربي» (الذي أجاد حليم بركات في نقده في كتابه عن المجتمع العربي المعاصر). والحديث عن سلوك عربي استثنائي في تحليل علي زيعور عن «الذات العربيّة» يفترض ذلك الفصل المنهجي الذي يدخل في صلب الفكر الاستشراقي كما حلّله وعرّاه إدوار سعيد. إن تناول وضع المرأة من ناحية الاستثناء على ما يدرج في تلك الكتابات العربيّة الليبرالية عن الموضوع (التي لا تخدش نمط القمع البطريركي) والتي لا تمتّ بصلة نظريّة للنسويّة، ولا حتى في شكلها الليبرالي المُخفّف، يتجاهل حقيقة وضع المرأة في العالم الغربي. وبعض دعاة ما يُسمّى عندنا حركة «تمكين المرأة» (وهذا المصطلح الجديد استحدثه الرجل الأبيض في المنظمات الدوليّة من أجل خفض وتيرة المطالبة بحقوق المرأة ومن أجل عدم إقلاق راحة هيئة كبار العلماء في المملكة الوهّابيّة، وشعار تمكين المرأة ليس مكمِّلاً لشعار تحرير المرأة بل هو بديل منه، وتمييع له) يتحدّثون عن وضع المرأة على افتراض وجود مثال غربي قابل للاحتذاء. لكن الدراسات الميدانيّة تشير إلى غياب المثال: شرقاً وغرباً. وأحدث الدراسات عن نسبة العنف المنزلي في أميركا تعطي أرقاماً مماثلة لأرقام دراسة شاملة قامت بها الأمم المتحدة قبل سنتين في سوريا، مثلاً.
والعنف المنزلي في أميركا أخطر مما هو عليه في بلادنا (خارج لبنان) بسبب توافر السلاح المنزلي: هناك أكثر من عشرين امرأة يمتن قتلاً (حفاظاً على الشرف الرفيع الذي تُراق على جوانبه الدم) في الولايات المتحدة الأميركيّة. هذا لا يعني أن ليس هناك تقدّم (وإن كان حديثاً) في الوضع القانوني للمرأة في المجتمعات الغربيّة، لكن حركة الحقوق القانونيّة مطردة وتتفاوت في مكاسبها بين دولة وأخرى (وسويسرا، التي يحب المتحدّرون من الوحوش الفينيقيّة التمثّل بها، لم تسمح للمرأة بالاقتراع إلا أوائل السبعينات، فيما لم تحصل المرأة في أميركا على حق الإجهاض إلا عام 1973). أي إن تحرير وضع المرأة يتطلّب تجاوزاً للقطع المعرفي بين الشرق والغرب. أي إن «الأختيّة» (في ترجمة لعنوان كتاب روبن مورغن) هي عالميّة، لا محلّيّة، أو أنها محليّة وفقاً لرؤية النسويّة الما بعد حداثيّة وذلك للحماية من استعمار النسويّة الغربيّة البيضاء، التي أجّجت (في منظمة «الأكثريّة النسويّة» في أميركا) من أجل غزو أفغانستان باسم المرأة الإفغانيّة وتحريرها.


تقييد المرأة السعودية يعود إلى المفاهيم المسيحية الفكتورية أكثر من القيم الإسلامية
نقد وضع المرأة العربيّة يجب أن يتعرّض وبقسوة للحركة النسائية نفسها، ولبدايات عصر النهضة (الذي يحتاج إلى إعادة نظر منهجيّة في منطلقاته). فالرجوع إلى قاسم أمين أو إلى ما قبله يصل بالمرء إلى حدود النسويّة النهضويّة وضيق أفقها. قد تكون البداية في خطبة بطرس البستاني (يصرّ وليد جنبلاط على اعتبار البستاني والشدياق من الموارنة لسبب من الأسباب) عن تعليم النساء أو في كتاب بالإنكليزية في العقد نفسه من منتصف القرن التاسع عشر لأسعد الخياط (وقد نُشر في ترجمة رديئة مُحرّرة من النَفَس التبشيري الإستشراقي). لكن الكتابات الأولى حتى عند قاسم أمين والطهطاوي عانت عنصريّة ذكوريّة بدرجات متفاوتة. الشدياق مثلاً، لا يمكن اعتباره (على فذوذيته) من أنصار النسويّة فقط لأنه وجّه بعض الانتقادات إلى الرجل ولأنه انتقد وضع المرأة بصورة عامّة في الشرق. فكتاباته عن المرأة، وخصوصاً في الكتاب الفريد، «الساق على الساق»، الذي حاربته الكنيسة بلا هوادة، تحتوي على الكثير من الصور النمطيّة وعلى التسليم بفصل أساسي بين «المرأة» و«الرجل» من دون التفرقة بين بيولوجيا الجنسين وبين الأدوار الاجتماعيّة المفروضة (من الدولة والعائلة والدين) على المرأة والرجل سواء بسواء. كما أن الشدياق رأى أن الغيرة على المرأة مثل الغيرة على الأمتعة. ولا يختلف الأمر عن الطهطاوي الذي كانت مشاهداته عن المرأة في باريس مصابة بفرضيّات دونيّة عن المرأة. دُهش الطهطاوي لاكتشاف الأدب عند النساء. ويمكن إجمال هذه الكتابة عن المرأة في ما يمكن تصنيفه بـ«النسويّة الهدشعراويّة» (على نسق حركة هدى شعراوي). لا بل يمكن الشكوى من أن النسويّة العربيّة لا تزال تعاني «النسويّة الهدشعراويّة».
«النسويّة الهدشعراويّة» هي نموذج مألوف من النسويّة الأرستقراطيّة التي عرفها الغرب، والتي كانت في منطلقاتها ترسيخاً لاستعلاء طبقي من نساء الأرستقراطيّة والبورجوازيّة ضد الرجال الفقراء. لم تفهم شعراوي ولم تتقبّل أن يتمتع الفرّاش و«الشغّال» بحقوق لا تتمتع هي بها، مثلما اعترضت نساء البيض في أوائل القرن الماضي في أميركا على حصول رجال السود على حق التصويت قبل حصول النساء البيض عليه. و«النسويّة الشعراويّة» حركة نسويّة ليبراليّة طفيفة لا تتعدّى حدود المطالبة بأقل من المساواة مع الرجل وفي أطر ومؤسّسات تعتمد وتهدف إلى السيادة الذكوريّة. والحركة ترى أن المساواة (أو أقل) القانونيّة تسمح بترقّي المرأة دون المسّ بموروثات الدين والتقاليد والذكوريّة المُستوردة من الغرب بمسميّات مختلفة (إن تسليع المرأة وتحقيرها في محطة، «إل.بي.سي» مثلاً هما تقليد مبتذل وبشع ــــــ كعادة لبنان في تقليد الغرب ـــــ لتسليع المرأة الجنسي في الثقافة الشعبيّة الهوليوديّة). وتقييد المرأة في السعوديّة يعود إلى المفاهيم المسيحيّة الفكتوريّة أكثر من القيم الإسلاميّة ـــــ ينسى البعض الإرث الإباحي العريق في الأدب العربي. والتزمّت الجنسي في الشرق هو مسيحي طهراني في جذوره، لا إسلامي (كما تُذكّر رسائل الجاحظ) وإن اعتنقه بعض الإسلام الحديث.
النسويّة الليبراليّة في لبنان وخارجه تسعى، مثلاً، إلى زيادة عدد النساء في المجالس التمثيليّة ـــــ وهذه حال الشعار الليبرالي العربي الباهت عن الموضوع ـــــ مع رفض قاطع لرصد كوتا نسائيّة، مع أن دولة بوروندي (يكرّر سمير فرنجيّة ـــــ وهو يمثّل يسار 14 آذار على ما يُقال لنا ـــــ باستعلاء عنصري مقيت أن «لبنان ليس أفريقيا») استطاعت الوصول إلى أعلى مرتبة في نسبة النساء في المجالس التمثيليّة عبر رصد الكوتا، كما اقتنعت فرنسا بذلك بعد فشل المساعي العفويّة التي تعتمد على تنوّر الناخب والناخبة المفقوديْن. وأميركا متخلّفة عن معظم أوروبا في هذا الشأن، وهي ترفض بعناد أي بحث في موضوع الكوتا مع أنها طالبت بها لحماية البيض في جمهوريّة جنوب أفريقا بعد زوال نظام الفصل العنصري. والغريب أن رافضي الكوتا النسائيّة في لبنان يحاولون ويحاولن ربط رفضهن بإيمان مطلق (مزعوم) بمبدأ حريّة الاختيار الديموقراطي مع أن اتفاق الطائف كرّس كوتا مسيحيّة لولا وجودها لكانت نسبة المسيحيّين في المجلس النيابي تقل عن الثلث (غير المُعطِّل).
والنسويّة الليبراليّة (وهي أعلى مرتبة بقليل فقط من النسويّة الشكليّة التي تمثّلها «السيّدة الأولى» في بلاد الشرق والغرب على حدّ سواء) تحرص على عدم إحداث تغيير جذري في البنى الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة السائدة، ولعلّ هذا يفسّر سبب فشلها. هذه الليبراليّة، مثلاً، تجهد للمواءمة بين النسويّة المحدودة من جهة والدين والدولة والعائلة من جهة أخرى، على افتراض أن التناغم ممكن بين الدين والدولة والعائلة من جهة، والمساواة التامة بين الرجل والمرأة. النسويّة الليبراليّة تسعى إلى الحدّ (شعاراً) من العنف المنزلي لكنها لا تطالب، مثلاً، بسنّ قوانين ضد الاغتصاب الزوجي خشية إزعاج الدولة والدين اللذين يمنعان ردّ دعوة الزوج للمرأة إلى الفراش (ويبقى الفراش أقوى معقل للسيادة الذكوريّة ويبقى خارج المساءلة والمحاسبة). والقوانين ضد الاغتصاب الزوجي (المُحلّل شرعاً في بلادنا من جانب الأديان السماويّة الثلاثة) لم تُسنّ إلا في الأعوام الماضية في الدول الغربيّة. النسويّة الجذريّة تعيد النظر في كل المؤسّسات التي من خلالها يُعاد إنتاج السيادة الذكوريّة. النسويّة الليبراليّة تطالب بحقوق بائعات الجنس فيما نرى أن أسوج شنت قانوناً لتجريم شراء ـــــ لا بيع ـــــ الجنسهناك من يتحدّث عن كتابات نوال السعداوي أو فاطمة مرنيسي كنموذج عن نسويّة جذريّة. لكن الكتابات تلك لا تحيد عن نسويّة أرستقراطيّة ليبراليّة، وإن حملت في بعضها قيماً معادية للنسويّة ذاتها. ونوال السعداوي في كتاباتها الأولى والأخيرة تعاني الوقوع في أسر توجهات النسويّة الغربيّة البيضاء حيث يصبح موضوع ختان الإناث (لا الرجال) والحجاب أدهى بكثير من احتلال العراق وأفغانستان ومن قصف نساء فلسطين بالطائرات. والنشوة الجنسيّة ـــــ على أهميّتها ـــــ تفوق في أوليّات الحركات النسائيّة البيضاء في الغرب، التي لم تتحرّر من «النسويّة الاستعماريّة» ـــــ تحرير نساء فلسطين والعراق من الاحتلال، وتحرير نساء السعوديّة وإيران من سطوة العقيدة الدينيّة. وكتابات السعداوي ومرنيسي تتضمن تحقيراً غير خفي للمرأة العاملة أو غير الحاصلة على شهادة. وتساوي السعداوي، في كتاب «المرأة والجنس» مثلاً، بين الجهل عن المرأة والشهوة الجنسيّة عند المرأة، مما يترك الانطباع عند القارئ بأن تحرير المرأة يساوي تحريرها من الرغبة الجنسيّة برمّتها. والطريف أن الكتابات النسويّة العربيّة الليبراليّة تستعين دوماً وأبداً برداء «العلم» الغربي، من دون إخضاعه للنقد على طريقة ميشال فوكو أو مدرسة فرنكفورت لتبيان استغلاله وتبنّيه لأهداف القمع السياسي والاجتماعي. وتتشاطرالسعدواي ومرنيسي هم الهوس بمسألة الحجاب، التي جعل منها هوس المستعمر حافزاً سياسياً في الاحتجاج والتحدّي من فلسطين إلى الجزائر وإيران. وبدلاً من أن يصرّ تحرير المرأة على حريّة اختيار الرداء، يصبح «تحرير» المرأة من الحجاب أو البرقع أولويّة.
تحاول النسويّة الجذريّة، في نسقها الما بعد الحداثوي، أن تترك أمر تقرير الأولويّات إلى النسويّة المحليّة من أجل إنقاذ نسويّات العالم الثالث من فرض القيم العنصريّة والعدائيّة لنسويّة الرجل الأبيض ـــــ وإن عبر النساء البيضاوات، كما استعان بوش في الإعداد لحربه ضد أفغانستان بعدد من المنظمات النسويّة الليبراليّة التي أرادت أن «تحرّر» نساء أفغانستان من التشادور، كما أرادت 14 آذار أن «تحرّر» (انتخابيّاً) نساء لبنان من تشادور شيعي دفاعاً عن حجاب سنّي وهابي. والنسويّة الجذريّة تفترض، في نسق فلسفة ما بعد الحداثة، أن لا حلّ عالميّاً أو مفتاحاً سحريّاً لمشاكل قضايا المرأة في العالم قاطبة. تفترض أن المعارك والحلول تختلف بين مجتمع وآخر، مع حرص على عدم تقديم حلول غربيّة جاهزة لفرضها على نساء العالم الثالث، حتى في ما يتعلّق بمسألة ختان الإناث (مع أن جسد المرأة الغربيّة يتعرّض هو أيضاً للتشويه والتمثيل من خلال عمليّات ما يُسمّى «التجميل»، وتلك العمليّات غزت العالم العربي بفضل المرأة اللبنانيّة البورجوازيّة).
طبعاً، فشلت الحركة النسويّة الجذريّة في الترويج لأهدافها لا لعدم وجود الاهتمام أو النيّة بل بسبب سيادة الحركة النسويّة الليبراليّة في المنظمات التي تمدّ بعض الحركات النسائيّة بالتمويل في بلادنا، على أن ينحصر اهتمامها بالحجاب والختان، لا بالاحتلال ولا بقمع الأنظمة المتحالفة مع حكومات أوروبا وأميركا. يمكن الترويج لنمط من النضال النسوي يرفض مبدأ الأولويّات والجداول حتى لا تضيع قضايا ولا تموت أخرى على حساب غيرها. يمكن نقد الحركات الوطنيّة في بلادنا، وخصوصاً في الثورة الفلسطينيّة والجزائريّة، بسبب وضع سلّم أولويّات تحتل فيها المرأة المرتبة الأخيرة، أو ما بعد الأخيرة. كانت الثورة تشيد بالمرأة كمُنتجة للثوار الرجال كما كانت مُنتجة لرجال البروليتاريا الشيوعيّة في المخيّلة اليساريّة. وبرنامج تمكين المرأة المدعوم من الأمم المتحدة يهدف، في ما يهدف إليه، إلى زرع الثقافة والقيم الرأسماليّة في مجتماعات زراعيّة تعتمد على ما سمّاه العالم جيمس سكوت «الاقتصاد الأخلاقي للفلاّح» في دراسته لجنوب شرق آسيا، في إشارة إلى ثقافة اقتصاديّة تعتمد على التعاون والتكافل والتضامن الاجتماعي. عوضاً عن ذلك، حاز الاقتصادي البنغلاديشي، محمد يونس، صاحب فكرة بنوك الأرصدة الصغيرة، جائزة نوبل.
وهجمت الوكالة الأميركيّة للتنمية والبنك الدولي (وتبنّت هيلاري كلينتون الحملة عندما كانت السيّدة الأولى في واشنطن) على المشروع، وتسارع التمويل. ويقضي التمويل للأرصدة الصغيرة الفرديّة على الاقتصاد الأخلاقي، وتتحوّل المتلقيّة إلى «جاسوسة» أو «مخبرة» اقتصاديّة لأن البرامج تلك تحدّد مسؤوليّة مشتركة في مراقبة التنفيذ: أي إن حسن الإنفاق والإدارة يصبح جزءاً من مسؤوليّة المراقبة من المرأة نحو المرأة الأخرى. والويل لمن يتعرّض لوشاية مغرضة. والتجربة تبدل العون الجماعي والتكافل بالمنافسة الرأسماليّة الفرديّة والغيرة والتملكيّة الخاصّة الفرديّة. (تراجع دراسات الرفيقة زينة الزعتري عن الموضوع).
لا يمكن اختصار مسائل تحرير المرأة العربيّة ومساواتها في عجالة تحليليّة. لكن إلحاح الموضوع تستوجبه الايديولوجيّات المفروضة أو السائدة أو المحتضرة. سيادة الرجل تتمتّع بمسوّغات دينيّة وقوميّة وأمنيّة وثوريّة. والحركات النسائيّة تعاني قمع للرجل والمرأة على حدّ سواء، وإن كانت الوطأة أثقل على المرأة دائماً، هنا وهناك. وعلى الرجل الذي يتناول الموضوع (مثل الكاتب هذا) أن يُذكّر نفسه بموقع الحظوة الذكوري، وإن كان الموضوع لا يرتبط فقط بنضال نسوي قطاعي بحت. وحركة معاداة المرأة، أو كراهيتها، لم ترتبط يوماً بالرجل وحده بل كانت النساء من روّادها. والخطير في العالم العربي أن أعداء المرأة في السياسة (صرّح مجيد أرسلان قبل

كتابات السعداوي ومرنيسي نسوية أرستقراطية ليبرالية وبعضها معادٍ للنسوّية ذاتها
الحرب الأهليّة أن ضرب الرجل للمرأة من أجل «التأديب» ليس شائناً) والأدب (في كتابات توفيق الحكيم أو عباس محمود العقاد) والشعر (وخصوصاً في الإباحيّة السوقيّة غير الإباحيّة (أدبيّاً) بالضرورة في كتابات نزار قباني). لكن عناوين معركة المساواة التامة تفترض معركة ـــــ مثلما نشير إلى تحرير فلسطين بمعركة تحرير فلسطين ـــــ لا تقلّ أهميّة عن معارك أخرى من أجل التحرير.
والمعركة تلك تتطلّب فتح أكثر من جبهة لمناهضة تعدّدية في الأعداء والعداء: من الدولة والمواريث الاجتماعيّة والقبليّة والدينيّة. لكن هذه المعركة لا تنفصل ـــــ كما افترض ثوار المنظمات اليساريّة الفلسطينيّة ـــــ عن معركة التحرير من الاحتلال. فالاحتلال الأميركي للعراق توافق مع إيران ـــــ ضمناً أو تآمريّاً، لا فرق ـــــ على إحياء نموذج من القبائليّة والعشائريّة كان دائماً يحظى بدعم من المُستعمِر وبتمويله. والقيم القبليّة تكريس لسيادة الذكوريّة، والقبائل العراقيّة تتلقّى اليوم التسليح والتمويل من المُستعمِر. وهناك الحركة الضروريّة ضد الحركة النسويّة العربيّة لتحريرها من سيطرة الاستعلاء الطبقي (الذي تعانيه الحركات النسائيّة الغربيّة أيضاً، التي لم تنجح في أميركا، مثلاً، في جذب العاملات أو في جذب نساء السود وذوات الأصل الهسباني) وهذا يفسّر غياب موضوع تحرير الخادمات الآسيويّات في بلادنا عن تحرّك المنظمات النسائيّة العربيّة. فـ«حاجة» نساء الطبقة الوسطى والثريّة إلى الاستخدام المنزلي البخس تمنع الحركة النسائيّة من رؤية الموضوع بمنظار نسوي. وهناك الهوة في بلادنا بين حركات نسويّة والنساء الناشطات في حركات دينيّة: وهذه الهوّة (بارزة في دراسة الباحثة سابا محمود، «سياسة التُقى»، التي لم تُترجم بعد إلى العربيّة) تتسع وخصوصاً أن بعض الحركة النسائيّة يلجأ إلى كنف الدولة القامعة بحثاً عن الحماية وعن قاسم مشترك، مع أن ما سمته مرفت حاتم «نسويّة الدولة العربيّة» مات بموت الأنظمة الاشتراكيّة.
وهناك الجانب المعرفي المنهجي: كما يقول الصديق جوزف مسعد في دراسة له في العدد الأخير من مجلّة «الآداب»، هناك حاجة ماسّة إلى فصل دراسة الجندرة عن «التنموية الإمبرياليّة» وعن المناهج الاستشراقيّة بأنواعها ومسميّاتها المختلفة. والجانب المعرفي صعب لأن إنتاج المعرفة ليس محدوداً بل هو ممنوع في العالم العربي: ليس فقط بسبب التضييقات العالميّة على البحث العلمي في العالم العربي مخافة أن تُصاب إسرائيل بأذى، بل أيضاً بسبب هذا الإنتاج العشوائي للجامعات الخاصة التي تحاكي تجارة التعليم (غير المُعترف به أحياناً في الغرب) في دول غربيّة. والعولمة، في جوانبها التي لا تتعرّض للنقد في العالم العربي ربما بسبب تعطّش الليبراليّة العربيّة لنكات جاد المالح تتضمّن عولمة للقيم الذكوريّة الغربيّة والاستعماريّة حتى لو أصابت في أهدافها شعوب المنطقة. فاستيراد الحرب على الإرهاب، مثلاً، يستدعي شيطنة ثوار فلسطين وكل من يثور ضد المُستعمِر. وانتشار قيم النحافة المُفرطة للمرأة واستعارة مقاييس جمالية المرأة البيضاء الشقراء (وخصوصاً من شاشة «إل.بي.سي» التي تؤدّي دوراً بارزاً في التأثير على قيم الجماليات والمرغوب في العالم العربي بسبب مهارة مفترضة عربيّاً في قدرة شعب لبنان على تقليد الرجل الأبيض والمرأة البيضاء ـــــ الشقراء).
لكن العالم العربي له مشاغله: فالرجال الحكّام يؤهّلون أبناءهم النجباء للخلافة.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)