تُحيي المعارضة السعودية، هذه الأيّام، ذكرى ما سُمّي «اعتقالات سبتمبر» التي حدثت في عام 2017، بعد أشهر قليلة على تولّي محمد بن سلمان منصب وليّ العهد، بحسب أحد الوسوم الكثيرة التي تتصدّر التداول عبر «تويتر» في المملكة حالياً. ومنذ ذلك الحين، تَكدّس المعتقلون في سجون المملكة، بحيث لم يَعُد من الممكن إحصاؤهم، وغُلِّظت الأحكام ضدّهم، بما يجعل النظام السعودي واحداً من الأنظمة الديكتاتورية التي صارت نادرة الوجود في زمننا الحاضر.

وبعدما استطاع ابن سلمان في نزاعه مع الرئيس الأميركي جو بايدن، إرغام الأخير على السكوت عمّا يجري في المملكة من انتهاكات، وإنهاء عمليّة الابتزاز التي استخدَم فيها الطرف الأميركي الملفّ الحقوقي لتحقيق أهداف تتعلّق بنظرة الديموقراطيين إلى توسيع الهيمنة الأميركية، وتجديد شبابها، ازدادت حملة النظام الجديد في المملكة على المعارضين ضراوةً، وهؤلاء يشملون عشرات المعتقلين من أبناء أُسرة الحُكم كانوا يملكون نفوذاً كبيراً قبل التغيير. فعادت الأحكام الجائرة لتطاول الناشطين؛ ولعلّ أحد أكثر الأمثلة قسوةً، ما حصل مع نورة القحطاني، وهي أمٌّ لخمسة أطفال، حُكم عليها بالسجن 45 عاماً بتهمة كتابة تغريدات على «تويتر» تُمثِّل «إساءةً إلى سمعة الملك ووليّ العهد»، كما أُدينت بحيازة كتاب محظور، كتبه الداعية سلمان العودة.
ثمّة نمط واضح للأحكام في السعودية، بدأ يظهر بعدما «طهّر» ابن سلمان القضاء من القضاة الذين لا يَصِلُون معاييره في التشدُّد، حتى إنْ كانوا مِن الموالين له، وأَحكم سيطرته خصوصاً على محاكم الاستئناف التي تشير وتيرة أحكامها، إلى قسوة غير معهودة لا في السعودية، قبل الحكم الحالي، ولا في خارجها. ولوحظ في حالات متعدّدة أن الأحكام التي تصل إلى الاستئناف بعشر سنوات سجناً، تخرج منها بثلاثين عاماً. ففي الأسبوع الماضي، بحسب ما ذكرت حسابات حقوقيّة سعودية على وسائل التواصل، رفع القضاء السعودي، الحُكم بسجن الشيخ ناصر العمر الذي كان أميناً عاماً لـ«رابطة علماء المسلمين»، من عشر، إلى ثلاثين سنة.
«اعتقالات سبتمبر» كانت قد بدأت بـ21 شخصاً، غالبيتهم من رجال الدين البارزين، ومن بينهم سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري. وهؤلاء محتجزون، منذ ذلك الوقت، من دون محاكمة، ما يثير مخاوف المعارضين من أن النظام ينتظر فرصة مناسِبة لإصدار أحكام بالإعدام في حقّهم. تلك البداية، سعت إلى تحقيق مجموعة أهداف من ضمنها إنهاء أيّ تهديد «إخواني» محتمل للحُكم الجديد، ولا سيما أن العودة متّهم بالقرب من الجماعة، وجاء اعتقاله على خلفيّة دعوته إلى التصالح مع قطر التي فرضت المملكة والإمارات والبحرين ومصر مقاطعة ضدّها، لرعايتها الحركة الإخوانية في أنحاء العالم العربي. لكن ما أظهرته حملة الاعتقالات والإعدامات وعمليات التعذيب، مع مرور السنوات، هو أن الأهداف تتجاوز ذلك بكثير، بعد أن تحوّل ابن سلمان، في السنة الأخيرة، إلى قمع الحركة الوهابيّة واعتقال الكثير من رموزها، وهو ما يصبّ أيضاً في التحضير لتغيير طبيعة المجتمع السعودي المحافِظ، ليتقبّل التموضع الجديد للمملكة، ومن ضمنه التطبيع مع العدو، طوعاً أو كرهاً.

ثمّة نمط واضح للأحكام في السعودية، بدأ يظهر بعدما «طهّر» ابن سلمان القضاء


وتعتقد المعارضة السعودية أن حملة القمع، كانت مدفوعة أميركيّاً منذ البداية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ثم ورث بايدن مشروع التطبيع، وإنّما بأبعاد مختلفة تتوافق مع سياسة الإدارات الديموقراطية في الشرق الأوسط والعالم.
ومع ذلك، يَظهر أن ابن سلمان لا يزال يعيش في زمن ترامب، ويراهن على عودته إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2024. ولذلك، زار صهر ترامب، جاريد كوشنر، بحسب المعارضة السعودية، المملكة سرّاً بعد زيارة بايدن، بطلبٍ من وليّ العهد، لتنسيق حملة الاعتقالات ضدّ الدعاة وكل المعارضين الآخرين، حيث يُعتبر كوشنر عرّاب مشروع التطبيع السعودي - الإسرائيلي. وكشف حساب «العهد الجديد» السعودي المعارض على «تويتر»، عن علاقة سرّية للأخير بالأحكام الأخيرة التي صدرت ضدّ عدد من معتقَلي الرأي في المملكة، والتي وصلت للإعدام في بعضها، مضيفاً أن كوشنر اقترح على ابن سلمان أن يزيد الضغط على الإدارة الأميركية في الملفّ الحقوقي السعودي، ما يعني مزيداً من التضييق والتشديد في العقوبات على المعتقلين، وإعادة فتح ملفّ الإعدامات مجدّداً.
علاقة المصالح المتبادلة مع ابن سلمان، اعترف بها كوشنر نفسه في مذكّراته التي نُشرت أخيراً تحت عنوان «كسْر التاريخ»، وهي علاقة متعدّدة الأوجه، وتشمل دعماً مالياً سعودياً هائلاً للجمهوريين عبر عائلة ترامب، كما يبيّن ما كشفته الصحافة الأميركية عن استثمار قدْره مليارا دولار ضخّهما ولي العهد في شركة حديثة النشأة يملكها صهر ترامب، عبر «صندوق الاستثمارات العامة»، خلافاً لرأي الهيئة الاستشارية للصندوق التي أفتت بخطورة هذا الاستثمار من الناحية المالية. وكوشنر يمثّل حلقة الربط بين ابن سلمان التي كانت وراء وصوله إلى ولاية العهد، وبين مراكز النفوذ في الولايات المتحدة التي تدعمها إسرائيل، نظراً إلى العلاقة المتينة التي تربطه باليمين الإسرائيلي الذي أمسك كليّاً - منذ سنوات طويلة - بالقرار في تل أبيب.
حلقة أخرى مهمّة لدعم نظام ابن سلمان، تتمثّل في بريطانيا، المدمنة على بيع السلاح للنظام، والتغطية على انتهاكاته ضدّ المعارضين. ورئيسة الوزراء الجديدة، ليز تراس، التي كانت وزيرةً للخارجية في حكومة بوريس جونسون، فشلت، ردّاً على استجواب عضو في مجلس العموم، في ذِكْر حالة واحدة انتقدت خلالها شخصيّاً تلك الانتهاكات. ويُعتبر وزير خارجيّتها الجديد، جيمس كلافرلي، الذي تعرّض أيضاً لانتقادات على خلفية بيْع السلاح للرياض، وخفْض المساعدات لليمن، من الداعمين لابن سلمان.
ولأن هذا الدعم كلّه لم يستطع فِعْل الكثير لوليّ العهد في نزاعاته الخارجية، بسبب ارتباطها بأطراف أخرى، فخسرها كلّها، واضطر إلى التنازل فيها، من اليمن إلى قطر إلى المحادثات مع إيران، حوّل حملته الشرسة إلى الداخل السعودي. ويُخشى من أن وليّ العهد، الذي نُفّذ تحت إشرافه 122 حكم إعدام منذ بداية عام 2022، يستعدّ لحفلة إعدامات جديدة بحقّ 34 شخصاً يواجهون تهماً يعاقَب عليها بالقتل تعزيراً، وهم حالياً في مراحل مختلفة من التقاضي أمام القضاء السعودي، بحسب «المنظّمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان». وبعض هؤلاء صادقت «المحكمة العليا» على أحكام الإعدام بحقّهم، وصارت جاهزة للتنفيذ، كما في حال البحرانيَّين جعفر سلطان وصادق ثامر، المتّهمَين بالتخطيط لتفجير جسر الملك فهد بين السعودية والبحرين. ولكن، على رغم اشتداد حملة القمع، وربّما بسببها، تشهد المعارضة السعودية اتّساعاً ورسوخاً، يُشعِران كثيراً من المعارضين بأن لا مجال للعودة عن هذا الطريق، ولا فرصة لأيّ مساومة، ما يجعل المُضيّ في النزاع ضدّ ابن سلمان خياراً وحيداً أمامهم.