بعد أحد عشر عاماً على انتفاضة شباط 2011، يمكن للمراقب أن يلحظ أنّ المشكلات التي تحدّثت عنها المعارضة، داخل مجلس النواب وخارجه، طوال السنوات العشر الأولى من عهد الميثاق الوطني الذي أُقرّ في شباط 2001، تفاقمت وكاد بعضها يصل إلى لحظة الانفجار. ولمعرفة حجم التدهور الاقتصادي، من المفيد رصد بعض أهمّ التطورات الاقتصادية - السياسية خلال العقد الماضي، الذي شهد تجريفاً للمجتمع السياسي المعارِض والمجتمع المدني المستقلّ.


أوّلاً) المؤشّرات الدولية:
تراجعت مرتبة البحرين في مؤشّر مدركات الفساد الذي تُصدره «منظّمة الشفافية الدولية»، من المركز 27 عام 2003، مع بدء مشروع ميثاق العمل الوطني، إلى المرتبة 46 بحلول عام الانتفاضة في 2011، ثمّ إلى المرتبة 78. وبعد أن كانت في مقدّمة دول الخليج العربية، أصبحت في المؤخّرة. هذا التراجع صاحبه آخر مخيف على صعيد الحريات، كما توثّقه تقارير دولية، مثل «مؤشّر الديموقراطية» الذي تُصدره «الإيكونومست»، ويضع البحرين في المرتبة 150 من 167 دولة، بعد أن كانت في المرتبة 122 قبل ذلك بعشر سنوات.

ثانياً) الدين العام:
خلال العشر سنوات الماضية، أصبحت البحرين زائراً دائماً في سوق السندات العالمية. وقد ارتفعت قيمة السندات والصكوك وأذونات الخزينة القائمة في كانون الأول 2021، إلى 14.4 مليار دينار (38 مليار دولار) أغلبها ديون خارجية، بعد أن كانت لا تتجاوز 705 مليون دينار (1.9 مليار دولار) جلّها داخلي في 2008. وإذا أضفنا قروض الدول الخليجية (السعودية، الإمارات، الكويت)، التي تعهّدت بتوفير 10 مليارات دولار لتمويل برنامج التوازن المالي لإنقاذ البحرين من أزمة مالية خطيرة في 2018، والقروض الأخرى وسِلف البنك المركزي لوزارة المالية، فإن حجم الدين العام في نهاية 2021 يقترب من 18 مليار دينار (47 مليار دولار). وكان لغياب الرقابة البرلمانية الفاعلة طوال هذه الفترة، وبالذات بعد خروج المعارضة من مجلس النواب، أثرٌ في غياب الكوابح لترشيد الإنفاق، ونموّ الدين العام بهذا المنحى الخطير.

لقد كانت خيارات الحكومة في فترات الطفرات النفطية كارثية


ثالثاً) منظومة الضرائب:
مِثل بقية دول «مجلس التعاون الخليجي»، لم يكن هناك نظام ضريبي على المبيعات، فقد كانت الحكومة مكتفية مالياً من خلال دخْل قطاع النفط والغاز، الذي يشكّل في العادة بين 67% و 75% من إيرادات الحكومة، إلّا أنّ العجز المالي وعدم الرغبة في فرض ضرائب على دخل الأثرياء وثرواتهم، دفعا الحكومة إلى تشريع ضريبة القيمة المضافة بدءاً من 5% في 2019، ومن ثمّ 10% هذا العام، فيما ليس مستبعداً إقرار زيادة ثالثة كما فعلت السعودية التي رفعت الضريبة إلى 15%. وقد ضربت الحكومة، بذلك، عرض الحائط بثلاثة مبادئ رئيسة للضريبة العادلة: مبدأ «لا ضريبة من دون تمثيل»، أي أنّ الضرائب تستمدّ شرعيتها من العقد الاجتماعي الذي يُفضي إلى قبول الشعب بالمنظومة الضريبية؛ ومبدأ العدالة الضريبية، أي مشاركة الجميع في دفع الضرائب كلّ بحسب قدرته؛ ومبدأ الشفافية، حيث لدافع الضريبة الحق في معرفة أين وكيف ولمصلحة من يتمّ توجيه الإنفاق العام. وجاء القرار السياسي بفرض ضريبة القيمة المضافة بأوامر فوقية، من أفراد ليس في مصلحتهم فرض ضرائب على دخولهم وثرواتهم الهائلة، ومن دون حوار مجتمعي يؤدّي إلى اختيار النظام الضريبي الأفضل والأكثر عدالة. ولذا، فإن آثاره كانت وخيمة على ذوي الدخل المنخفض والمتوسّط، لأنه خفّض من قوّتهم الشرائية بسب ارتفاع الأسعار، كنتيجة طبيعية لضريبة القيمة المضافة، في وقت كانت فيه أسعار السلع العالمية المستورَدة تشهد طفرة غير مسبوقة منذ عقود.

رابعاً) سياسة إنفاق واقتراض غير مسؤولة:
لقد كانت خيارات الحكومة في فترات الطفرات النفطية كارثية؛ فبدلاً من التحسّب لدورة انخفاض سعرية، تصرّفت على طريقة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، وهي طريقة عادة ما تنتهي بتسوّل المساعدة. إذ قامت بتوسيع منظومة الدولة البيروقراطية، واستحدثت أجهزة وهيئات جديدة، وضاعفت مصاريف الدفاع والأمن، وأهدرت أصول الدولة من الأراضي بدل بيعها واستخدام إيراداتها لتمويل المشاريع وسدّ العجوزات، وأضافت كلفاً كبيرة على الدولة بسبب سياسة التجنيس السياسي لعدد يفوق 25% من البحرينيّين قبل التجنيس، «وهؤلاء لهم حقّ التمتّع بالخدمات الصحّية والتعليمية والإسكانية إلخ... المجّانية أو المدعومة التي يتمتّع بها المواطن». وقد أدّى ذلك إلى مضاعفة حجم الدين العام أكثر من 20 مرّة خلال 13 عاماً، فأصبحنا من أعلى دول العالم مديونية بنسبة تقرب من 140% من الناتج الإجمالي المحلي، واليوم أصبح ما ندفعه من فوائد على الدين العام يساوي ربع كلّ إيرادات الحكومة، وأكثر ممّا ندفعه على الصحّة والتعليم مجتمعَين.
الأرقام التي تنشرها وزارة المالية، والنقاشات داخل مجلسَي النواب والشورى، تثبت أن لا أحد - عدا نخبة حكومية صغيرة - يعرف على وجه التحديد لماذا تقترض الحكومة أكثر ممّا تحتاجه لسدّ عجزها المالي، وكيف يتمّ إنفاق هذا «الفائض عن الحاجة» من القروض. ومع مقارنة أرقام العجز السنوي للحكومة خلال العقد والنصف عقد الماضيَين، مع حجم الاقتراض، يَثبت أن ما يقرب من نصف المبالغ المقترَضة لا علاقة لها بالعجز المالي، وهي على الأرجح تذهب لتمويل نفقات سرّية، تَصدر فيها مراسيم خاصة لا تمرّ عبر «المجالس التشريعية». وإذا كان من درس نتعلّمه من تجربة العقد الأخير، فهو أن قمع المعارضة والإعلام الحرّ والمجتمع المدني المستقلّ لا يخنق الحريات فحسب، بل ينهي قدرة المجتمع على الرقابة على المال العام، ومساءلة المسؤولين عن إدارته، ويفسح للأخيرين المجال لاتّخاذ قرارات فاسدة تخدم مصالح ضيّقة، أو تفتقد الرشد وتدفع البلد إلى كوارث اقتصادية يصعب علاجها.

* الأمين العام الأسبق لـ«جمعية وعد» البحرينية المعارِضة