«إسرائيل جزء لا يتجزّأ من رؤية 2030»

تصريح منقول عن خالد بن سلمان

«نحن نتطلّع إلى خلق أكثر من تريليون دولار من النشاط الاقتصادي مع إسرائيل خلال العقد المقبل»
وزير الاقتصاد الإماراتي

مصطلح الشرق الأوسط
لا تنحصر الإشكالية المتعلّقة بهذا المصطلح في كونه أحد تمظهرات المركزية الغربية، فهو ليس مجرّد إشارة جغرافية إلى منطقة غرب آسيا، إنّما يمثّل عنواناً عريضاً لشكل متصوَّر للعلاقات السياسية والاقتصادية التي يجب أن تصيغ شعوب منطقتنا، والتي قامت تاريخياً على أساس تنظيم القوى الغربية لمجتمعاتنا ومواردنا بشكل يخدم آلية التراكم الرأسمالي في أوروبا، وهو التنظيم الذي أنتج شكل خريطة البلدان العربية وحدودها القُطرية الحالية، واستنبت مستعمَرة غربية تحت مسمّى «إسرائيل»، بل يكاد المصطلح يرتقي ليعبّر عن مضمون ثقافي يشمل جملة هذه العلاقات المتناقضة، وبشكل يحتوي كيان العدو. وعليه، يحاول الرأس المال الغربي نسج تصوّر متخيّل لماهية تلك البقعة، بحيث يكون فيها الطعام شرق أوسطياً واللغة العبرية لغة شرق أوسطية، فالشرق الأوسط هنا هو أقرب إلى أن يكون أيديولوجيا من كونه مصطلحاً.
ومن هنا تنبع أهمّيته، فهو جوهر فهمنا لمسألة السيادة والاستقلال، وتعبير عن علاقتنا كشعوب بأرضنا: فهل نرى أنفسنا ضمن حزمة العلاقات الاستعمارية الشرق أوسطية أم أننا مستقلّون وأحرار في تصوّر شكل منطقتنا؟ من هذا المنطلق، يُفهم استخدام المرشد الإيراني لفظ «غرب آسيا»، فإيران والضفة الشرقية للخليج كانتا في صلب المصالح الاستعمارية الشرق أوسطية وشبكاتها، سواء عبر الموانئ أو مقرّات القائمين بالمصالح البريطانية أو حتى المصالح النفطية المتمثّلة في «الشركة الفارسية - البريطانية للنفط» والتي تُعدّ شركة «British Petroleum» اليوم امتداداً لها. فمن منظور تاريخي، كانت الثورة الخمينية أولى الحركات التي تنعتق كلّياً من ربقة تلك المصالح، وتفكّ الارتباط عنها، بعد المغامرات العربية الفاشلة في هذا السياق ــــ خصوصاً «مصر الناصرية» ــــ وبشكل يتنافى مع ماهية «الشرق الأوسط».
ومن هنا أيضاً، يُفهم كيف نجحت الحركات القومية في زرع شكل خريطة الوطن العربي في أذهان الأجيال، وإسقاطها في مختلف الأدبيات من مناهج دراسية وأغانٍ وخطابات. فالأمر يمثّل أحد أهمّ تمظهرات التحرّر من الاستعمار، وتملّك عملية صياغة تاريخنا، بشكل يعبّر عن شبكة مصالحنا ومصيرنا نحن، لا مصالح الغربيين. وعلى المقلب الآخر، تُفهم تسمية إحدى أبرز الصحف الخليجية في الشرق الأوسط والكائن مقرّها في العاصمة الإنكليزية لندن. فالمسألة ليست مصادفة بقدر ما هي تعبير عن تصوّرات لشبكات المصالح المُراد تشكيل المنطقة بناءً عليها. والنخب القبلية الحاكمة في الخليج هي أحد منتجات عملية تشكيل «الشرق الأوسط» عبر الإمبراطورية البريطانية. وبقاؤها واستمرارية صيغة حكمها أمر متّصل ببقاء هذا الشرق الأوسط، سواء الجديد أو الكبير، الذي تعمل الولايات المتحدة على تشكيله، وصولاً إلى شكله المستقبلي اليوم مع ما يطلَق عليه الانسحاب الأميركي من المنطقة، وهو ليس انسحاباً بقدر ما هو إعادة تشكيل لشبكة المصالح الغربية والأميركية بشكل يتناسب مع الظروف التاريخية الحالية، من ضمور أهمية النفط إلى صعود الصين.

إن إعادة تنظيم شبكة العلاقات الشرق أوسطية تحتّم تمكين الروابط المادّية بين الكيانات التي تُشكّل خريطته


الشرق الأوسط الجديد 2
يحكم دور دول الخليج مستقبلاً محدِّدان اقتصاديان سياسيان: أوّلها جيوسياسي يتعلّق باستمرارية أهمية تدفّق الطاقة وإن انكمشت أهمية النفط، حيث ستستمرّ الحاجة إليه في الأسواق الشرقية، وبشكل تولي له القوى الغربية اهتماماً، لما له من علاقة بآلية عمل السوق الرأسمالي العالمي الذي يخضع للهيمنة الأميركية. وأمّا الثاني، وهو المحدّد الأهمّ، فيتعلّق بشكل العلاقات الاقتصادية التي ستنسجها رؤوس الأموال الخليجية في المنطقة والعالم، وبشكل يضمن استمرارية تدوير البترودولار ـــ وأن لا يتحوّل إلى بترويوان ـــ وكذلك عوائد الاستثمارات الخليجية في البورصات والبنوك الغربية. بكلام آخر، أن يكون شكل السوق النيوليبرالية التي سترسم معالم الشرق الأوسط الجديد، معبّراً عن أسس المصالح الاستعمارية نفسها التي تعود إلى قرون، وهذا ما يوصلنا إلى أهمية التشبيك الاقتصادي الذي يربط دول الخليج بكيان العدو الصهيوني، في تمكين غير مسبوق للصلات المادية التي تؤسّس لما تطلِق عليه الباحثة الفلسطينية روزماري سعيد «الركيزتَين التوأمَين» للمصالح الأميركية في الوطن العربي: المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

لا إسرائيل بلا شرق أوسط
في أحد مشاريعه المستقبلية التي تندرج تحت إطار محاولة تكيّف كيان العدو مع الظروف التاريخية الجديدة للشرق الأوسط ودوره الاستعماري الجديد فيه، أطلقت بلدية القدس مشروع «رؤية القدس 2050». وقد نبّهتني صديقة إلى أحد الإعلانات الترويجية لهذا المشروع، والذي يصوّر القدس مستقبلاً وفق الرؤية الإسرائيلية، بحيث تكون المدينة حاضنة لمستوطنين بيض مع وجود سيّاح عرب بالزيّ الخليجي. لربّما تكون الصورة عشوائية ومجرّد انعكاس لتقاطع عمل شركات العلاقات العامة بين الخليج وإسرائيل، إلّا أنه تقاطع يدلّ بحدّ ذاته على شكل الأواصر الرأسمالية التي تُنسج بينهما. ويلحق الإعلان المذكور بسلسلة من الإعلانات التي تُجلّي الحماسة الإسرائيلية لـ«السلام» و«المستقبل المزدهر» والتي تغطّي شوارع فلسطين المحتلة اليوم، مردوفة بأعلام الإمارات. ويتعلّق الدور الجديد لكيان العدو ـــ بل القديم في المخيال الصهيوني لكن ظروف اليوم تحتّم بروزه ـــ بتحويل التكنولوجيا والواحات الاستثمارية إلى أداة ربط، وصياغة شبكة مصالح وعلاقات تعمل على شرعنة وجود الكيان وتمتينه. ولعلّ من المهمّ الإشارة هنا إلى أن أحد روّاد ذلك المشروع صهيونياً هو شمعون بيريز الذي اعتبر أن «قوة الأمة تعتمد بشكل أكبر على إبداع شعبها وشركاتها بدلاً من قوة جيشها»، علماً أنه هو نفسه الذي هندس قبلها بعقود مشروع السلاح النووي الصهيوني. فكيان العدو يتفاعل مع شكل العلاقات الموجودة شرق أوسطياً، وتحت مظلّة التشكيل الأميركي له، ويرتبط وجوده ودوره بالشكل الذي ترسمه المصالح الشرق أوسطية أميركياً.

رؤية مشتركة... مصير مشترك
إن إعادة تنظيم شبكة العلاقات الشرق أوسطية اليوم تحتّم، أكثر من أيّ وقت مضى، تمكين الروابط المادّية بين الكيانات التي تُشكّل خريطته. وهو ما يندرج تحت مسألة الأمان الطبقي للطبقات الحاكمة في الخليج والامتياز الطبقي للمستوطنين. فمع إعادة التنظيم الأميركي لشبكة العلاقات هذه، ستلعب رؤوس الأموال الخليجية وصناديقها السيادية دوراً رئيساً في صياغة بناها الاقتصادية بشكل يربطها بمصالحها المشتركة مع الإسرائيليين، سواءً وفق النموذج الإماراتي أو البحريني أو القطري، أو «النطفوي» السعودي المتمثّل في تشبيك جويّ وتعاون سايبراني. فالرؤية المستقبلية للشرق الأوسط الجديد لهؤلاء تراهن على ربط أمن المستوطنات ومصيرها بأمن القصور الملكية، وما أخبار استيراد منظومة «القبّة الحديدية» إلى الخليج إلّا نموذج من تلك الرهانات. على أن هذا الترابط، من ناحية تاريخية، يُعتبر من حسن حظنا، فما صراعنا المرير في غرب آسيا والوطن العربي منذ وطئت أقدام نابليون مصر أواخر القرن الثامن عشر، سوى حول تملّك شبكات علاقاتنا ومصالحنا الشعبية، من اقتصادياتنا إلى هوياتنا، ولن يكون ذلك إلّا عبر إنهاء الشرق الأوسط ورسم حدودنا بدمائنا وسلاحنا.