تبدو الخطوات السريعة والنافرة للإمارات في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وكأنها مقصودة لإغاظة الشعوب العربية، وبالأخصّ منها تلك التي تعرّضت، ولا تزال تتعرّض، للأذى الماديّ المباشر من جانب الاحتلال الإسرائيلي. وكأنّ هذا الغلّ كان مكبوتاً لسنين طويلة في صدور حكّام أبو ظبي، وانفجر دفعة واحدة متجاوزاً كلّ الحدود. النموذج الذي يُقدّمه وليّ عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، للعلاقات مع تل أبيب، يشبه إلى حدٍّ بعيد ذاك الذي كان قائماً بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، إذ يذهب الحاكم الفعلي للإمارات إلى اتّباع أكثر الإجراءات تطرّفاً، والتي تحاكي سياسة أقصى اليمين في إسرائيل، مساعداً الأخيرة على أن تتصرّف في الأراضي الفلسطينية كما لو أنها مَعازل. وهنا، يمكن طرح سؤال: هل كان أيّ من مؤسِّسي الكيان العبري يحلم بأن يأتي اليوم الذي يُكلِّف فيه زعيم عربي بعض رجاله شراءَ عقارات العرب في القدس المحتلّة لمصلحة إسرائيل؟

منذ توقيع "اتفاقات أبراهام"، في 15 أيلول/ سبتمبر 2020، لا يكاد يمرُّ يوم إلّا وتقدِّم فيه الإمارات هدية لإسرائيل، على شكل إعلان عن اتفاق جديد معها. وأمس تحديداً، اتّخذت الدولة الخليجية خطوةً كبيرة إضافيّة في هذا الاتجاه، بإعلانها أنها ستشارك إلى جانب إسرائيل ودول أخرى في مناورات جوّية حربية، بدأت في اليونان. وهي المرّة الأولى التي تنخرط فيها الإمارات مع العدوّ علناً في مثل هذا النوع من الأحداث. وفي تطوّر آخر، اقترب الجانبان من توقيع اتفاق تخفيضات ضريبية لتعزيز الاستثمارات بينهما، من المتوقّع إنهاؤه في غضون أسابيع، على أن يبدأ تطبيقه اعتباراً من بداية العام المقبل. وسيغطّي الاتفاق نحو مليارَي دولار من التجارة السنوية بين الجانبين خلال السنوات القليلة المقبلة، والتي يمكن أن تصل إلى 6,5 مليارات دولار سنوياً، في غضون عقد.
الخطير أن لابن زايد، وهو يمضي في رحلته التطبيعية، أصابع تعبث في كلّ مكان من الدول العربية، بدءاً من السعودية التي كان له دور، من خلال سفير أبو ظبي في واشنطن، يوسف العتيبة، في صعود وليّ عهدها، محمد بن سلمان، بالاتفاق مع إدارة دونالد ترامب، مروراً بتونس وليبيا ومصر والسودان والأراضي الفلسطينية، ووصولاً إلى الأردن. وعلى رغم ذلك، تُعتبر "اتفاقات أبراهام" بدلاً من ضائع، أو تمهيداً لتطبيع سعودي - إسرائيلي لم يَحن أوانه بعد.

لا يكاد يمرُّ يوم إلّا وتقدِّم فيه الإمارات هدية لإسرائيل، على شكل إعلان عن اتفاق جديد معها


مع هذا، يبدو اللهاث الإماراتي منفّراً؛ إذ إنه حتى في الغرب، ما زال صعباً على إسرائيل أن تكون "دولة طبيعية"، وإن كانت قد تمكّنت من تحقيق مكاسب كثيرة في هذه الناحية خلال العقود الثلاثة الماضية، منذ "اتفاق أوسلو" مع الفلسطينيين. فالكثير من الدول الأوروبية تقاطع، مثلاً، منتجات المستوطنات الإسرائيلية. وحتى في الولايات المتحدة، هناك مناهَضة لإسرائيل في أوساط اليمين واليسار على السواء، من قِبَل ساسة كبار مِن أمثال بيرني ساندرز، وكذلك شخصيات فنّية وأناس عاديين. لكن الإمارات تجاوزت كلّ ما تقدّم، وقفزت إلى خطوات من مِثل إحياء ذكرى "الهولوكوست" أخيراً في دبي، أو حتى استخدام رئيس الأمن السيبراني في الإمارات، محمد حمد الكويتي، قبل أيّام، تعبير "العلاقات الأخوية" بين الإمارات وإسرائيل، بحسب ما نقلت عنه صحيفة "هآرتس" أثناء اجتماعه مع نظيره الإسرائيلي، ييغال أونا، في دبي، علماً بأن هذا التعبير لا يَرِد في قاموس الدبلوماسية إلّا لوصف العلاقات بين الدول العربية. بالنتيجة، لا يبدو أن ثمّة وظيفة لمثل هذه الإشارات إلّا كيّ الوعي، لتعويد الإماراتيين الواقع الجديد لبلادهم بأقصى سرعة ممكنة. فكلّ ما كانت تقوم به الأنظمة العربية الأخرى التي أقامت علاقات مع إسرائيل، من خطوات علنية أو اتفاقات مطلوبة في سياق تلك العلاقات، كان يأتي على استحياء، أو على الأقلّ هكذا كانت توحي لشعوبها.
هل يعكس ما يقوم به ابن زايد قبولاً شعبياً إماراتياً لهذا "السلام"، أو لهذا الشكل منه بالتحديد، أم هناك لا مبالاة من جانب مواطني الدولة تجاهه؟ حين يصل الأمر بزوجة حاكم الشارقة، سلطان القاسمي - الناصريّ الهوي بالمناسبة -، الشيخة جواهر، إلى التغريد أخيراً محذّرة من "التطبيع التعليمي" مع إسرائيل، باعتبار أن "مناهجهم توصي بقتل العرب واغتصاب الأرض العربية"، فذلك يعني أن رفض التطبيع لا يقتصر على الإماراتيين العاديين، بل يشمل أيضاً جزءاً من حكّام الإمارات السبع، اتُّخذ قرار التطبيع - من قِبَل ابن زايد، وحاكم دبي محمد بن راشد - من دون التشاور معهم. وفي هذا الإطار، يؤكّد المعارض الإماراتي، حمد الشامسي، أن مثل هذه القرارات، دستورياً، يجب أن تمرّ بمناقشات على مستوى "المجلس الأعلى للاتحاد"، الذي يضمّ الحكّام السبعة، والذي شهد تهميشاً منذ أصبح ابن زايد حاكماً فعلياً للبلاد.
على المستوى الشعبي، يُعبّر الكثير من الإماراتيين في المجالس الخاصة، وفق مقيمين في الدولة، عن انزعاجهم من أصل العلاقة مع كيان العدو، وحَرجهم من الطريقة التي يقارب فيها مسؤولو بلادهم تلك العلاقة، لكن أحداً لا يجرؤ على التحدُّث علناً عن الأمر، لأن السلطات تتعامل مع أيّ انتقاد سياسي بقسوة شديدة. ويصف المعارض إبراهيم آل حرم، في برنامج على قناة الخليج التي تَبثّ من لندن، سجن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بأنه "غوانتانامو الإمارات"، وعادةً ما لا تشمل هؤلاء إصدارات العفو التي تحصل في الأعياد الوطنية والمناسبات الدينية. ويَظهر الاحتجاج الصامت للإماراتيين على الاتفاق في كونهم لم يتنّطحوا لأيّ دفاع عن ابن زايد على وسائل التواصل الاجتماعي، على رغم أن تلفزيون "أبو ظبي" يفتعل مقابلات مع مواطنين ومقيمين يشيدون فيها بـ"حكمة" ابن زايد، و"يؤيدون" ما يرى أنه مصلحة لبلادهم في العلاقات مع كيان العدو.
وعلى المستوى العربي، تثير الخدمات المجّانية التي تقدّمها الإمارات لإسرائيل ردود فعل شعبية من العيار نفسه، وفق ما تُظهِر التغريدات على وسم "مقاطعة الإمارات" على "تويتر". وفي الحملة العربية على التطبيع الإماراتي، تتصدّر المشاركة الخليجية التي تصل إلى حدّ اتهام ابن زايد بتحويل بلاده إلى "إسرائيل الخليج"، كما وصفها الأستاذ الجامعي الكويتي، عبد الله النفيسي، أو "إسرائيل أخرى في خاصرة الجزيرة العربية"، كما قال الأكاديمي السعودي، سعيد الغامدي. لكن من غير المرجّح أن يمثّل الاعتراض على التطبيع مشكلة كبيرة للحُكم في أبو ظبي، فالعالم العربي مفكّك وغارق في الأزمات، إلى درجة أن التحرُّكات في الشارع احتجاجاً على سياسات من هذا النوع، تكاد تصبح من الماضي، ليبقى الرهان على القوى المعادية لإسرائيل وحلفائها في هذه المنطقة.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا