القاهرة | على العكس من المسارعة السعودية إلى التصالح مع قطر، جاء الموقف المصري والإماراتي متحفّظاً في تفاصيل كثيرة، وخاصة أنهما جهتا المعارضة التي كادت أن تحبط التصالح. لكن نجح أمير الكويت الجديد، نواف الصباح، والضغوط الأميركية، إلى جانب الرغبة السعودية في الصلح قبل وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، في تجاوز الاعتراضات وإتمام المصالحة. ثم في اللحظات الأخيرة، اعتذر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ووليّ عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، عن عدم الحضور، مع الاكتفاء بتصريحات محدودة. حتى عشيّة قمة العلا، كان يفترض أن يحضر السيسي وابن زايد. ومع غياب تنازلات أو حتى تصريحات قطرية ملائمة لما يرغب فيه الزعيمان، اعتذرا، فكلف السيسي وزير الخارجية، سامح شكري، برئاسة الوفد المصري المدعو إلى القمة، فيما اكتفت الإمارات بحضور نائب رئيس الإمارات، محمد بن راشد، بمفرده.

وجهة نظر السيسي وابن زايد أن ما يحدث ليس أكثر من هدنة مؤقتة تحقق أغراض الدوحة والرياض المرحلية، لكنها لن تستمر طويلاً، فأمير قطر، تميم بن حمد، لديه رغبة في إنهاء الخصومة مع المملكة حصراً لأسباب اقتصادية وأخرى سياسية. أما ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فلديه رغبة في وقف أي معارضة إقليمية قد تعرقل وصوله إلى حكم المملكة خلال المرحلة المقبلة، ولذا سعى إلى فتح صفحة جديدة ليس مع تميم فقط، بل أيضاً مع إدارة جو بايدن التي يخشاها. هنا يتفهّم «الجنرال» المصري وصديقه الإماراتي دوافع التصالح السعودية، في حين أن وجودهم في الصورة كان لاكتمالها فقط، لكن مع تأكيد أن ما حدث لن يكون عابراً وخاصة مع ضمانات يُفترض تنفيذها قريباً بجانب وقف حملات الهجوم الإعلامي من قناة «الجزيرة» وغيرها من الوسائل المموّلة قطرياً.
عندما خرج «الرباعي العربي» ببيان المقاطعة في حزيران/ يونيو 2017، كانت الاجتماعات لا تتوقف والاتصالات لم تنقطع، لكن الوضع اليوم صار مختلفاً كلياً. فهذه المرة إعلان عودة العلاقات الدبلوماسية كلياً مع «الرباعي» جاء في المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، من دون توضيح أي تفاصيل، علماً بأن القاهرة استبقت باقي دول الخليج بإجراءات تخص الدوحة قبل المقاطعة. ورغم تأخر مصر في إعلان فتح الأجواء أمام الخطوط القطرية، إلا أنها استقبلت أمس أول رحلة مباشرة من الدوحة بطائرة خاصة حملت وزير المالية القطري، علي بن أسد العمادي، من أجل المشاركة مع نظيريه الأميركي، ستيفن منوتشين، والمصري، محمد معيط، في افتتاح أحد الفنادق الكبرى في القاهرة التي تمتلكها قطر وتديرها، وذلك بعد تأخر دام سنوات وعراقيل حكومية وُضعت أمام المشروع، في وقت يتردد فيه بقوة أن استثمارات قطرية ستأتي خلال المدة المقبلة.

وجهة نظر السيسي وابن زايد أن ما يحدث ليس أكثر من هدنة مؤقّتة


يخالف وصول الوفد القطري القرار المصري السابق بمنع دخول القطريين إلى البلاد أسوة بقرار مماثل من الدوحة مع بداية جائحة كورونا، علماً بأن مئات الآلاف من المصريين العاملين في قطر لم تُفرض أي إجراءات استثنائية عليهم بعد قرار المقاطعة. لكن الامتعاض المصري مما يجري لم يكن معبراً عنه بغياب السيسي فقط، بل في مغادرة موفده شكري فور انتهاء الاجتماعات الأولية، من دون أن يشارك أو يظهر في أي فعاليات أخرى، عائداً إلى البلاد ومعلناً في بيان صحافي التوقيع على «إعلان العلا». صحيح أن الإعلام السعودي والقطري سارعا إلى حذف الإساءات التي حدثت خلال السنوات الماضية وتغيير لغة الخطاب مباشرة. في المقابل، لم يبادر الإعلامان المصري والإماراتي إلى هذه الخطوات، فيما يجري الحديث في مصر عن تخريج ما يحدث على أنه ضمن المواءمات السياسية، لكن مع توقف الهجوم على النظام القطري بصورة شبه كاملة، وتغير لغة إعلاميي النظام، وقولهم إن ما حدث لا يسيء إلى النظام المصري الذي «يعرف كيف يتخذ قراراته بانفراد ودون تأثر بأي عوامل أخرى».
مصرياً، هناك من يرى أن قطر لم تفز حتى الآن على السعودية فقط، بل على «الرباعي» الذي مارس أقصى درجات الضغط ولم ينجح في تحقيق أيّ من مطالبه الـ 13 التي أعلنها، بل وافق على إعادة العلاقات دون أي التزامات مسبقة وإنما وفق شروط وضعتها الدوحة ونجحت في تفكيك دوله إلى جناحين (البحرين مع السعودية)، وخاصة مع تزايد المصالح المتضاربة بين الدول الأربع. حتى إن عادت خلال الأيام المقبلة السفارات وقنوات التواصل بين العواصم الخليجية، لا تزال مصر ترى أن أمام قطر الكثير الذي عليها تقديمه، وخاصة أن هذه العودة مهددة بالانهيار في أي لحظة ولا سيما وسط مناقشات حول أمور مرتبطة بالسياسات القطرية وبالعلاقات مع إيران وتركيا.