عمّان | في وقت يكتمل فيه المشهد السياسي الداخلي مع الإصرار المَلَكي على إجراء الانتخابات البرلمانية كيفما كان (على رغم التزايد الحادّ في أعداد الوفيات والإصابات جراء فيروس كورونا المستجد، وحالة التخبط الإداري للدولة نتيجة الوضع الصحي والاقتصادي المتفاقم)، تبدو حالة الانكفاء التي مارستها الخارجية الأردنية، مُمثّلة بالملك عبد الله الثاني، منذ التطبيع الخليجي المعلَن مع إسرائيل، في طريقها إلى الحلحلة. إذ زار الملك أبو ظبي الثلاثاء الماضي من دون ترتيبات علنية مسبقة، لحضور القمة الثلاثية (الأربعاء) التي جمعته بالمُطبّعين الجدد في الإمارات والبحرين. تحرّك عربي هو الأول بعد الانتخابات الأميركية التي قد تفرض معادلة من نوع آخر في المنطقة.

وتَشكّل الوفد الأردني الزائر مما يمكن تسميته الدائرة الأولى التي جمعت البلاط والمخابرات مع رئيس السلطة التنفيذية (مع أنها لم تحصل على ثقة مجلس النواب بعد). وبذلك، رافق عبد الله كلٌّ من مستشاره الشخصي السابق بشر الخصاونة الذي كَلّفه أخيراً رئاسة الوزراء، ووزير الخارجية أيمن الصفدي الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون السياسية، إلى جانب مدير المخابرات العامة أحمد حسني حاتوقاي، فيما غاب ولي العهد الأمير حسين عن اللقاء الأول مع مطبّعي الخليج.
صور القمة الثلاثية (بمشاركة ملك البحرين، حمد بن عيسى) المنشورة مع مراعاة التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات لم تقل الشيء الكثير، بل جاءت العناوين الرسمية ــــ كالعادة ــــ فضفاضة ومقتضبة. لكن طرح غياب السعودية ومصر، دولتي الجوار المباشر للمملكة، تساؤلات عدّة في الداخل الأردني، ولا سيما في ظلّ تزامن القمة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لتل أبيب، ولقائه نظيره البحريني، عبد اللطيف الزياني. والثابت الوحيد أن الحضور الأردني على الأرض الإماراتية، وبمشاركة بحرانية، يعني قبولاً تامّاً بالخطوة التطبيعية الأخيرة التي لا تصبّ في مصلحة عمّان من زوايا عدة.
وبعيداً عن المنامة التي لا تشكّل ثقلاً سياسياً في المنطقة، ثمة سؤال ملحّ أردنياً: هل تعمل أبو ظبي لمصلحة عمّان أم تريد كسب بيضة القبّان الأردنية لتسبق الرياض إليها، وبالتحديد لتسهيل العلاقات مع إسرائيل عبر أراضي المملكة وصلاً بالبحر المتوسط؟ مهما كانت الإجابة، لا تخفى الرشاقة الإماراتية في السياسة الخارجية مقارنة بالسعودية، فها هو سفير الإمارات لدى واشنطن، يوسف العتيبة، ضمن مشاركته في لقاء نَظّمه «معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي، يُبيّن سبب التطبيع: «كان الضمّ سيتسبّب في ردّ فعل سلبي للغاية لإسرائيل، ويضع الأردن تحت الضغط، ويجبر الولايات المتحدة على الدفاع عن قرار غير شعبي للغاية في المنطقة. وسيخاطر بكلّ التقدّم الذي أحرزناه في ما يتعلّق بالانفتاح مع إسرائيل».

طرح الغياب السعودي والمصري عن قمة أبو ظبي تساؤلات في الداخل الأردني


يجيد البلاط قراءة الإشارات الخارجية، ولذلك هو لن يوفّر أيّ جهد للتقارب مع مَن يَتقدّم نحوه، وهذه الحال مع الإمارات الناشطة إقليمياً، فيما تنضمّ البحرين إلى الجوقة التي لطالما أدّت عمّان دوراً أمنياً فيها منذ اندلاع الحراك البحراني، إذ لا ينسى أحد مساهمة الدرك الأردني في إخماده. وأبو ظبي، التي «ضمنت» بهذه الخطوة مملكتين في المنطقة، تلعب على المكشوف خياراتها الخاصة بعيداً عن الرياض (ما يثبت التسريبات الأخيرة عن انتقاد الإمارات لولي العهد السعودي محمد بن سلمان)، كأنها تحاول الخروج من الشراكة معها على أكثر من جبهة، سواء الحرب على اليمن أو العلاقة مع إسرائيل أو دول الطوق الفلسطيني وحتى في الموضوع السوري، وصولاً إلى الخصومة القطرية المكلفة لها. وفي القضية الأخيرة، يبدو موقف عمّان دافعاً إلى التقارب مع الدوحة عقب الانفتاح عليها ورفع التمثيل الدبلوماسي معها.
ربطاً بكلّ ذلك، تُفهم أكثر تحرّكات السلطة الفلسطينية التي تَقاطع موقفها من «صفقة القرن» مع الموقف الأردني، وها هي الآن تتراجع عن قطع التنسيق الأمني، وتعمل على إعادة الوضع إلى ما كان عليه مع الإمارات والبحرين. إذ لا يمكن قراءة خطوة رام الله بعيداً عمّا تفعله عمّان، مع الإشارة إلى لقاء قريب جمع الصفدي مع رئيس السلطة، محمود عباس، في رام الله، لتقديم العزاء بكبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات. والواضح أن الزيارة كانت أكثر من واجب عزاء، إذ أُتبعت بتهنئة الملك لعباس في ذكرى «استقلال فلسطين» الذي أعلنه ياسر عرفات عقب قرار فكّ الارتباط بين الأردن والضفة المحتلة عام 1988.
على الزاوية، وعلى رغم تأجيل المناورات العسكرية الدولية في الأردن منذ بداية العام، وأهمّها «الأسد المتأهب»، تشارك تشكيلات الجيش الأردني في تمرين «سيف العرب» في مصر بحضور بحراني وإماراتي أيضاً، ليتّضح بعد أيام أن هناك حضوراً سعودياً وسودانياً أيضاً! والخلاصة أن الأردن يُبقي الخيارات الدبلوماسية مفتوحة، لكنه بحاجة إلى حسم أولويات تحالفاته التي يتصدّرها الوضع الاقتصادي وما يتّصل به من مساعدات ومنح وفرص استثمارية تطمح عمّان فيها، سواء من واشنطن أو عواصم الخليج اللاهثة وراء تل أبيب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا