من وجهة نظر الرياض وأبو ظبي، فإنّ التطبيع السوداني مع كيان الاحتلال الإسرائيلي يُعدّ انتصاراً جديداً. وفي الحقيقة، لم يكن ذلك مفاجئاً. إذ بمجرّد إخفاق الحكومة الجديدة ــــ القديمة في الخرطوم، والتي تبلورت في صيف العام الماضي إثر إطاحة نظام عمر البشير، في خلق علاقات متوازنة مع المحاور الثلاثة المتصارعة في المنطقة، وانحيازها إلى الثنائي الخليجي، كانت المآلات السودانية التي تعلن اليوم تباعاً قد أصبحت بمثابة تحصيل حاصل.

ومنذ تشكّل مجلس التنسيق الإماراتي ــــ السعودي، برئاسة وليَّي عهد البلدين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، في أيار/ مايو 2016، وضع على عاتقه دحر المحورين الإيراني والتركي، ودعم الاستبدادات العربية، وإعلان التحالف العلني مع الصهانية، على أمل العمل بمثابة شرطيّ في المنطقة، في ظلّ "الزعامة" الأميركية. منذئذ، تَكثّفت الزيارات واللقاءات السعودية مع الصهاينة، فالتقى رئيس المخابرات الأسبق، تركي الفيصل، مستشار الأمن القومي العبري الأسبق، يعقوب عميدرور (أيار/ مايو 2016)، وزار اللواء أنور عشقي إسرائيل (تموز/ يوليو 2016)، وكَرّت السبحة.
تشكيل مجلس التنسيق، والاتفاقيات الغزيرة التي وقّعها الجانبان، عكسا الزخم الكبير في العلاقة بين الرجلين، اللذين هَيّأت لهما الأوضاع الداخلية والدولية صلاحيات شبه مطلقة. ابن زيد صار فاعلاً رئيساً في القرار منذ رحيل مؤسِّس الإمارات زايد آل نهيان، ثم صار حاكماً شبه مطلق في السنوات العشر الأخيرة، حين أقعد المرض أخاه غير الشقيق، خليفة، عن القيام بمهامه كرئيس للدولة. من الانتصارات التي يفتخر بها ابن زايد وابن سلمان إطاحة رجل الأمن القوي وصديق المخابرات الأميركية، محمد بن نايف، من ولاية العهد في السعودية، بعد غزوة "الرجل الأبيض"، دونالد ترمب، إلى نجد في أيار/ مايو 2017، والتي فجرت أيضاً الأزمة مع قطر. ولا يبدو ابن زايد مستعجلاً لإعلان نفسه رئيساً. فلا يزال يحمل لقب وليّ عهد أبو ظبي، على رغم أن الجميع في الداخل والخارج ينظر إليه ويتعامل معه على أنه الرئيس الفعلي للإمارات، وبات رئيس الوزراء وحاكم دبي، محمد بن راشد، يسطّر شِعر الولاء لحاكم أبو ظبي، الإمارة التي تُموّل الجزء الأعظم من الميزانية الاتحادية للدولة المُشكَّلة من سبع إمارات. ولعلّ الرسالة التي يقولها ابن زايد لابن سلمان: لِمَ العجلة؟ أنت حاكم، وإن لم تحمل لقب الملك.

غايات التنسيق الإماراتي ــــ السعودي لا تحمل بوادر سلام وتنمية وحرّيات وتوافقات داخليّة


إقليمياً، الانتصار الأهمّ ــــ من وجهة نظر الثنائي ــــ، والذي سُجّل قبل وصول ابن سلمان، كان كسر التجربة المصرية في 2013، والتي كانت تواجه في الأصل تحدّيات جمّة. ولذا يُتوقع أن تكون المآلات قاتمة سودانياً في المستقبل القريب، لجهة قمع الحريات وتعزيز الأحادية، وهكذا هو مصير أيّ دولة تقع تحت هيمنة هذا الثنائي. نأت الكويت وقطر وعُمان بأنفسها عن مجمل الخيارات السعودية. وبينما لجأت قطر إلى التحالف مع تركيا وتمتين علاقاتها مع المؤسسات الأميركية، مضت الكويت في سياسة النأي عن المحاور، وهي المقاربة التي انتهجتها منذ أن دفعت ثمن تورّطها في الحرب الإيرانية ــــ العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. وتخشى الكويت وعُمان من أن يستهدفهما التنسيق الإماراتي ــــ السعودي، كما استهدف قطر وإيران وتركيا والجماعات المدنية والسياسية النشطة في المنطقة. وتنفي الإمارات والسعودية أن يكون تنسيقهما بديلاً لـ"مجلس التعاون الخليجي". وهنا، تبرز غاية أخرى من غايات الثنائي الخليجي، وهي زيادة تهميش "مجلس التعاون"، و"الجامعة العربية"، و"منظمة العالم الإسلامي".
بحرينياً، منذ تَشكّل الثنائي، طُرح السؤال: أين المنامة منه؟ لم نسمع ردّاً علنياً من الإمارات، أما السعودية فقد استجابت لإلحاح البحرين، ووافقت في تموز/ يوليو 2019 على تشكيل مجلس تنسيق برئاسة وزيرَي خارجية البلدين، على خلاف رغبة البحرين التي تأمل أن يرأس التنسيق وليّا عهد المملكتين. حدث مستجد في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، حين أعلن مجلس الوزراء السعودي موافقته على "التباحث مع البحرين لرفع مستوى التمثيل لمجلس التنسيق السعودي البحريني ليكون برئاسة وليَّي عهد البلدين". ويُعتقد أن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، للمنامة في الـ 21 من الشهر الجاري، كان من بين أهدافها التحضير لـ "التوقيع على البروتوكول المُعدّل لمحضر إنشاء المجلس"، ليرأسه وليّا عهد المملكتين.
الإشكال أن غايات التنسيق الإماراتي ــــ السعودي لا تحمل بوادر سلام وتنمية وحرّيات وتوافقات داخلية في البُلدان التي تتبع هذا الثنائي، أو تفاهمات مع الجيران، الأمر الذي يزيد من دواعي القلق خليجياً وعربياً وإقليمياً، ويدفع التوترات في الخليج والمنطقة إلى أقصاها، وخصوصا مع تبلور حقيقة أن إسرائيل صارت في مواجهة مباشرة مع إيران انطلاقاً من أرض خليجية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا