منع أيّ حديث عن السعودية هدف اللوبي العامل لحسابها

وقّعت الرياض عقوداً مع أكبر 5 شركات في مجال الاتصال

بيير كونيسا، أحد كبار موظفي وزارة الدفاع الفرنسية سابقاً، أعدّ تقريراً سرّياً عن اللوبي السعودي في فرنسا لمصلحة شركات فرنسية بارزة، وخصّ «الأخبار» بمقابلة عرض فيها أبرز استنتاجاته

في أي سياق أدركت السعودية ضرورة تطوير سياسة اتصال وتأثير في البلدان الغربية؟
- قطر مثّلت التحدي الأبرز بالنسبة إلى السعودية لأنها امتلكت ديبلوماسيتها الخاصة وحققت نجاحات كبيرة كإنشاء قناة «الجزيرة»، التي تحوّلت إلى وسيلة إعلامية دولية معترف بها. منذ التسعينيات، طبّع القطريون علاقاتهم مع إسرائيل بهدوء ومن دون إحداث ضجيج كبير حول هذا الموضوع. عندما اعترفت أبو ظبي بإسرائيل، قدّم هذا الأمر على أنه إنجاز عظيم، على الرغم من أن القطريين كانوا سبّاقين في هذا المجال. من جهة أخرى، علينا ألّا ننسى أن ثروة قطر تعود لاستثمارها حقلاً غازياً مشتركاً بينها وبين إيران، ما يعني استحالة انحيازها الكامل للسعودية. في مقابل هذه النجاحات، أيقن السعوديوين أنهم لا يعرفون كيفية التواصل الفعّال مع البلدان الغربية والتأثير فيها، وأنهم بحاجة إلى سياسة حقيقية في هذا الميدان. هم قدّروا أن عليهم الاعتماد على شركات دولية للاتصال تعرف جيّداً المجتمعات الغربية والسبل الأنجع للتأثير فيها. وللمفارقة، فإن السياسة الإعلامية السعودية قامت على أساس عدم التطرّق إلى الأوضاع في السعودية والحؤول دون أيّ حديث عن هذا البلد قدر المستطاع.
وقّعت الرياض عقوداً مع أكبر 5 شركات عاملة في مجال الاتصال، مع «هافاس» و»بوبليسيس» الفرنسيتين، ومع «أنتربوبليك» و»أومنيكوم» و»WPP» الأميركية. وكّلت هذه الأخيرة شركات أخرى للقيام بمهمّاتها لعدم كشف هوية زبائنها.

كيف وضعت هذه السياسة موضع التنفيذ وتمكنت من تحقيق أحد أهم أهدافها، وهو الحؤول دون التطرق إلى ما يجري في السعودية؟
- صنّاع هذه السياسة اعتبروا أن غايتها هي التواصل مع 3 أطراف والسعي للتأثير على مواقفهم. الطرف الأوّل هم السياسيون الغربيون. الطريقة الأمثل لشراء صمتهم هي توقيع «رسائل نوايا» لعقود محتملة خلال زيارتهم للسعودية. عندما سافر رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالس إلى السعودية في 2015، وعد بتفاوض على عقود بقيمة 10 مليارات يورو. في أيّار/ مايو 2017، ذهب ترامب إلى الرياض وتم التوقيع على عقود سلاح بـ 110 مليارات دولار. في الحقيقة لسنا سوى أمام وعود بالتفاوض. لا يمكننا الزعم أن هناك عقوداً فعلية وهي لم تنفذ منذ ذلك التاريخ. غير أن هذا الأمر يكفي لكي يعلن المسؤولون الغربيون نجاحهم في تحقيق إنجازات عند عودتهم إلى الديار. بهذه الطريقة، يتم شراء صمتهم ولا يتفوّهون بكلمة طالما المفاوضات حول هذه العقود الافتراضية لم تحدث.
الطرف الثاني هم رجال الأعمال. عندما يدعى هؤلاء إلى «دافوس الصحراء»، ويطّلعون على مشروع «نيوم» الضخم، هذه المدينة المستقبلية التي ترتفع كلفة بنائها إلى 500 مليار دولار، يعتبر رجال الأعمال أنه حتى في حال حصولهم على 0,5 في المئة من المشروع، فإنهم سيحققون أرباحاً طائلة ويعودون مبتهجين إلى بلدانهم. منظّم «دافوس الصحراء» حرص على اجتذاب مثقفين وصناعيين، وقسم وازن من أوساط الأعمال في العالم، ومن القيادات السياسية، لحضورها، بعد مرور سنة واحدة على الدورة التي جرت مقاطعتها بسبب قتل الصحافي جمال خاشقجي. يشدّ جميع هؤلاء الرحال إلى دولهم، مقتنعين بأن مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبط بالتطورات التي تشهدها السعودية.
الطرف الثالث، الذي يتوجه إليه اللوبي السعودي، هي النخب المسلمة في الغرب. لقد تم إقناع هذه الأخيرة بأن نقد السعودية هو نقد للإسلام. لم يصدر «المجلس الفرنسي الإسلامي» أي بيان بخصوص حرب اليمن. تفسير هذا الصمت لا يمكن أن يتجاهل واقع أن غالبية أعضائه لديهم وكالات سفر وينظّمون حملات للحج سنوياَ. إذا أعلنت السفارة السعودية بشكل مفاجئ أنها ستخفض عدد تأشيرات الدخول التي تمنحها، فسيتضرّرون بشكل مباشر. سأعطيكم مثالاً آخر. عند إعدادي تقريراً بعنوان: «أيّ سياسة لمكافحة نموّ التطرف في فرنسا؟» في 2014، اتصلت بلجنة مناهضة الإسلاموفوبيا، وطلبت مقابلتهم لمعرفة وجهة نظرهم بالنسبة إلى هذا الموضوع. الناطق الرسمي باسم اللجنة أجابني بأن هذا الموضوع لا يعنيهم وأنهم لا يتناولون سوى القضايا المتصلة بكراهية الإسلام. نحن أمام صمت مؤسساتي حول دور السعودية في نشر السلفية، وهو ما تطرقت إليه في كتابي «الدكتور سعود والسيد جهاد» (كتب مقدمته وزير الخارجية الأسبق هوبير فيدرين).

هل يعمل اللوبي السعودي في فرنسا على غرار ذلك الموجود في الولايات المتحدة؟
- هو ليس لوبي منظماً مع قيادة مركزية، بل هو لامركزي إلى درجة كبيرة، لكن نتيجة جهود الجهات المختلفة العاملة في إطاره تصب في المجرى نفسه. في الولايات المتحدة، اللوبي السعودي قوي جداً ويمنح اهتماماً كبيراً للجامعات ويقدّم لها هبات ومنحاً لتحييد الباحثين. في فرنسا، هو يتعامل مع مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية والإعلامية. تصوّروا أن السيدة إليزابيت بادينتر، المفكرة النسوية المعروفة، التي تمتلك من جهة أخرى 35 في المئة من أسهم شركة «بوبليسيس»، تدافع عن حقوق النساء في أنحاء المعمورة، باستثناء السعودية. صحيح أن قضية خاشقجي هزّت الضمائر، لكن لا يمكن مقارنة ردود الفعل الغربية عليها بتلك الموجّهة ضد روسيا بعد قضية سكريبال. ففي الحالة الثانية، جرى تجميد حسابات مصرفية لأعضاء من الأوليغارشية الروسية في الخارج، واتخذت إجراءات عقابية بحق هذا البلد، إلخ... لم يتخذ أي إجراء بحق السعودية حتى اللحظة.

الباحث والموظّف السابق في وزارة الدفاع الفرنسيّة

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا