لا يبدو أن الحملة التي أطلقها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لتجريد خصومه من أصولهم وممتلكاتهم تحت شعار «مكافحة الفساد»، قد توقّفت عند حدود ما شهده فندق «ريتز كارلتون» أواخر عام 2017، بل إن هذه الحملة لا تزال تتجدّد فصولاً، لكن بعيداً من الأضواء. وهو تجدّدٌ يظهر أن وراءه عاملين رئيسين: أولهما رغبة ابن سلمان في القضاء على أيّ عناصر قوة، ولو خارجية، يَعتقد أنها يمكن أن تمثّل تهديداً لمشروع بلوغه العرش؛ وثانيهما الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تمرّ بها البلاد، والتي تدفع السلطات إلى البحث عن أيّ مصدر من مصادر السيولة النقدية لتمويل عجز الموازنة الذي يُتوقع أن يزيد بأكثر من الضعف عمّا كان عليه العام الماضي.

انطلاقاً من ذلك، يسعى ابن سلمان إلى الاستيلاء على ما تبقى من أصول مخفاة لأبناء عمومته في الدول الغربية، وخصوصاً في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وفق ما كشفته أمس دورية «إنتلجنس أونلاين» الفرنسية. بحسب تقرير الدورية، فإن السلطات السعودية تعاقدت مع عدد من الشركات المتخصّصة من أجل البحث عن الأصول المملوكة لعائلة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وخصوصاً منها الصناديق الائتمانية المرتبطة بـ»جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا». وكانت شركات، تُعدّ صاحبة النصيب الأكبر من عقود الجامعة (شركة بن لادن نموذجاً)، قد تعرّضت لعملية تصفية في خلال السنوات الماضية، ضمن حملة «مكافحة الفساد» التي قادها ابن سلمان. كما أن أربعة من أبناء عبد الله، هم متعب وتركي وفيصل ومشعل، اعتُقلوا عام 2017 في إطار الحملة نفسها، قبل أن يُفرَج عنهم (باستثناء تركي) بموجب تسوية مالية أبرمها متعب مع السلطات. وليست عائلة عبد الله وحدها في الفصل الجديد من هجمة ولي العهد على منافسيه، بل إلى جانبها أيضاً أسماء سبق لها أن نجت من الفصول السابقة، من مثل رجالات ولي العهد الأسبق سلطان بن عبد العزيز، إذ وفقاً لتقرير «إنتلجنس أونلاين»، فقد اعتقلت السلطات، قبل أسابيع قليلة، المستشار المالي لسلطان، رجل الأعمال عبد الله الشهري، بهدف الحصول منه على معلومات عن الثروات التي راكمها وزير الدفاع الأسبق من خلال العقود الحكومية التي أبرمها.
التهمة نفسها تستعدّ السلطات لتوجيهها، أيضاً، إلى ولي العهد السابق، محمد بن نايف، الذي اعتُقل مع عمّه أحمد بن عبد العزيز أوائل شهر آذار/ مارس الفائت بتهمة «الخيانة»، عبر السعي إلى انقلاب. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، قبل أيام، فإن ما يسمّى «لجنة مكافحة الفساد» التي يرأسها ابن سلمان توشك على الانتهاء من «تحقيق» في مزاعم عن استغلال ابن نايف إدارته برامج «مكافحة الإرهاب» في وزارة الداخلية من أجل تحويل مليارات الريالات السعودية بشكل غير شرعي عبر شبكة من الشركات والحسابات الخاصة. يأتي ذلك في وقت يستميت فيه ابن سلمان في إعادة المستشار السابق لابن نايف، سعد الجبري، إلى البلاد، خشية بقاء الكثير من الملفات والمعلومات خارج دائرة سيطرة الأوّل. وكان الجبري، الذي اعتُقل نجلاه بهدف الضغط عليه وإرغامه على العودة، أحد أقوى رجالات ولي العهد السابق في وزارة الداخلية. والمعروف عنه دوره البارز في الحملة التي قادها رئيسه ضدّ «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، فضلاً عن مساعدته إيّاه في الاستثمار في قطاع الأمن، وخصوصاً منه الأمن السيبراني.