ليست المندوبة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، متفرّدة بـ«مهارة» الاستعراض ذي الأهداف التحريضية. أمس، انضمّ إليها كلّ من المبعوث الأميركي الخاص بشؤون إيران براين هوك، ووزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير. هو العرض البكائي الثالث لواشنطن والرياض، من بعد أوّل نظّمته هيلي في كانون الأول/ ديسمبر 2017 لبقايا صاروخ باليستي أُطلق من اليمن على السعودية، وثانٍ تولّته هي أيضاً في كانون الثاني/ يناير 2018 أمام سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن في قاعدة عسكرية على مشارف واشنطن.

قبيل 4 أشهر من انتهاء حظر الأسلحة المفروض على إيران، وفق ما ينصّ عليه الاتفاق النووي المبرم معها عام 2015، لا تجد الولايات المتحدة بدّاً من تكثيف جهودها للتحشيد خلف نيّتها تمديد هذا الحظر الذي تعارضه كلّ من روسيا والصين. من أجل ذلك، توجّه هوك إلى السعودية حيث كان في انتظاره ما قالت المملكة إنها بقايا صواريخ وطائرات مسيّرة أرسلتها إيران إلى حركة «أنصار الله» في اليمن، واستُخدمت في استهداف العمق السعودي. هكذا، اجتمع الهدفان: اجتذاب أعضاء مجلس الأمن نحو المضيّ في تشديد الخناق على طهران ضمن استراتيجية «الضغوط القصوى» التي تنتهجها إدارة دونالد ترامب، وتظهير الرياض باعتبارها «ضحية» لـ«سياسات إيران الإرهابية»، على حدّ تعبير الجبير.
بعدما مهّدت الولايات المتحدة، مطلع الشهر الجاري، لهذه الخطوة، بتسليمها أعضاء مجلس الأمن مسودة قرار يدعو إلى تمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران منذ 13 عاماً، أطلّ هوك من السعودية ليُحذّر من أن إنهاء الحظر لن يؤدي إلا إلى «تشجيع إيران وتقوية شوكتها»، التي تسعى إدارة ترامب إلى كسرها بـ«خطط بعيدة المدى» كما كان أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي أعرب أخيراً عن ثقته بأن «قدرتنا الدبلوماسية لتوحيد العالم ضد الإرهاب الإيراني» ستنجح في تمديد الحظر، منبّهاً إلى أنه في حال لم يتمّ ذلك، فإن إيران ستكون قادرة على شراء طائرات حربية جديدة من روسيا والصين، وأن أوروبا ستقع تحت نيرانها.

بومبيو: إذا لم يُمدّد الحظر فستكون إيران قادرة على شراء طائرات حربية


المفارقة أمس، أن المبعوث الأميركي حاجج، في عرضه المشترك مع الجبير، بأن إعادة فتح باب التسلّح والتسليح أمام إيران «ستفضي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وتطلق شرارة سباق تسلّح في المنطقة»، في الوقت الذي لم تتخلّف فيه إدارة ترامب عن أيّ خطوة من شأنها إحياء سباق التسلّح هذا، وتغذية الاضطرابات والحروب. ومع ذلك، يأتي هوك ليقول إنه «لا يمكن لمجلس الأمن قبول هذه النتيجة. تفويض المجلس واضح: الحفاظ على السلم والأمن الدوليين».
من جهته، جدّد الجبير، الذي تشنّ بلاده منذ خمس سنوات عدواناً شرساً على جارها اليمني وتفرض عليه حصاراً خانقاً تسبّب في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، سردية السعودية عن كونها المعتدَى عليه بـ«1659 هجوماً على المدنيين» مدعومة من إيران. هجماتٌ صنّفها ما بين 318 بالصواريخ الباليستية، و371 بالطائرات المسيّرة، و64 بالسفن المفخّخة، مدّعياً أن بلاده صادرت أوّل من أمس شحنة أسلحة كانت مرسَلة من طهران إلى «أنصار الله»، مُدعّماً بهذا زعم هوك اعتراض شحنات مماثلة في تشرين الثاني/ نوفمبر وشباط/ فبراير الماضيين. وإذ جدّد الوزير السعودي انتقاده الاتفاق النووي، واصفاً إيّاه بـ«الضعيف»، فقد حذّر من أن إيران «ستصبح أكثر شراسة وعدواناً إذا ما رُفع الحظر»، مطالباً المجتمع الدولي بـ«منعها من تصدير الأسلحة وتقييد قدرتها على بيع الأسلحة للعالم». بذلك، تتمسّك المملكة برهانها على أن تؤدي الاستراتيجية الأميركية إلى كسر إيران وحلفائها في المنطقة، بما يتيح للسعوديين تالياً هندسة الملف اليمني كيفما يشاؤون. ومن هنا، يبدو مفهوماً حديث «أنصار الله»، على لسان الناطق باسمها محمد عبد السلام، عن أن «الحديث المتداول عن جاهزية سعودية للسلام في اليمن مجرد دعاية أميركية بريطانية تروّج لأوهام لا أساس لها من الصحة».
يُذكر أن مشروع القرار الأميركي، الذي كانت إيران حذّرت من أن المضيّ فيه سيعني «موت الاتفاق النووي إلى الأبد»، يطالب بحظر بيع وتوريد ونقل السلاح والمواد المرتبطة به إلى إيران إلا بموافقة لجنة تابعة لمجلس الأمن. كما يلزم المشروع الدول بتفتيش شحنات على أراضيها في حال الاشتباه في احتوائها مواد محظورة، فضلاً عن تفتيش السفن في أعالي البحار للغرض نفسه.