تستمرّ المباحثات السعودية - القطرية، لكن مع تراجع مؤشرات وقوع مصالحة أو ما هو أكثر من تهدئة مطلوبة أميركياً. وإن كانت المفاجأة الوحيدة المنتظرة في القمة الخليجية، التي تستضيفها الرياض اليوم، هي حضور أمير قطر، فإن غياب الأخير المرجّح سيؤكد أن إنجاز مصالحة شاملة للأزمة المندلعة بين رباعي المقاطعة والدوحة منذ حزيران 2017 لا يزال بعيداً، ما سيجعل قمة المجلس الآفل لصالح العلاقات الثنائية مناسبة عابرة، على عكس ما تمنى الوسيط الكويتي الذي بقي حتى أمس مصرّاً على «التفاؤل».

أسابيع من «التفاؤل» خيّمت على الوسيط الكويتي ودول الخليج، بدت خلالها نهاية الأزمة مع قطر أقرب من أيّ وقت مضى. أتى موسم «كأس الخليج» لكرة القدم في الدوحة ليصعّد من التوقّعات بإمكان حدوث تطوّر في المدى القريب، غذّاه شبه التهدئة الإعلامية. توالت التسريبات حول إحراز التحرّك الكويتي تقدّماً على خط الرياض - الدوحة، مدعوماً بضغط أميركي لإيجاد حلّ، فضلاً عن المعلومات في شأن اتصالات مباشرة بين السعودية وقطر. معلومات بلغت حدّ حديث صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن قيام وزير الخارجية القطري، محمد عبد الرحمن آل ثاني، في تشرين الأول/ أكتوبر، بزيارة غير معلنة للمملكة، حيث قدّم، وفق الصحيفة، عرضاً بحلّ الأزمة مقابل قطع الدوحة علاقاتها بـ«الإخوان المسلمين». تصريحات الوسيط الكويتي بإمكان أن ينسحب التطبيع الرياضي على السياسة لم تكن وحدها مصدر التوقعات بإمكان الحل، فكذلك المواقف السعودية والقطرية، في موازاة التهدئة الإعلامية، أكدت هذه التقديرات.
وبعد كلام سفير المملكة لدى الكويت، الأمير سلطان بن سعد آل سعود، عن إمكان أن تصلح الرياضة «ما أفسدته السياسة»، كشف وزير الخارجية القطري، الأحد الماضي، عن الانتقال بالعلاقة مع السعودية، بفضل المباحثات الجارية، من مرحلة «الاستعصاء إلى إحراز بعض التقدّم». وتابع: «على الأقلّ ننتقل من الطريق المسدود والاستعصاء والطلبات الـ13 (شروط رباعي المقاطعة) وغيرها من التفاصيل الى الحديث عن رؤية مستقبلية».

نقلت «الأناضول» عن «مصادر دبلوماسية عربية واسعة الاطلاع» ترجيحها أن أمير قطر لن يشارك


لا تظهر في هذا المشهد باقي دول المقاطعة، الإمارات ومصر والبحرين، لينصبّ الحديث على مباحثات ثنائية سعودية - قطرية. لكن ذلك لا يقوّض أهمية ما يجري، خاصة بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تضغط باتجاه الحلّ على قاعدة تكاتف جهود الحلفاء لدعم المواجهة ضد إيران. ولهذه الغاية، كلّف الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسابيع، بحل الملف، السفير لدى الرياض الجنرال المتقاعد جون أبي زيد، مع فريق من دبلوماسيين ومسؤولين في البيت الأبيض، لتنسيق الجهود بشكل سرّي بغية إنضاج مصالحة خليجية، وفق ما نقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين في الإدارة.
كل ما تقدّم ظهر أخيراً كمؤشرات على إمكان تتويج المباحثات وجهود الوساطات بخطوة باتجاه الحل في قمة مجلس التعاون الخليجي، والتي تستضيفها المملكة بدلاً من الإمارات التي اعتذرت عن عدم الاستضافة. تعزّز ذلك مع دعوة السعودية رسمياً أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، إلى القمة. إلا أن «التشاؤم» عاد سريعاً في الساعات الأخيرة، إذ ظهر الأمير تميم أمس في زيارة لعاصمة رواندا كيغالي، عشية القمة. ونقلت وكالة «الأناضول» عن «مصادر دبلوماسية عربية واسعة الاطلاع» ترجيحها أن أمير قطر لن يشارك في القمة. إذا لم تحصل مفاجآت وبقي التمثيل القطري متدنياً كالمعتاد، فإن قمة مجلس التعاون لن تحمل أي مضمون. فالمجلس، عموماً، تراجع دوره لصالح العلاقات الثنائية بين أعضائه، لا سيما التحالف بين وليّ عهد الإمارات محمد بن زايد، ووليّ عهد السعودية محمد بن سلمان. الأخيران، وفضلاً عن تعاونهما الوثيق سياسياً وعسكرياً، عزّزا هذا المصير لمجلس التعاون في مشهد اللقاء الذي جمعهما أخيراً في الإمارات قبل أيام من القمة، حيث انعقد مجدداً مجلس التنسيق بين البلدين مقرّاً تفاهمات جديدة كان أبرزها الاستثمار الإماراتي في طرح «أرامكو» للاكتتاب.
ويعدّ استمرار صراع المحاور إقليمياً سبباً رئيساً في صعوبة إنتاج أكثر من تهدئة بين الطرفين، لا سيما في ظلّ احتدام التصعيد في ليبيا وجبهات أخرى، والتنافس المتزايد بين تركيا من جهة، والإمارات والسعودية من جهة أخرى. كل ذلك يجعل من مصالحة خليجية شاملة أمراً بعيد المنال، ولو كانت التهدئة بين الرياض والدوحة، حصراً، غير مستبعدة، لا سيما في ظلّ الضغط الأميركي. رغم كلّ ذلك، حافظ الوسيط الكويتي على «التفاؤل»، وقال نائب وزير الخارجية خالد الجار الله، أمس، أثناء مشاركته في فعالية بالسفارة القطرية في الكويت، إن «خطوات المصالحة وقنوات إنهاء الخلاف تسير باتجاه إيجابي ووفق خطوات ثابتة ومتقدمة... لسنا قلقين على الإطلاق من الأجواء التي ترافق الجهود الهادفة إلى إنهاء الخلاف، ومتفائلون بأن هذا الخلاف سيكون جزءاً من الماضي في القريب».