في كواليس البحث القطري عن الطريقة الأمثل لإرضاء الحليف الأميركي، يقرّر الأمير حمد بن خليفة آل ثاني التبرّع بمبلغ 100 مليون دولار لمدينة نيو أورلينز المنكوبة جرّاء إعصار كاترينا (2005). «كان إعصاراً مدمِّراً إلى درجة أن جميع مَن في قطر، إلى جانب بقية العالم، شعروا بمسؤولية»، بحسب تعبير سفير قطر لدى الولايات المتحدة حينها. مِن المفارقات المضحكة أيضاً، أنْ تبرّعت الدنمارك، مثلاً، بـ«بطّانيات» لإغاثة ضحايا الإعصار. يقال أيضاً إن سكان نيو أورلينز، حين علموا بقصة المبلغ القطري السخي، ما كان منهم إلا أن سألوا: وأين يقع هذا البلد؟


مفاتيح واشنطن
لم يكن استقبالاً عادياً ذاك الذي حظي به تميم بن حمد في واشنطن. حفاوة لافتة إلى حدّ يمكن معه التوقف عندها طويلاً، لكن الرئيس الأميركي سرعان ما أوضح مآلاتها، وهو ما يقودنا إلى فهم أحد جوانب العلاقة. كانت مأدبة العشاء التي أقامها وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، لأمير قطر، ذات توجه تجاري. دُعي إلى العشاء الذي حضره ترامب نفسه، 40 من كبار رجال الأعمال الأميركيين. لكن كلمة ترامب لـ«صديقه القديم»، تميم، كانت خيرَ دليل على هذا التوجه. «عليّ القول إن استثماراتكم في الولايات المتحدة هي واحدةٌ من أكبر الاستثمارات في العالم... ولديّ علم بالطائرات التي تشترونها، وكل الأشياء الأخرى التي ستستثمرون فيها، أراها بشكل مختلف. أنا أراها وظائف. بالنسبة إليّ، هي وظائف. لقد كنتَ حليفاً رائعاً، وقد قدّمتم لنا المساعدة في إنشاء القاعدة والمطار العسكريين... وعلمت أنكم استثمرتم 8 مليارات دولار أخرى في القاعدة العسكرية (لتطويرها)، والحمد لله كانت غالبيتها من أموالكم. في الحقيقة، أفضل أن يكون كله من أموالكم». بالنسبة إلى ترامب، فإن بيت القصيد هو المال، وبالتحديد التجارة.
«السخاء» القطري المشار إليه، وإن كان حاضراً بصورة لافتة خلال الزيارة، إلا أنه ليس الركيزة الرئيسة في العلاقات، خصوصاً وأن الدوحة لا تُعدّ سوقاً اقتصادية مهمّة بالنسبة إلى واشنطن. ولفهم أهميتها أميركياً، يمكن النظر في جملة من الأدوار التي تؤدّيها الإمارة الخليجية في غير ملفّ:
أولاً: استضافة الدوحة لأول ممثلية لحركة «طالبان» بطلبٍ أميركي، وأداؤها دوراً مهماً في ملفّ المفاوضات الأميركية مع «طالبان». دورٌ قد يمهّد الطريق أمام تحقيق سلام أفغاني، وتالياً انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، كشرطٍ رئيس تضعه الحركة، ويسعى إليه ترامب.
ثانياً: دعم قطر لقطاع غزة بمصادقة أميركية ــــ إسرائيلية، إذ كشفت صحيفة «هآرتس» في شباط/ فبراير الماضي أن الإمارة الخليجية حوّلت إلى غزة أكثر من 1.1 مليار دولار بين عامي 2012 و2018، ذهبت كمساعدات إنسانية وتسديد أثمان وقود ورواتب لموظفي القطاع، إضافة إلى جزء خُصص لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا).
ثالثاً: الاتفاق الذي وقّعه الجانبان الأميركي والقطري في تموز/ يوليو 2017 لـ«مكافحة تمويل الإرهاب»، والذي شَمل التعاون بين الطرفين في مجالات «الأمن والاستخبارات والمالية»، ما يعني فتح دفاتر قطر المالية أمام الولايات المتحدة. والاتفاق الأول من نوعه بين دولة في مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة قاد إلى ما بات يعرف بـ«الحوار الاستراتيجي» بين البلدين، والذي يركّز على الشراكة في مجال «مكافحة الإرهاب».
رابعاً: إلى جانب استثماراتها الضخمة في الولايات المتحدة، ومنها إعلان «شركة قطر للبترول»، أخيراً، توقيع اتفاق بقيمة 8 مليارات دولار مع شركة «شيفرون فيليبس» للكيميائيات لتطوير مجمع عالمي للبتروكيميائيات في جنوب الولايات المتحدة، تعدّ قطر مشترياً أساسياً للسلاح الأميركي.

«العُديد» والخصومة الخليجية
قبل عامين، وتحديداً بعد الحملة التي قادَتها كل من السعودية والإمارات إلى جانب البحرين ومصر لمقاطعة قطر، تباهَى الرئيس الأميركي، الذي لم يكن بعد قد حدّد موقفه من حملة الشيطنة هذه، بأن في مقدوره، إن أراد، إغلاق القاعدة الأميركية في العُديد القطرية، وستصطفّ «عشر دول» لإنشاء قاعدة جديدة و«ستدفع (هذه الدول) ثَمنها». «لقد انتهت الأيام التي ندفع فيها نحن ثمن أي شيء». حدث ذلك قبل أن تضع وزارتا الخارجية والدفاع حدّاً لتصريحات ترامب المناهضة لقطر. وبدا أن أحداً لم يلفت انتباه الرئيس إلى كَون «البنتاغون» لم يكن مضطراً إلى دفع سنت واحد لإنشاء القاعدة التي تولّت الحكومة القطرية تمويلها عام 1996 كبديل أو «تعويض» للقوات الأميركية، بعد هجوم الخُبر الذي استهدفها في ذلك العام، وقضى فيه 19 طياراً أميركياً. لكن الرئيس عاد وتنبّه باكراً إلى «الفوائد» الكثيرة لتلك العلاقة، فضلاً، طبعاً، عن ضرورة الإبقاء على القاعدة، تجنباً لـ«صداع لوجستي»، مستفيداً من عدم تدخل «المالكين»، الذين حوّلوا «العُديد» إلى قاعدة أميركية ثابتة، وتحمّلوا كل نفقاتها. قرارٌ أعقب مفاوضات طويلة بين الجانبين الأميركي والقطري، تواصلت على مدى أكثر من عام، وانتهت بإعلان أمير قطر استثمار ما يزيد على 8 مليارات دولار لتطوير «العُديد». جاء ذلك تأكيداً لإعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، خلال جولة «الحوار الاستراتيجي» الثانية في الدوحة (كانون الثاني/ يناير)، توقيع مذكرة تفاهم لتوسيع الوجود الأميركي في القاعدة (تستضيف حالياً أكثر من 10 آلاف جندي، إضافة إلى مقرّ القيادة المركزية الأميركية التي تشرف على الأعمال العسكرية للولايات المتحدة في بلدان عديدة، بينها سوريا واليمن والعراق وأفغانستان)، التي وصفها بـ«مفتاح الأمن الدفاعي الأميركي».

كانت مأدبة العشاء التي أقامها وزير الخزانة الأميركي، لأمير قطر، ذات توجه تجاري


لم تخرج أيّ مبادرات جديدة بخصوص حلّ الأزمة الخليجية، خلال زيارة تميم الأخيرة إلى الولايات المتحدة. ترامب الذي كان عرض الوساطة في عام 2017، فضّل أن يبقى بعيداً عن هذا التجاذب، مستفيداً من المصالح المتباينة التي تَجمعه بالأطراف المتخاصمين.
في مقال لهما في دورية «فورين أفيرز» (تموز 2017)، ينصح آرون ديفيد ميلر وريتشارد سوكولسكي واشنطن بعدم الانخراط في هذا الصراع، خصوصاً إذا كانت ستضطر إلى اختيار أحد الأطراف وإضافة طبقة أخرى من التعقيد إلى الشقوق الموجودة. «ومهما كانت الإسعافات الأولية التي تظهر في النهاية لإصلاح الخلاف، فمن المحتمل أن يكون مجرد حلّ موقت». ونظراً إلى أهمية هؤلاء «الشركاء الأمنيين»، لا تستطيع الولايات المتحدة تحمّل الوقوع في دورة الغسيل والشطف والتكرار، والتي من المحتمل أن تكون قصة لا تنتهي أبداً للعلاقات بين قطر و«عصابة الأربع». برأيهما، فإن المصالح الأساسية للولايات المتحدة في الخليج تتمثل في الحفاظ على التدفق الحرّ للنفط، ومنع «الهجمات الإرهابية» ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في المنطقة، ومنع إيران من فرض هيمنتها في المنطقة. وفي حين أن أياً من هذه المصالح لن يتعرض للخطر بسبب «النزاع الخليجي»، فلا مشكلة في استمراره، طالما أنه لا يوجد حلّ للمواجهة الحالية.