لدى دول «الاعتدال العربي»، وفي المقدمة الدول الخليجية، مفهوم ثابت حيال الولايات المتحدة وطريقة استحصال رضاها: البوّابة الإسرائيلية. مفهومٌ تُبنى عليه سياسات حكام هذه الأنظمة، بهدف واحد، هو البقاء السياسي، المرتبط بالرضى الأميركي، خاصة أن لا روافع أخرى لديهم لتثبيت حكمهم. يدرك الحكام العرب قدرة الولايات المتحدة على تحديد مصائرهم واستبدالهم من دون ترقب كثير من التداعيات، بل وربما انتفائها. وهي قدرة يمكن ترجمتها حتى ولو لم يكن الدافع الأميركي استراتيجياً، في ظلّ استعداد أقران في الدولة نفسها للحلول مكان الحاكم، بعيداً عن أي مجازفة في ما يتصل بأصل التبعية لإرادة واشنطن. يعي الأميركيون والإسرائيليون هذا الواقع جيداً، وهم، فضلاً عن اطمئنانهم إلى استمراره، يعملون على استثماره، من خلال طرق الابتزاز التي تُفعَّل بمهارة بوجه الحكام الخليجيين.

ولا تعدّ إمارة قطر استثناءً من ذلك، بل ربما هي واحدة من أهم مصاديقه؛ لكونها في الماضيين القريب والمتوسط (لانتفاء ماضيها البعيد) خَبِرته ورضخت له، ولجأت إلى طلب الرضى الإسرائيلي للوصول إلى الرضا الأميركي الأكبر، وقد سعت أخيراً، لدى اللوبيات الإسرائيلية في الولايات المتحدة، إلى تغيير موقف الإدارة الأميركية من الأزمة الخليجية، ودفعها إلى الموازنة بين المتخاصمين، والحيلولة دون تزكيتها تطور المواجهة إلى حدّ التسبّب بتغيير رأس الهرم السياسي في الدوحة. جهودٌ كشفت بعضاً منها صحيفة «هآرتس» (04/12/2018)، في مقال حمل عنوان «قطر تحاول الاقتراب من واشنطن عبر إسرائيل»، حيث أشارت إلى أن قطر عملت على شراء خدمات عدد من «المفاتيح» الأساسية في صناعة الرأي العام الأميركي، ومن بينها شخصيات وازنة وذات تأثير في بلورة توجّه اللوبيات المقربة من تل أبيب، كانت تعادي قطر وتتهمها بدعم الإرهاب ومعاداة إسرائيل.
ومن بين الأسماء التي كشفتها «هآرتس»، في هذا الإطار، المحامي اليهودي آلان ديرشويتز، المعروف بتأييده القوي لإسرائيل، والذي توجه إلى قطر بدعوة من أمير البلاد تميم بن حمد، حيث التقاه وكبار المسؤولين القطريين، الذين رفضوا بشدة الاتهامات المُوجهة إليهم بأنهم يدعمون حركة «حماس» ومقربون من إيران ويساعدون جماعة «الإخوان المسلمين». وقال ديرشويتز: «بينما رفضت المملكة العربية السعودية السماح لفريق الشطرنج الإسرائيلي بالدخول إلى أراضيها للمشاركة في بطولة العالم للشطرنج، فإن قطر تسمح للرياضيين الإسرائيليين بالمشاركة في المسابقات الدولية التي تقام في الدوحة منذ سنوات»، مضيفاً: «لقد جعلوني أفهم أنّ السعوديين ليسوا بالضرورة الجانب الجيد في نزاعهم مع قطر». وبيّنت «هآرتس» أن زيارة ديرشويتز للدوحة ليست حدثاً منعزلاً، بل كانت جزءاً من جهود العلاقات العامة الواسعة التي بذلتها قطر، والتي بدأت قبل بضعة أشهر من الزيارة، وهدفت إلى تغيير صورة الإمارة الخليجية في نظر صناع القرار في واشنطن. في الحملة أيضاً، استأجرت قطر خدمات نيك موزين، المستشار الإعلامي اليهودي «الحريدي»، الذي عمل متحدثاً باسم السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي يعتبر متطرفاً يمينياً في الحزب. ومقابل مخصّص شهري يبلغ 50000 دولار، فتح موزين الأبواب أمام القطريين لدى المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، ولدى وسائل الإعلام الأميركية المحافظة. وفي الأسبوع نفسه الذي شهد زيارة ديرشوفيتز المدفوعة إلى الدوحة، استضاف القطريون عدة شخصيات أميركية مناصِرة لإسرائيل، على رأسها حاكم أركنساس السابق مايك هاكابي، والد المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة هاكابي ساندرز.

طمأنت الدوحة واشنطن إلى أن أنشطتها مُنسّقة مع تل أبيب


في محادثة مع «هآرتس»، قال ديرشويتز إنه لم يتوصل إلى «استنتاجات واضحة بأن القطريين رفضوا اتهامهم بأنهم يدعمون حماس، لكنهم قالوا إن استثماراتهم في إصلاح البنية التحتية في قطاع غزة يجري تنسيقها مع إسرائيل، وهم يثيرون قضية المواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة وجثتَي الجنديين هدار غولدين وأورون شاؤول»، مضيفاً أنهم «كانوا يحاولون المساعدة في هذا الأمر». وذهب ديرشويتز إلى حدّ تشبيه قطر بأنها «إسرائيل الخليج... هي دولة محاطة بالأعداء تتعرض للمقاطعة، وتكافح من أجل البقاء». وأشار إلى أنه، خلال زيارته الدوحة، سمع من كبار المسؤولين في الإمارة «تصريحات إيجابية» تجاه إسرائيل، من أجل تحسين العلاقات معها.
هكذا إذاً، شكلت إسرائيل محور الجهود التي بذلتها المفاتيح المستأجرة؛ إذ كلما كان الدليل أقوى على أن قطر لا تتجاوز المصالح الإسرائيلية، كانت الحملة ناجحة والرضى الأميركي محصّلاً. لكن القطريين لم يعتمدوا، في جهودهم داخل الولايات المتحدة، على تلك المفاتيح فقط، بل كانت لهم مساعيهم الذاتية أيضاً، التي لم تبتعد هي الأخرى عن المحور الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، ذكرت «هآرتس» أن الوزير القطري المكلّف ملف قطاع غزة، محمد العمادي، زار واشنطن، حيث التقى أعضاءً في الكونغرس وكبار المسؤولين في مختلف معاهد الأبحاث، وأكد لهم أن قطر لا تتجاوز إسرائيل، وأن أنشطتها تجاه الفلسطينيين تأتي بالتنسيق مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية المهتمة بإعادة بناء القطاع وفقاً لتشخيصها مكامن مصلحة تل أبيب. وشدد على أن هناك رقابة صارمة تمنع «حماس» من استخدام المساعدات القطرية في أنشطة «إرهابية».
من هنا، يتضح واحد من أهم دوافع الإغداق المالي الخليجي على الساحة الفلسطينية. إذ إن أموال الدوحة هي غبّ الطلب الإسرائيلي لمنع الانفجار الفلسطيني في وجه الاحتلال، سواء في الضفة الغربية في ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، أو في قطاع غزة حيث الهدف تليين موقف «حماس» والفصائل المتماهية معها. وعلى هذه الخلفية، يأتي الرضى الإسرائيلي عن أداء قطر، إلى حدّ خرجت معه وسائل إعلام عبرية (كـ«إسرائيل اليوم» في 25/12/2018) لتكرّر لازمة: «شكراً قطر». وهو ما أعقب توجّه سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، رون ديرمر، بالشكر إلى الدول التي ساعدت في استقرار الوضع في غزة، وخصوصاً إمارة قطر.