خطوة جديدة في سياق تزخيم الأجواء الغربية المناوئة للرياض، قادتها هذه المرة جماعة ضغط متمثلة بمنظمة بريطانية غير حكومية، استطاعت انتزاع قرار قضائي قضى بتعليق منح تراخيص جديدة لتصدير الأسلحة إلى السعودية، في موازاة مواصلة مجلس الشيوخ الأميركي مساعيه لعرقلة بيع عتاد بمليارات الدولارات للمملكة، والتي يُتوقّع أن تصطدم، مجدداً، بفيتو رئاسي، لا يبدو احتمال إبطاله في الكونغرس ممكناً. وبدا لافتاً تزامن الخطوتين البريطانية والأميركية مع صدور تقرير مقررة الأمم المتحدة، أغنيس كالامارد، الذي خلص إلى أن جريمة اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، كانت متعمدة ومدبرة، ما سيفتح الباب واسعاً أمام حملة عالمية متجددة ضد الرياض.

وأعلنت الحكومة البريطانية، مُرغمةً، أول من أمس، تعليق إصدار تصاريح جديدة لبيع السعودية أسلحة قد تستخدم في حربها ضدّ اليمن، التزاماً بقرار محكمة الاستئناف القاضي بـ«إعادة النظر» في ممارسات الحكومة في هذا الشأن، لعواقبها على المستوى الإنساني. لكنّها أكدت في المقابل أنها ستطعن به، لما له من تداعيات على صناعة الدفاع المحلية، وخصوصاً أن المملكة تُعدّ أكبر مشتر للأسلحة البريطانية، بواقع 43 في المئة من إجمالي مبيعاتها العسكرية خلال العقد الماضي. أما سعودياً، فقوبل القرار بالتلويح بـ«الخطر الإيراني»، إذ قال وزير الدولة للشؤون الخارجية، عادل الجبير، إن «التحالف حليف للغرب، ويخوض حرباً مشروعة تلبيةً لرغبة حكومة شرعية لمنع إيران ووكلائها من السيطرة على دولة مهمة استراتيجياً، لذا فإن المستفيد الوحيد من وقف إمدادات الأسلحة للتحالف سيكون إيران»، فيما وصفت منظمة «الحملة ضد تجارة السلاح» التي قادت التحرك القانوني ضد الحكومة البريطانية، القرار بـ«التاريخي».

أكدت الحكومة البريطانية أنها ستطعن بقرار محكمة الاستئناف


من جهته، اعتبر زعيم حزب العمال البريطاني، جيريمي كوربن، أن الوزراء تجاهلوا عمداً الأدلة على أن السعودية تنتهك القانون الإنساني الدولي في اليمن، واصفاً «ما تقدمه المملكة المتحدة للحرب ضد اليمن من مشورة ومساعدة وإمدادات سلاح»، بأنه «وصمة أخلاقية على جبين بلادنا»، داعياً إلى «وقف مبيعات السلاح للسعودية الآن». ولدى النطق بالحكم، قال رئيس الدائرة المدنية في المحكمة، القاضي تيرانس اثرتون، إن «محكمة الاستئناف خلصت إلى اعتبار أن عملية اتخاذ القرار التي قامت بها الحكومة كانت معيبة من الناحية القانونية في جانب مهم»، مضيفاً إن الحكومة «لم تقيّم ما إذا كان التحالف بقيادة السعوديين قد انتهك القانون الدولي الإنساني في السابق، أثناء النزاع في اليمن، ولم تقم بأيّ محاولة من أجل ذلك»، داعياً إياها إلى إعادة النظر في ممارساتها، و«إجراء التقييمات اللازمة في شأن الوقائع السابقة التي تثير القلق»، مع إشارته إلى أن الحكم لا يعني أن «تراخيص تصدير الأسلحة إلى السعودية» يجب أن «تُعلّق فوراً».
في واشنطن أيضاً، تتواصل الحملة التي يقودها الكونغرس ضد الرياض. إذ صوّت مجلس الشيوخ لمصلحة عرقلة مبيعات أسلحة بمليارات الدولارات إلى السعودية والإمارات ودول أخرى ــــ يُتوقّع إمرارها بسهولة في مجلس النواب ــــ، رافضاً بذلك قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تفادي مراجعة الكونغرس في مثل هذه الصفقات، بعد إعلان حالة طوارئ في شأن إيران. لكن ترامب، الذي كان قد تعهّد بنقض تحرك مجلس الشيوخ والمضيّ قدماً في تلك الصفقات التي تناهز قيمتها 8.1 مليارات دولار، يبدو أكثر إصراراً على خطوته في ظلّ التوتر الإقليمي، في حين سيكون إبطال الفيتو الرئاسي الذي سيحتاج إلى 67 صوتاً، مستحيلاً. وقال مؤيدو مشاريع القرارات الرافضة لقرار ترامب، بقيادة الديموقراطي بوب منينديز والجمهوري ليندزي غراهام، إنهم بعثوا برسالة إلى السعودية مفادها أن واشنطن مستاءة من انتهاكات حقوق الإنسان، ومنها مقتل خاشقجي. وفي معرض إبداء معارضته مشاريع القرارات الرافضة لمبيعات الأسلحة للسعودية، أشار زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إلى التوتر مع إيران، معتبراً أنه «لا يمكن أن يكون التوقيت أسوأ من هذا بالنسبة إلى مجلس الشيوخ كي يبعث بالإشارة الخطأ».