«الحاكم العربي الأقوى ليس محمد بن سلمان. إنه محمد بن زايد»، العنوان لصحيفة «ذي نيويورك تايمز» الأميركية، التي أفردت تقريراً كبيراً ومتكاملاً عن كيفية بناء ابن زايد لنفوذه المتعاظم في المنطقة ومدى قوّته في واشنطن، إلى حدّ أنها قالت إنه «الآن يحمل أجندة حرب خاصة به. ويبدو أن الرئيس ترامب يتبعه».

أمير أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات، هو «أقوى زعيم في العالم العربي»، على حدّ تعبير الصحيفة، وهو أيضاً «من بين أقوى الأصوات الأجنبية النافذة في واشنطن، التي تدعو الولايات المتحدة إلى تبنّي نهج قتالي بنحو متزايد في المنطقة». الأمر لا يتعلّق بالنفوذ السياسي فقط، فهذا الأمير «قد يكون الرجل الأغنى في العالم»، ذلك أنه «يدير صناديق الثروة السيادية التي تصل إلى 1.3 تريليون دولار... كما أن جيشه هو أقوى قوة في العالم العربي».
تشرح الصحيفة أن ابن زايد «كان على مدى عقود حليفاً أميركياً رئيسياً يتبع القيادة الأميركية، ولكنه الآن يسير في طريقه الخاص». وإذ تشير إلى أن «قواته الخاصة تعمل في اليمن، وليبيا، والصومال، وشمال سيناء في مصر»، فهي تضيف أنه «عمل على إحباط التحوّلات الديموقراطية في الشرق الأوسط، والمساعدة على تنصيب مستبدّ يمكن الوثوق به في مصر، كما عزّز وصول أحد حلفائه إلى السلطة في السعودية». أما «الديبلوماسيون الغربيون الذي يعرفون الأمير، فيقولون إنه مهووس بعدوين، هما إيران والإخوان المسلمين»، إلى حدّ أن الصحيفة تشير إلى أنه «غالباً ما أخبر المسؤولين الأميركيين بأنه ينظر إلى إسرائيل على أنها حليف في وجه إيران والإخوان المسلمين».
وفق «نيويورك تايمز»، بات نفوذ ابن زايد أعظم من أي وقت مضى، في ظل إدارة ترامب، الذي «يتبّنى بنحو منتظم رؤاه بشأن قطر، وليبيا والسعودية، حتّى وإن كان ذلك يعني تخطّي نصيحة مسؤولي الإدارة أو الموظفين الكبار في مجلس الأمن القومي».
في الشرق الأوسط عموماً، قام الأمير محمد بن زايد بما هو أكثر من مجرد الكلام. في مصر، دعم الاستيلاء العسكري على السلطة عام 2013، الأمر الذي أدى إلى إزاحة رئيس منتخب كان قائداً لـ«الإخوان المسلمين». أما في القرن الأفريقي، فقد نشر قوة في الصومال، أولاً من أجل محاربة القرصنة وبعدها من أجل محاربة المتطرّفين. ثمّ ذهب إلى بناء موانئ تجارية أو قواعد بحرية حول خليج عدن. وفي ليبيا، تحدّى مناشدات أميركية وحظراً مفروضاً من قبل الأمم المتحدة من خلال تسليح قوات الميليشيا التابعة لخليفة حفتر. الطيارون الإماراتيون شنّوا غارات على طرابلس، وفي النهاية أنشأوا قاعدة جوية في شرق ليبيا. في السابق، كان الأمير ينتظر «الضوء الأخضر» من واشنطن، وفق ما تقول السفيرة الأميركية السابقة في الإمارات مارسيل وهبة. إلا أنها تضيف أنه الآن قد يرسل تنويهاً، ولكنه «لا يطلب الموافقة بعد الآن».
على طول التقرير، تلجأ الصحيفة إلى محاولة توصيف ابن زايد. وتقول إن «الأمير الشاب الغامض، الذي تبنّته واشنطن كحليف قوي، يعمل الآن على تأجيج نيران منطقته المضطربة». وفي السياق، تنقل عن المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية، تامارا كوفمان، التي تعمل الآن في معهد «بروكينغز»، قوله: إنه «من خلال تسليح الإمارات بتقنيات مراقبة متقدمة، والقوات الخاصة والأسلحة، خلقنا فرنكشتاين صغير». أما بروس ريدل، الباحث في معهد «بروكينغز»، والمسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فيقول إن ابن زايد «يظن بأنه ميكيافيلي، ولكنه يتصرّف أكثر كموسوليني».

يحمل ابن زايد الآن أجندة حرب خاصة به ويبدو أن الرئيس ترامب يتبعه


وانطلاقاً من هذين التوصيفين، تشرح الصحيفة أن ابن زايد «وظّف عسكريين أميركيين لقيادة جيشه، كذلك وظّف جواسيس سابقين من أجل إنشاء خدمات تجسّس». هو أيضاً حصل على أسلحة، في السنوات الأربع التي سبقت عام 2010، أكثر من الدول الخليجية الأخرى مجتمعة، من ضمنها 80 طائرة «اف ـ 16»، و30 مروحية «أباتشي» قتالية، و62 طائرة «ميراج» فرنسية. وقد وثقت به إسرائيل بما يكفي كي تبيعه برامج متطوّرة لطائرات الـ«أف 16»، وأيضاً برامج تجسّس متقدمة للهاتف المحمول.
«محمد بن زايد يملك طريقة استثنائية لإخبار الأميركيين عن مصالحه الخاصة، من خلال تحويلها إلى نصيحة جيدة بشأن المنطقة»، يقول بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما، الذي أثار تعاطفه مع «الربيع العربي» ومفاوضاته مع إيران انتقادات من قبل الأمير الإماراتي. عندما يتعلق الأمر بالنفوذ في واشنطن، فإن «محمد بن زايد يدخل في فئة وحده»، يضيف رودس.
ولكن إشكالية كبيرة كانت تحكم العلاقة بين أوباما وابن زايد. وبحسب «نيويورك تايمز»، فقد كانت العلاقة جيدة مع أوباما في بداية عهده، عام 2009. ولكن «الربيع العربي» أحدث انفصالاً بينهما. فاز «الإخوان المسلمون» بالانتخابات. وبدا أن أوباما يتبنى «المطالبات بالديموقراطية»، ليتبيّن، بعدها، أن إدارة أوباما كانت تجري محادثات سرية مع إيران. «لم يشعروا (الإماراتيون) بأنه جرى تجاهلهم ــ شعروا بأنه جرت خيانتهم من قبل إدارة أوباما، وأعتقد بأن الأمير محمد شعر بالأمر بنحو خاص وشخصي»، يقول ستيفن هادلي، مستشار للأمن القومي خلال عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن.
بناءً عليه، توضح الصحيفة أن «محمد بن زايد عمل بجد قبل الانتخابات الرئاسية من أجل اختراق الدائرة المقرّبة من ترامب، كما تمكّن من الحصول على اجتماع سرّي خلال المرحلة الانتقالية مع صهر الرئيس، جارد كوشنر. أيضاً، حاول الأمير التوسّط في محادثات بين إدارة ترامب وروسيا، في مناورة أدخلته لاحقاً في التحقيق الذي أجراه المحقق الخاص في التدخل الأجنبي في الانتخابات».
وفي السياق، تفيد بأنه «على الرغم من الاختلافات الحادة، بقي محمد بن زايد ودوداً مع أوباما». لذا، عندما طلب الأمير لقاءً أخيراً، كصديق، وافق أوباما على غداء في البيت الأبيض في كانون الأول 2016. ولكن محمد بن زايد تراجع من دون شرح السبب. ولكن يبدو أن الأمر لم يبقَ سراً، فقد ذهب بدلاً من ذلك إلى نيويورك لإجراء أول لقاء وجهاً لوجه مع كوشنر وغيره من مستشاري الرئيس المنتخب. كان من المفترض أن تكون الرحلة سرية، ولكن وكالات الاستخبارات علمت بمجيء الأمير. في النهاية، «كان بن زايد يعمل بالفعل على تغيير سياسات الإدارة، من خلال التحدث مع مستشاري ترامب عن مخاطر إيران وعن محادثات السلام الفلسطينية»، وفقاً لشخصين مطّلعين على الاجتماعات.
ولكن على مدى العامين الماضيين، بقي ابن زايد بعيداً عن واشنطن، بعدما كان زائراً منتظماً للولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود. أما السبب وراء ذلك، فهو «لأنه كان يخاف من أن يسعى المدّعون العامّون إلى مساءلته أو مساءلة مساعديه»، بشأن العلاقة والوساطة مع روسيا، وفقاً لأشخاص مطّلعين على الأمر.