غادر نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن العراق أمس، مخلّفاً مجموعة طلبات أبلغته السلطات العراقية أنها ستدرسها في خلال الأيام المقبلة. تريد واشنطن اتفاقاً مع بغداد يقدم لها الأجواء العراقية مكافأة لها على تدمير بلاد الرافدين، دولة وشعباً، خلال السنوات التسع الماضية، وزيادة عدد المدربين الأميركيين في العراق من 800 متفق عليهم إلى 1800 مع حصانة قانونية لهم، إضافة إلى ثلاثة آلاف جندي لحماية البعثات الأميركية، مع التغيير في التموضع الإقليمي لعاصمة الرشيد، وإذن بإخراج اللبناني موسى دقدوق من معتقله الحالي في مبنى السفارة الأميركية في بغداد إلى معتقل آخر على الأراضي الأميركية.


مصادر عراقية وثيقة الاطلاع على تفاصيل الزيارة تقول إن «بايدن جاء إلى بغداد حاملاً معه جدول أعمال من تسع نقاط، يتقدمها التعاون العسكري والأمني مع العراق خلال مرحلة ما بعد الانسحاب». وتضيف أن «اتفاقاً كان قد حصل في وقت سابق بين الجانبين الأميركي والعراقي على أن يبقى بعد الانسحاب 800 مدرب عسكري أميركي بلا حصانة، على أن يقيموا في قواعد خاصة بالجيش العراقي، وعلى أن يجري تطعيمهم بمدربين من الدول الأوروبية وروسيا وأوكرانيا، في خطوة تستهدف عدم احتكار الولايات المتحدة سوق التدريب في العراق»، وتوضح أن «بايدن حمل معه طلباً برفع عدد المدربين الأميركيين إلى 1800 مع إعطائهم الحصانة، يضاف إليهم ثلاثة آلاف جندي لحماية المدربين والبعثات الدبلوماسية، ولكن من دون حصانة».
وتفيد المعلومات الواردة من بغداد بأن واشنطن تعتزم إبقاء 17 ألف موظف مدني في العراق للخدمة في السفارة، و18 قنصلية تعتزم واشنطن فتحها في جميع المحافظات العراقية (هناك أصلاً قنصليتان في أربيل والبصرة)، ولا يزال هناك اليوم 13800 جندي أميركي في العراق، وسبع قواعد عسكرية يجب تسليمها للعراقيين قبيل نهاية العام.
وتكشف المصادر السالفة الذكر عن أن «النقطة الثانية على جدول أعمال بايدن أكثر خطورة من الأولى. لقد طالب بأن تسلم الحكومة العراقية الأجواء العراقية إلى الولايات المتحدة بذريعة حمايتها، في ظل غياب سلاح جوّ عراقي قادر على أداء هذه المهمة»، مشيرة إلى أن «باقي النقاط عادية، تأتي في إطار تفعيل المعاهدة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين في 2008 والتي تشمل التعاون في المجالات السياسية والدبلوماسية، وفي المحافل الدولية، وفي مجالات التعليم والتبادل الثقافي والخدمات والتكنولوجيا والبيئة والنقل والتجارة والمال والطاقة، وفي مجال القضاء وتطبيق القانون».
ومعروف أن المالكي سيتوجه في 12 كانون الأول الجاري إلى واشنطن، في زيارة مقررة سلفاً للقاء الرئيس باراك أوباما، ويفترض أن يحمل خلالها جواباً نهائياً على طلبات بايدن.
وتفيد أوساط القيادة العراقية بأن حكومة المالكي تعكف على دراسة طلبي واشنطن بشأن القوات والأجواء، مرجّحة رفضهما، خاصة البند المتعلق بحماية الأجواء، لكونه يمثّل «خطراً على كل من العراق وسوريا وإيران». وتضيف أن «واشنطن تشعر بأن العراقيين قد تنكّروا لها بعدما أزاحت نظام صدام حسين عن كاهلهم ودفعت ما دفعت من أموال وأرواح في العراق، وفي النهاية ها هي تخرج من العراق بلا شيء، لا تمديد ولا حصانة»، مشيرة إلى أن الأميركيين «يشعرون بإهانة كبيرة، ويريدون تحقيق بعض المكتسبات لحفظ ماء الوجه، لأنهم يعلمون أن ظهورهم بمظهر المطرودين من العراق سيؤثر على عملهم في أكثر من ملف، وخاصة سوريا وإيران، ويضرّ بحلفائهم في المنطقة». وأكدت الأوساط نفسها أن «الساحة العراقية منقسمة حول المطالب الأميركية. الأكراد يقبلون بأي شيء يبقي للأميركيين نفوذاً في العراق، لأنهم يعلمون أن الحظوة التي تمتعوا بها خلال الاحتلال ستنعكس سلباً بعد انسحابه. أما الكتل السنيّة فهي تضمر قبولاً وتعلن مواقف ضبابية. وحده التحالف الوطني من يرفض رفضاً مطلقاً هذه الطلبات».
وتناولت محادثات بايدن، التي شملت إلى المالكي كلاً من الرئيس جلال الطالباني ورئيس البرلمان أسامة النجيفي في حضور قائد القوات الاميركية في العراق الجنرال لويد اوستن والسفير الاميركي جيمس جيفري ومساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان، الوضع الأمني الداخلي وشؤون المنطقة، وعلى وجه الخصوص الأزمة في سوريا.
وتفيد المعلومات بأن «بايدن مارس ضغوطاً على المالكي في محاولة لدفعه إلى تغيير بغداد لموقفها من نظام (الرئيس بشار) الأسد، والذي تراه واشنطن محابياً لدمشق، مشدداً على ضرورة أن يتخذ العراق موقفاً متماشياً مع الإجماع العربي ومنسجماً مع الجامعة العربية ومقرراتها». وتضيف أن «المالكي رفض بشدة تغيير الموقف، مؤكداً لبايدن أنه لا يفعل ذلك حبّاً بسوريا ولا بالأسد، بل حباً بالعراق». وأوضح المالكي، بحسب المعلومات نفسها، «نحن متأكدون من أن النظام البديل الذي سيقوم على أنقاض نظام الأسد سيكون سلفياً تكفيرياً، الدافعون باتجاهه هم المسؤولون عن قتل العراقيين في مسلسل التفجيرات الإرهابية التي تجتاح العراق منذ 2003»، وتضيف أن «هذا الملف محسوم في العراق. التحالف الوطني اتخذ قراراً حاسماً بدعم الرئيس الأسد. الكتلة الكردستانية منسجمة مع هذا الموقف. أما الكتل المنبثقة عن الكتلة العراقية، فهناك اختلاف في ما بينها، وإن كانت غالبيتها مع الحراك المناهض لدمشق»، مشيرة إلى أن «سوريا هي رئة العراق، ومنفذه إلى البحر الأبيض المتوسط، وأي عقوبات تُفرض على دمشق، لا شك في أن صداها سيتردد في بغداد».
وبدا واضحاً أن بايدن حرص، قبل مغادرته للعراق، على المرور بأربيل، في محاولة لطمأنة الأكراد إلى استمرار الالتزام الأميركي حيالهم. والتقى بايدن في عاصمة كردستان برئيسها مسعود البرزاني الذي لوّح أول من أمس بورقة كركوك والمخاوف من اندلاع اضطرابات فيها، عارضاً على حكومة بغداد التعاون لتجنّب حدوث أي فراغ أمني.
وجاء بايدن إلى العراق متسلحاً بعودة التفجيرات الدامية إلى الساحة العراقية، وبما يشبه «التمرد السياسي» في المحافظات السنية، وخاصة صلاح الدين، التي تطالب منذ أسابيع بتأليف أقاليم على غرار الوضع القائم في كردستان. ومعروف أن بايدن هو صاحب خطة تقسيم العراق إلى دويلات ثلاث شيعية وسنية وكردية. وترى مصادر متابعة لحركة المحافظات السنية تلك أنها تستهدف في الدرجة الأولى «إيجاد حاجز ديموغرافي له نوع من الكيان القانوني للفصل بين سوريا وإيران في أعقاب الانسحاب الأميركي من العراق، واستعداد لسيناريو تفكّك سوريا، ما يسمح بضمّ هذه المحافظات إلى دويلة سنية ستخرج من تحت أنقاض سوريا». وتضيف هذه المصادر أن «أكثر الأطراف تحمّساً وتحريضاً لهذه المحافظات ليست سوى تركيا والسعودية التي دفعت 25 مليون دولار، عبر رجل الأعمال العراقي خميس خنجر، إلى مجلس محافظة صلاح الدين وحدها لإطلاق هذا الحراك»، مشيرة إلى «عدم وجود زعامة سنيّة قادرة على فرض نفسها على مستوى العراق، ما يدفع القادة السنّة إلى المزايدة بعضهم على بعض بانتمائهم المذهبي من أجل زيادة شعبيتهم».
دقدوق في السفارة الأميركية
وكان لافتاً أيضاً تقدم بايدن إلى رئيس الوزراء نوري المالكي بطلب للسماح بنقل الأسير اللبناني لدى قوات الاحتلال الأميركي، المتهم بانتمائه إلى حزب الله علي موسى دقدوق، إلى الولايات المتحدة قبل آخر العام الجاري. وتفيد المعلومات الواردة من بغداد بأن المالكي رفض هذا الطلب، معلناً تمسّكه بتسليم دقدوق إلى السلطات العراقية من أجل محاكمته في العراق وأمام محاكم عراقية.
وتقول مصادر معنية مباشرة بهذا الملف إن حركة الاتصالات قد تكثفت على أكثر من صعيد «للحؤول دون ارتكاب الأميركيين لحماقة كهذه». وتتخوف جهات إقليمية نافذة من «تهور الأميركيين» وإخراج دقدوق من العراق، ما «سيؤدي إلى تغيير في الحسابات لن يكون لمصلحة واشنطن».
وكان رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي قد أعلن أن السلطات العراقية تدرس طلب الولايات المتحدة أن تبقي واشنطن دقدوق في عهدتها، وحسم هذه المسألة قبل نهاية العام. تصريح يتوّج حديث تبادله المشرّعون الأميركيون خلال الأسابيع الماضية بشأن خشيتهم من أن يعجز العراق عن الاستمرار طويلاً باعتقاله، محذرين من أن المحاكم العراقية قد لا تستطيع إدانته. وتركت إدارة باراك أوباما الباب مفتوحاً أمام إمكان إحضاره إلى منشأة أميركية للمحاكمة أمام لجنة عسكرية أو في محكمة مدنية.
وكانت قوات الاحتلال الأميركية قد سلّمت السلطات العراقية جميع المعتقلين الذين كانت تحتجزهم في معتقلاتها في العراق، باستثناء دقدوق الذي تفيد المعلومات بأنه جرى نقله إلى السفارة الأميركية في عاصمة الرشيد.




احتفال بنهاية «حرب العراق»


احتفل جوزف بايدن ومعه نوري المالكي، أمس، بانتهاء «حرب العراق»، وذلك خلال احتفالية لمناسبة الانسحاب الأميركي تحت عنوان «يوم الوفاء» أقيمت في قصر الفاو. وقال بايدن للقوات الأميركية والعراقية، بحضور الرئيس جلال طالباني والسفير جيمس جيفري والجنرال لويد أوستن ودبلوماسيين، «كل واحد منكم يجلس أمامي اليوم أسهم في وضع أساس لشراكة استراتيجية طويلة الأمد بين بلدينا». أما المالكي فقال «نمد أيدينا إلى جميع الدول الشقيقة والصديقة، وخصوصاً دول الجوار، وندعوها إلى إقامة أفضل العلاقات على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل، وحل المشاكل العالقة بالحوار والطرق السلمية، وتعزيز أواصر التعاون في جميع المجالات التي تخدم المصالح المشتركة للجميع».
(أ ف ب)