دمشق | توقظ قرقعة قوارير الغاز عند الثامنة صباحاً من بقي نائماً في الحيّ. خلف الشاحنة الصغيرة التي توزع القوارير، يصطف أكثر من ثلاثين رجلاً. البعض يحمل القارورة الفارغة على كتفه، البعض يعانقها كأنها ابنه والبعض يجرّها مع قدميه. معظمهم اصطحب زوجته عساها تقنع الموزع بإعطائهما قارورتين بدل واحدة فقط. تقتصر النتائج الظاهرة للعقوبات الاقتصادية العربية والأجنبية بحق الدولة السورية، شعباً ونظاماً، على هذا المشهد حتى الآن، فيما يتحدث بعض الشبان عن انقطاع مادة أساسية من السوق هي المتّة.


الخبراء الاقتصاديون السوريون يجمعون على أن أثر العقوبات المختلفة على الاقتصاد السوريّ لن تكون كارثية، كما يتخيل البعض، نظراً إلى ارتباط الميزان التجاري السوري بشكل أساسي بالعراق، الذي رفض فرض عقوبات تجويعية للشعب السوريّ. أكثر من 40% من الصادرات السورية في السنوات الخمس الماضية كانت تذهب إلى العراق. وسيرتفع حجم التصدير إلى العراق مرتين على الأقل، فيما تعدّ الدولة الإيرانية العدّة لاستقبال فائض الإنتاج السوريّ، وتعويض السوق السورية النقص في الواردات. في المعارضة السورية وبين مؤيديها من يصدق فعلاً أن العقوبات الاقتصادية ستهدّ حيل النظام السوري خلال شهرين فقط، فيسقط في الشهر الثالث. أما أنصار النظام وحلفاؤه فيؤكدون أن طريق انهيار الاقتصاد السوري يمر بانهيار الاقتصادين الإيراني والعراقي. الأكيد أن العقوبات الاقتصادية دفعت السلطة السورية إلى إعادة النظر في نهجها الاقتصادي خلال السنين العشر الماضية، فها هي تتحضر لدعم الزراعة والصناعة بدل السياحة والتجارة، الأمر الذي سيسهم في تصالح السلطة مع جزء كبير من الريف الذي أغضبه اهتمام السلطة في العقد الماضي بالمدن على حسابه.
على بعد خطوات من المشهد، ست نساء أرمنيات يسرن مع الروماتيزم ببطء نحو الكنيسة. «نصلي لسوريا». وقصدهن أنهن يصلين ليحمي الله النظام السوري. يمكن الديك في حال وجوده في دمشق أن يصيح قدر ما يشاء، لن تتنكر أكثرية مسيحيي سوريا للنظام. «مسيحيو سوريا»، «علويو سوريا»، «سنة سوريا»، «اسماعيليّو سوريا»، «شيعة سوريا»: انضمت سوريا أخيراً إلى القرية الكونية. تقيم غالبية الكنائس قداساً صباحياً وآخر مسائياً على نية حماية سوريا. يمكن البعض الاستمرار في الاستهزاء بهواجس الأقليات، هؤلاء النسوة لم يجدن من يخفف عنهن وطأة الهواجس: لا تأتي ديموقراطية الربيع العربي إلى الحكم، في أعينهن، بغير الإخوان المسلمين. «نصلي للنظام أن يتغداهم قبل أن يتعشونا»، تردد إحداهن وتكمل طريقها.
دمشق في «مسيرة تأييد» مستمرة. السيارات لا تكل، والفتيات الخارجات من الشبابيك ملوحات بالأعلام وصور «السيد الرئيس» لا يمللن. «شبيحة للأبد لعيونك يا أسد». «يا مندس ويا مندس، بدنا ندوسك يا مندس». بعد عدة ساعات، يصبح زائر المدينة كمشاهد «الجزيرة» بالمقلوب، يردد هتافات التأييد للنظام دون انتباه. هتاف «الجزيرة» المستمر منذ تسعة أشهر «بو حافظ، يلعن دينك بو حافظ» يصبح هنا «بو حافظ، ينصر دينك بو حافظ». الدين مرة أخرى. يقف اللبنانيّ ليحصي عدد المحجبات في هذه المجموعة النسائية أو تلك، ليقدر نسبة السنّة المشاركات ونسبة العلويات. ستفاجئه الأرقام. يحل الشباب محل الكهول في مقهى الروضة قبالة مجلس الشعب. بين النائب في مجلس الشعب والمشارك في مسيرة التأييد، يتوجب على النادل بناءً على أوامر المدير الاهتمام بالمتظاهر أولاً. يشرح أحد المسؤولين شبه المقيمين في هذا المقهى أن مسيرات التأييد تؤدي على أكمل وجه مهمتها بتعبئة أكثرية الرأي العام في المدن الأساسية تأييداً للنظام، وهي ترفع معنويات الأنصار من جهة، وتؤكد للمشككين من جهة أخرى أن النظام لا يزال قويّاً شعبياً، ناهيك بإظهارها من حيث الحجم أن عدد «المتظاهرين مع» أضعاف أضعاف «المتظاهرين ضد».
المدارس تفرغ بعض حمولتها في هذه المسيرات. والمؤسسات الرسمية والشركات الخاصة التي تدور في فلك النظام؟ صحيح دون شك، لكن المناخ العام لا يوحي بتظاهر المشاركين غصباً عنهم. على المتفلسفين ومحللي النفسيات زيارة هذه المسيرات، رؤية وجوه المشاركين فيها وسماع الفرح والحماسة في هتافاتهم وأحاديثهم. للنظام في سوريا مؤيدون. يمكن الإعلام وبعض المعارضين تسميتهم بالشبيحة أو المنتفعين أو الخائفين أو الشركاء في القتل أو غيرها. في النتيجة، يمثل هؤلاء حائط الدفاع الأول قبل الجيش والاستخبارات عن النظام. وبتحقيرها لهم، تدفش المعارضة هؤلاء للالتصاق بالنظام أكثر فأكثر، فيغدو سقوطه بمثابة هزيمة شخصية لكل من تظاهر تأييداً له.
قبيل خطاب الرئيس بشار الأسد في مجلس الشعب إثر بداية الأزمة في منطقة درعا، وعد كثيرون أن ينتقل الأسد بفعل الخطاب إلى مكانة شعبية كالتي بلغها يوماً الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. لم يؤد الخطاب ولو جزءاً من نتيجته المرجوة، لكن تسارع الأحداث وصمود النظام السوري وانكشاف المخططات الدولية الراغبة في إطاحة الأسد تحول جميعها الرئيس السوري إلى رمز مقاومة. كثيرون ممن كانوا يفدون إلى المسيرات، حاملين صور الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، ينزلون اليوم حاملين صور الأسد. هوذا رئيس يواجه المجتمع الدولي بصلابة. للتسوية أنصار، ولرفض التسوية أنصار أكثر.
على إحدى الطاولات في «عشتار»، تجلس كيندا وحبيبها. هي علوية، أما هو فتحتل عائلته المرتبة الثامنة في ترتيب العائلات الدمشقية داخل السور. بمرارة يلونها الاستهزاء، تروي كيندا عن طبقية هذا المجتمع، عن الفرق بين عائلات «جوّا السور» وعائلات «برّا السور». عن «ترقيم العائلات». وعن استحالة قبول عائلة دمشقية من داخل السور زواج ابنها من ابنة فلاح ليس له في السور مرقد عنزة. و«إن أردتم كب الزيت على النار، أكملوا الطلب وأخبروا العائلة أن العروسة علوية». لا لا! ليس في المجتمع السوري طائفية ولا عِقَد. هذه «كلها صنيعة النظام». يتذكر إميل كم كدّ في البحث عن «أعيان البلد» حين قرر صديقه الزواج بإحدى الدمشقيات، فاضطر إلى استئجار خدمات الأعيان حتى يظهر لعائلتها أهميته. تروي كيندا أن والدها جمعها وإخوتها وأنبأهم بأن التطورات تستوجب عودتهم جميعاً إلى الجبل. تردد بعصبية كلام والدها: «هنا أمان أكثر». ثمة من يراهن على تخلّي العلويين عن النظام السوري سعياً وراء تسوية تضمن حفاظهم على بعض المكتسبات الكثيرة التي حققوها في عهدي حافظ وبشار الأسد. يقول هؤلاء إن الطائفة قبل ثلاثين عاماً كانت مستعدة بسبب فقرها للقتال مع حافظ الأسد، أما اليوم فالطائفة غنية وفقدت حس الريف القتاليّ. لكن أحاديث كيندا وأصدقائها توحي غير ذلك. يصارح أحد الشبان الحاضرين: لو قرر الرئيس الأسد التنحي أو البحث عن تسوية، ستكمل طائفته من دونه معركة الدفاع عن مكتسباتها. التفاصيل كثيرة على هذا الصعيد، من عشق الشباب المستجد لماهر الأسد إلى تعاميم الثورة نفسها التي تعتبر كل علويّ شبيحاً. يشبه علويو سوريا في رفضهم التنازل عما يوصف بالمكتسبات، موارنة لبنان قبيل الحرب الأهلية. «ثمة نظام يلعب على هذا الوتر»؟ ربما. الأكيد أن ثمة معارضة لم تقدم على خطوة تهدئ هذا الوتر. لا أحد هنا يصدق أن النظام هو الذي يقتل العلويين دون غيرهم من ركاب الباصات في ضواحي حمص، ولا أحد يصدق أن النظام فصل طائفياً بين الجنود الذين أسروا في مدينتي حماه وجسر الشغور في بداية الأحداث للتنكيل بجثث العلويين والمسيحيين. مزح كيندا وأصدقائها عن خشيتهم من إعادتهم إلى حيث أتوا ـــــ الريف والجبل ـــــ فيه الكثير الكثير من الجد. فور دق الكوز العلوي بالجرة السنية، تخرج كل الجروح التي خلّفتها الاقتتالات الطائفية التي شهدتها سوريا، وهي، للتاريخ، أعنف من تلك التي شهدها لبنان. استحدثت التطورات السورية طرقاً فرعية تصل القرى العلوية بعضها ببعض دون المرور بالأحياء الحاضنة للمسلحين. اختصرت أماكن السهر في دمشق بحيين أو ثلاثة. ولم يعد بإمكان الشباب التنزه حتى ساعات الصباح الأولى في حارات الشام. ثمة مصطلحان سوريّان جديدان اسمهما: الخطف والقتل على الهوية. في الروايات المتناقلة والأخبار الموثوقة، تعيش سوريا حرباً أهلية.
تستكمل الأحاديث الطائفية في منزل دمشقي قديم. بعيداً عن رجال الدين والأعمال والساسة السنّة المنتفعين من النظام، للسلطة السورية أصدقاء نافذون جداً وأقوياء في الطائفة السنية ولا سيما في المدن الرئيسية، يسهمون في بقاء هذا النظام قوياً على المستوى السني. أهمهم دون شك، بحسب أحد الشبان الحاضرين هنا، القبيسيات اللواتي يمسكن بأغلبية المدارس في دمشق، وهن حاضرات بكثافة في منازل الشام. قربهن تماماً، يقف ـــــ في دمشق خصوصاً ـــــ الصوفيون الذين شرّع لهم النظام عام 2006 العمل بحرية في المساجد. ويشرح أحد الشبان أن الصوفيين الذين شهدوا الكوارث التي ألحقتها الثورات بهم، ولا سيما في ليبيا، يتصرفون اليوم كأنهم أمام معركة موت أو حياة. يعدد الحاضرون آخرين مثل الزيديين وجماعتي أبو النور وجودت سعيد، للوصول أخيراً إلى المؤسسة الدينية الرسمية التي تمسك بغالبية الجوامع وتتحكم بمضمون الخطب. يرد شرح إضافي من سيدة المنزل: «وجهاء الطائفة السنية والجمعيات المنظمة والفعالة هم دون شك من المؤيدين للنظام. أما المنادون بإسقاطه الذين يدغدغون بعض المشاعر الشعبية عبر المناداة بحكم الأكثرية السنية فيفتقدون غالباً التنظيم والمكانة الاجتماعية». وفي المجتمعات التقليدية، كالمجتمع الدمشقي مثلاً، لن يتردد الرجل بسؤالك، حين تطالبه بالانضمام إلى الثورة، عن جذورك العائلية ومكانتك الاجتماعية حتى تطالبه بالسير خلفك. مع كل خطوة في الشام، تفصيل إضافي يزيد الأمور تعقيداً. وحده النظام يعرف كيف يتحرك برشاقة، رغم كل ثقله، وسط هذه العقد ليقدم سلطة تراعي بالحد الأدنى مصالح كل هؤلاء فيسعون إلى حمايتها بدل الانقلاب عليها. لهذه السلطة الفضل أيضاً في إنشاء غالبية الجمعيات الدينية التي تلعب الدور الرئيسي والأكبر في التحركات التي تشهدها سوريا منذ تسعة أشهر. فالنظام، منذ الاحتلال الأميركي للعراق، شجع على إنشاء هذه الجمعيات وبارك تمويلها من السعودية وقطر والكويت، معتقداً أنها ستبقى أبداً تحت جناحيه. أخطأ هنا؟ يجيب البعض بنعم واثقة، فيما يقول آخرون إن هذه الجمعيات كانت ستتشكل بموافقة النظام أو بدونها، لكنه، بفضل علاقاته الحسنة سابقاً بمعظمها، يعرف من فيها، ما لهم وما عليهم.
في الخارج، هواء دمشق بارد، أمطارها ثقيلة. يكشف الشتاء فضائح البنية التحتية حتى في العاصمة. ليس بإمكان أحد الدفاع عن الفساد. نعم الفساد على مختلف المستويات. ولكن في الأحداث التي تشهدها سوريا اليوم، يصبح هذا الملف مجرد تفصيل.
سوريا تعيش حرباً أهلية صامتة، ثمة جيش نظامي ومنشقون عنه. ثمة شبّيحة ومسلحون. ثمة حكومة ومجلس انتقالي. وأنت تتحدث عن الإصلاح. يقول المسؤول الأمني عن إحدى بلدات ريف دمشق إنه يعلم أين يختبئ المسلحون الذين نكّلوا بجثة أحد المؤيدين للنظام بعد ذبحه، لكنه لن يدهم شقتهم لأن من شأن ذلك توتير البلدة كلها وتفجيرها في وجه النظام. سلطة تتنازل تحت الضغط إذاً عن دورها؟ مخاوف طائفية. سلاح. وتعبئة على مختلف المستويات. من يسمي جمعات التظاهر لم يفكر يوماً بالرغيف ولا بمواسم القمح ولا بالتوزيع العادل للثروات. قدري جميل وعلي حيدر وحسن عبد العظيم يفكرون بعناوين كهذه، ولكن ليس هؤلاء أصحاب قرار في الأزمة. باتت الأزمة في مكان آخر، بعيد جداً جداً جداً.
في الطريق إلى المنزل، تعاد في رأسي أحاديث يوم طويل وتعاد بعض المقالات. لم أسمع أو أقرأ اليوم شيئاً عن الإصلاح ولا عن التغيير. لم أرَ مشاريع اقتصاد بديل أو قوانين محاسبة. سمعت أحاديث طائفية. شاهدت مخاوف مذهبية. تفرجت اليوم على بعض أبطال سميرا ميس وعشرات المحررين من معتقلات الرأي السورية يغسلون أيديهم مما تبقى من الثورة، مرددين: نخشى على وطننا.
هناك اليوم كهرباء، الثواني القليلة في المصعد تكفي لاستنتاج خلاصة اليوم التالي: تجاوزت الأزمة السورية القدرة على معالجتها بإصلاح هنا وتغيير هناك، المعركة اليوم هي بين قوتين عسكريتين وأمنيّتين وإعلاميتين. انتهت مرحلة، لا بد أن يحسم أحد الطرفين النزاع قبل تفاقم الحرب الأهلية. ولاحقاً تطالبه بالإصلاح والعدل وغيرهما.




حوار «المسيرة»

ــ «صباح الخير، منقوشتين جبنة إذا بتعمل معروف».
ــ «تكرم عينيك، جايي تشارك بالمسيرة، مو؟».
ــ «تظاهرة، اليوم؟».
ــ «لأ، ضد الدولة اسمها تظاهرة، مع البلد اسمها مسيرة. اليوم مسيرة».
ــ «ضد الدولة أو ضد النظام؟».
ــ «يا حبيب، في نظام في دولة، ما في نظام ما في دولة».
ــ «ليه؟ الأنظمة بتجي وبتروح، الدولة بتبقى. ما كان في دولة قبل النظام؟».
ــ «صراحة، لأ. ما بعمرو كان في دولة، في أنظمة بتجي وبتروح معها الدولة. تفضّل مناقيشك».
خطوتان، ثلاث، أربع. هتاف: «يا حبيب». يقترب: «ممكن بطاقة الهوية؟». «لبناني!» و«تسأل عن مكان التظاهر؟».
ــ «لا والله، أسأل عن مكان المسيرة. أنا، باختصار، مع الدولة والبلد والنظام».
ــ «من وين بلبنان ومن أي طائفة؟».
ــ (...)
ــ «إذا هيك، أهلاً وسهلاً، اشتر علماً أو صورة، بتبعد الشبهات».