حتى اللحظة الأخيرة التي سبقت انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، عصر يوم الأربعاء الماضي، كان الشك هو السائد بشأن تقديم سوريا رداً إيجابياً على مبادرة الجامعة العربية. ورغم أن اللقاء الذي جمع أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بالوفد السوري في الدوحة برئاسة وزير الخارجية السوري وليد المعلم، مساء الاثنين الماضي، كان إيجابياً، حسب المصادر القطرية والسورية، بقي جوّ التفاؤل الحذر هو المخيّم في سماء الأزمة السورية.


وحين تسرّب نص الاتفاق بين سوريا والجامعة مساء الثلاثاء الماضي، وأذاعت وسائل الإعلام السورية مضمونه، فإن المراقبين ظلوا غير مصدقين، وما زاد في الريبة هو موقف جامعة الدول العربية التي أعلنت أنها لم تتلق جواباً سورياً حتى مساء ذلك اليوم، وقال أمينها العام نبيل العربي إنها تنتظر حتى يوم الغد موعد آخر مهلة أعطيت لسوريا لتقديم ردّها على الأفكار التي قدمتها الجامعة في اجتماعها بتاريخ 16 تشرين الأول، الذي أعطى دمشق مهلة أسبوعين تكللت بلقاء مع الرئيس بشار الأسد في العاصمة السورية يوم 26 من الشهر الماضي.
المفاجأة كانت حينما انفضّ اجتماع الجامعة العربية يوم الأربعاء الماضي على عجل، وبان الضوء الأبيض أسرع ممّا كان ينتظر، ومن دون أي خلاف أو تحفّظ من طرف سوريا، وخرج رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري الشيح حمد بن جاسم ليعلن نص الاتفاق بين الطرفين الذي صيغ في أربع نقاط: وقف كل أعمال العنف من أي مصدر كان حمايةً للمواطنين السوريين، الإفراج عن جميع المعتقلين بسبب الأحداث الراهنة، إخلاء المدن والأحياء السكنية من جميع المظاهر المسلحة وفتح المجال أمام منظمات جامعة الدول العربية المعنية ووسائل الإعلام العربية والدولية للتنقل بحرية في جميع أنحاء سوريا للاطلاع على حقيقة الأوضاع ورصد ما يدور فيها من أحداث.
وأكدت خطة العمل أنه مع إحراز التقدم الملموس في تنفيذ الحكومة السورية لتعهداتها، تباشر اللجنة الوزارية العربية القيام بإجراء الاتصالات والمشاورات اللازمة مع الحكومة السورية من أجل الإعداد لانعقاد مؤتمر حوار وطني، وذلك خلال فترة أسبوعين من تاريخه.
دبلوماسي عربي حضر اجتماع الجامعة قال إن النقاط المتضمنة في الورقة التي عرضتها الجامعة على دمشق هي حصيلة مباحثات اللجنة الوزارية العربية ونبيل العربي مع معارضين سوريين، وخصوصاً من المجلس الوطني السوري. وأشار المصدر إلى أن اللافت هو قبول السفير السوري في الجامعة يوسف الأحمد لبنود المبادرة من دون نقاش. ولم يتوقف سوى أمام نقطتين رئيستين كانت دمشق تريد تضمينهما في قرار الجامعة، تتعلق الأولى بوقف الحملات الإعلامية ضد سوريا. وأوضح المصدر أن المندوب السوري حاول في بداية الجلسة استمالة عدد من الدول العربية وتبرير ما تقوم به سوريا، متحدثاً عن أن الجيش السوري يدافع عن الشعب وليس عن النظام، ويدافع عن الشرعية وعن الأمة العربية. واتهم في كلمته قنوات عربية بعينها بأنها وراء اشتعال الموقف في سوريا، وحدّد قناتي الجزيرة والعربية بأنهما تهيّجان العالم العربي والغربي ضد الحكومة السورية، ولكن رئيس الجلسة الوزير القطري قاطعه بالقول إن هذه القنوات لها استقلاليتها ولا أحد يتدخل في عملها، وإنها تقوم بدورها الإعلامي وإن سوريا لديها قنوات حكومية تستطيع الرد. والنقطة الثانية هي مكان الحوار، حيث طالب السفير السوري بأن يكون في دمشق، ولكن الوزير القطري أصرّ على عقد الحوار في مقر الجامعة في القاهرة التي وصفها بأنها بيت العرب، مشيراً إلى أن هناك أطرافاً معارضة سورية ممنوعة من الدخول إلى سوريا.
قبول دمشق للمبادرة العربية بصدر رحب لفت اهتمام المراقبين كافة، وعدّه البعض نقلة نوعية لجهة المرونة والتوقيت في قبولها. وينقل دبلوماسي عربي أن السفير السوري الذي عرف طيلة الأزمة بنفسه القتالي والتصلّب في مواقفه داخل الجامعة، بدا لأول مرة هادئاً، ولم يتوقف كثيراً عند النقاط الخلافية، بل انه أدلى بآرائه من دون أن يسجل تحفظات على عكس مواقفه السابقة، وآخرها كان في 16 من الشهر الماضي حينما تحفّظ على تأليف اللجنة الوزارية العربية ورئاسة قطر لها. وفي ما يخصّ التوقيت، يرى مراقبون عرب وغربيون أن ذلك يحمل معنيين؛ الأول أن دمشق باتت تشعر بأنها بتصلبها حيال المبادرات العربية والدولية إنما هي سائرة في طريق عزل نفسها، ولذا قررت أن تغير من تكتيكها هذه المرة لكي تخرج الكرة من مرماها عن طريق التعاطي بإيجابية مع المبادرة العربية. ومن جهة أخرى إن ذلك يعطيها بعض الوقت لكي تعيد ترتيب أوراقها ومراجعة حساباتها، وهي تراهن هنا على تحميل من تسميهم العصابات الإرهابية مسؤولية استمرار الأحداث الأمنية، وفي غياب آلية لمراقبة الوضع الميداني يصعب على الجامعة تكذيب رواية الحكم.
والمعنى الثاني هو أن قبول النظام بالمبادرة العربية دليل ضعف، وذلك لعدة أسباب؛ الأول أن دمشق وافقت لأول مرة على أن تفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ومن ذلك القبول بـ«فتح المجال أمام منظمات الجامعة العربية المعنية ووسائل الإعلام العربية والدولية للتنقل بحرية في جميع أنحاء سوريا للاطلاع على حقيقة الأوضاع، ورصد ما يدور من أحداث». والسبب الثاني أن الأمر سيترجم في نظر الشارع نوعاً من التنازل أمام الانتفاضة، وبالتالي فإن كل خطوة تراجع من طرف الحكم سوف تقابلها خطوتا تقدم من طرف الشارع، على غرار ما حصل في تونس ومصر، ومن هنا فإن المبادرة قد تتحول إلى حصان طروادة لإسقاط النظام بطريقة ملتوية، بعد أن عجز الشارع عن ذلك بقواه الذاتية.
أما السبب الثالث فهو أن النظام قبِل بمبدأ الحوار مع المعارضة بكافة أطيافها، وهذه تعدّ واحدة من العقد الرئيسية في المسألة السورية. فإلى اليوم، لا يعترف الحكم السوري بوجود معارضة غير تلك التي تلتقي معه على تشخيص الوضع. أما القوى والشخصيات المنضوية في إطار المجلس الوطني وهيئة التنسيق، فهي إما مرفوضة أو غير مرحّب بها، وبعضها بات مصنّفاً في حساب قوى التدخل الخارجي والحماية الدولية. وأكثر مسألة تثير حساسية في هذا الملف هي نقطة مشاركة الإخوان المسلمين في الحوار. فهم من جهة قوة أساسية في المجلس الوطني، ومن جهة ثانية هم في خانة الأعداء وفق تصنيف الرئيس السوري بشار الأسد في حديثه إلى صحيفة «صنداي تلغراف» يوم 30 من الشهر الماضي، حين قال «منذ سنة 1950 حاربنا الإخوان المسلمين، وما زلنا نحاربهم».
مصدر عربي في دمشق فسّر قبول سوريا المبادرة بأنه جاء من أجل تلافي الذهاب إلى أحد خيارين، أحلاهما مر. الأول هو التدويل. وقال إن تغييراً حصل في الموقف الروسي لأول مرة منذ بداية الانتفاضة، تمثل في أن موسكو أبلغت دمشق في الآونة الأخيرة أنه لن يكون في وسعها ممارسة الفيتو إذا رفعت الجامعة العربية المسألة السورية إلى مجلس الأمن،بعد سحب السفراء من دمشق وتعليق عضوية سوريا في الجامعة. والخيار الثاني هو الانهيار الداخلي، إذ إن استمرار الحل الأمني في صيغته التي سار عليها بات مكلفاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وصار ينذر بتصدعات وشروخ في بنية الدولة وأجهزتها، ويهدد الوحدة الوطنية بعد تنامي الأحداث المذهبية في حمص وريف دمشق.
الأيام القليلة المقبلة ستكون مفصلية على صعيد القضية السورية، حيث لا تبدو في الأفق بوادر انفراج جدية يمكنها أن تضع مبادرة الجامعة العربية على طريق الحل. فبدلاً من التهدئة الأمنية، زاد النظام من تشدّده، وارتفعت وتيرة العنف، وخصوصاً في حمص التي قال المرصد السوري إن الصبغة المذهبية طغت عليها. ورغم قتامة الصورة، تنتظر الأوساط العربية والدولية من النظام السوري خطوات ملموسة تعبيراً عن جديّته في تطبيق الحل العربي، ومن ذلك الإفراج عن معتقلي الحراك الشعبي. وهنا تروّج أنباء غير مؤكدة عن قرب إخلاء سبيل عدة آلاف قبل حلول عيد الأضحى، وذلك كبادرة حسن نية من جانب الحكم السوري.
أوساط دبلوماسية غربية ترى أن الأزمة السورية أمام طريق مسدود في الوقت الراهن، ولا تكفي مهلة الأسبوعين لبدء حوار بين النظام ومعارضيه. وتقدّر هذه الأوساط أن التدخل العربي ربما كان أجدى لو أنه قلب المبادرة رأساً على عقب، وابتدأ بالحوار الذي يمكنه أن يكون طريقاً عملياً لاختبار نيّات الحكم والمعارضة معاً.




حمص: مصالحات طائفية

تنشط لجان أهلية لتطويق الأحداث المذهبية التي تشهدها حمص، وهي مؤلفة من شخصيات من كافة المذاهب، وشهد عملها صعوبات كبيرة خلال الشهرين الماضيين، ولكنها عادت إلى العمل بقوة خلال الأيام الأخيرة، على أثر تنامي موجة التصفيات الجسدية والخطف المتبادل. وتقول أوساط مطّلعة إن هذه اللجان تلقى ترحيباً واسعاً من قبل أهل المدينة، ولكنّ اتساع خريطة الفرز المذهبي تهدّد عملها. واللافت هنا أن أوساط المعارضة توجه الاتهام إلى النظام بالمسؤولية عن تسعير العنف المذهبي، رغم أن أنصار الإخوان المسلمين يروّجون لخطاب طائفي ومذهبي منذ بداية الحراك الشعبي، وتجلّى ذلك حتى في أسماء الجمعة، وآخرها «جمعة الله أكبر» التي اقترحها نشطاء الإخوان، ولقيت استياءً واسعاً في أوساط التنسيقيات.