تونس | بخلاف ما كانت تشير إليه التوقعات، شهدت صناديق اقتراع المجلس الوطني التأسيسي في تونس، أمس، إقبالاً كثيفاً منذ الساعات الأولى من الصباح، حيث وصلت طوابير الانتظار أمام مراكز الاقتراع إلى عدة أمتار على مستوى الشوارع الأساسية في العاصمة وباقي مدن البلاد. الحدث استثنائي على المستوى السياسي الوطني، و«التحديات المطروحة كبيرة جداً علينا كتونسيين». هكذا كان ردّ أحد رؤساء مراكز الاقتراع صباحاً في ضواحي تونس العاصمة، موضحاً أنّ ما لم يكن متوقعاً تحقق اليوم بعد ثورة 14 كانون الثاني الماضي. ويشرح وليد، وهو أستاذ جامعي عُيّن رئيساً لمكتب اقتراع، موقفه بأن التنظيم مُحكم وجميع الناخبين ممتثلون للقواعد المعمول بها في الاستحقاقات السياسية الانتخابية، ليتوقع في النهاية أن تكون الانتخابات «شفافة وعلى مستوى التحديات المنتظرة من الجميع».


استنتاجات وليد تقع ضمن توقعات منتظرة من المواطنين الذين أعربوا عن توقعات إيجابية من هذه الانتخابات التأسيسية، وهم الذين يتطلّعون في مجملهم إلى مجلس تأسيسي فسيفسائي تكون فيه التكتلات متوازنة، ما قد يبشر بولادة دستور معتدل يستطيع تحقيق متطلبات اللحظة ويضمن مجاراة الحيوية السياسية الموجودة حالياً في البلاد، وهي ضرورة قصوى بالنسبة إلى اللحظة الراهنة وإلى مستقبل البلاد على جميع الصعد، على حدّ تعبير سيف الله، وهو أحد المراقبين الشباب لانتخابات المجلس التأسيسي.
سيف، الذي لم يخفِ قلقه من أن تعيش تونس أزمة بعد إعلان النتائج، أكد في حديث مع «الأخبار» أن ما لاحظه في مكاتب الاقتراع يمكن وضعه في إطار «نموذجي» بالنسبة إلى دولة تشهد أول انتخابات تعددية منذ الاستقلال سنة 1956، ملخصاً رأيه بأن كل ناخب تمكّن من الاقتراع من دون تأثير على ميوله السياسية، واصفاً هذه العملية بأنها «عنوان الحرية».
تلك الحرية التي بحث عنها التونسيون كثيراً، «انفجرت على شكل خريطة سياسية مؤلفة من أكثر من 100 حزب تنافسوا في نطاق وطني وجهوي على مقاعد المجلس الوطني التأسيسي»، مثلما يشير محمد، وهو صحافي تونسي متخصص في الشؤون السياسية. ويرى محمد أن ذلك «الانفجار لن يخلّف لوناً سياسياً واحداً داخل المجلس، بل ألواناً سياسية مختلفة تلتقي لتشكل فسيفساء من أحزاب في مجلس تأسيسي تنعكس فيه الخطوط العريضة للمرحلة الانتقالية المقبلة. ولا يخفي محمد في هذا السياق خوفه من أن يسود لون واحد المجلس التأسيسي، فذلك سيدخل بنا في «نفق ظلام جديد، قد تسوده جهالة الجاهلين»، بحسب تعبيره.
تلك «المقاربة النقدية» التي يعتمدها محمد في قراءته للأحداث، كانت حاضرة في أذهان مواطنين آخرين، بعضهم أبدى امتعاضه صراحة من صعود التيار الإسلامي بأغلبية ساحقة في المجلس التأسيسي، وبعضهم الآخر يخشى من غلبة تكتلات سياسية على أخرى في المجلس المرتقب. تلك القراءات النقدية دخلت في حسابات التونسيين، حتى وإن لم يحدّدوا لحظة وصولهم إلى «خلوة الاقتراع» لمن يصوّتون، فيما البعض الآخر فضّل التشاور أمام باب مركز الاقتراع، وخاصة أنّ التونسي يفضّل الذهاب ضمن مجموعات في أي مناسبة سياسية أو دينية أو اجتماعية.
تلك «الخصوصيات الاجتماعية سيكون لها بالغ الأثر في النتائج النهائية». ذلك ما يستنتجه أشرف، وهو عامل في مقهى في العاصمة، حيث يشير إلى أنه، من خلال عمله في المقهى، قد لاحظ جيداً ذلك «التفرُّد في الطبع لدى التونسي». ويصف المشهد الذي يراه يومياً منذ أسبوعين بأنه عبارة عن «برلمان مصغّر»، لأنّ كل طاولة يجلس عليها ممثّلون عن حزب معيَّن يتدارسون موضوعاً محدَّداً من منطلق النظرة السياسية إلى ذلك الحزب إزاء ذلك الموضوع. ولعل تلك المعالجة السياسية للأحداث إحدى أبرز السمات الإيجابية التي جاءت بها ثورة 14 كانون الثاني، والتغييرات السياسية الراديكالية التي نتجت منها، إذ أحدثت تغييراً فكرياً كبيراً في تونس في ظرف زمني وجيز، بعد «التصحّر السياسي» الذي كانت عليه البلاد في فترتي الحكم السابقتين.
إحدى السيدات التي كانت تهمّ بالدخول إلى مركز الاقتراع قالت لـ «الأخبار» إن ما يحصل اليوم في تونس يعبّر عن «حالة صحية» بدأت تسود البلد، فـ«أنا بدأت أتنفس الديموقراطية الآن، وأنا خائفة من أن تكون هذه المناسبة هي الموعد الأخير مع الحرية». وأوضحت السيدة أنها تشعر بخوف من سيطرة حركة النهضة الإسلامية «ذات الخطابين المزدوجين» على المجلس، لذلك فإنها حسمت رأيها بالتصويت لحزب وسطي لا يحمل أجندة دينية أو إيديولوجية بقدر ما يحمل أهدافاً مدنية. وتشرح الناخبة موقفها بأن الخطابين المزدوجين لـ«النهضة» قد يطرحان فكرين متناقضين، وهو ما قد يسبب أزمة فكرية تنعكس على الميدان وعلى المواطنين، وقد تكون تلك نافذة تنظيرية لرجوع الديكتاتورية.
ورغم كل تلك التخوّفات، إلا أن حركة النهضة الإسلامية تدحض تلك التخوّفات، وتشير إلى أنها تخوّفات تنافي الواقع. ويطمئن الحزب إلى أن برنامجه لم يكن فيه أي دلالة دينية، ويؤكد أنه يطمح إلى ما سمّاه «إحلال الوسطية» في تونس، وضرب الأفكار المتطرفة والرجعية، على حدّ تعبير محمد علي، أحد المراقبين الانتخابيين المعتمدين عن الحركة. ويضيف قائلاً «نحن نحترم كل التوجهات، والتونسيون الذين خرجوا وضحّوا بدمائهم لا يمكنهم أن يتراجعوا في آخر المطاف عن الحرية والديموقراطية». محمد علي كانت له التوقعات نفسها في أن المجلس سيكون «فسيفسائياً ومتعدد التوجهات»، لافتاً إلى ضرورة اطمئنان التونسيين إزاء «النهضة».
كلام سياسي منمّق وجميل في محتواه، لكنه حمّال معانٍ كثيرة، قد تكون «تحديات مقاعد التأسيسي» هي التي تجعله فوق مشهد الأحداث، إلا أنه يمكن أن يظل قيد الكلام فحسب، وألا يجد طريقه إلى الواقع. فـ«النهضة» تعد بنموذج «العدالة والتنمية» في تركيا، رغم أن «تونس ليست تركيا»، ولا تحمل التحديات الجيوسياسية نفسها ولا حتى الاقتصادية، وهو ما يستنتجه حسام، أحد طلبة الطب في تونس، جازماً بأن بلاده لا تحتاج إلى مشاريع إيديولوجية أو فكرية، بقدر ما تحتاج إلى برنامج مدني ومشروع تنمية.
«العنوان الاقتصادي» هو عنوان اللحظة بالنسبة إلى حسام، كما أنه كذلك بالنسبة إلى أحلام التي ترى أن المجلس التأسيسي يجب أن يُبنى على أسس فكرية مختلفة تلتقي في مستوى تحقيق دستور متوازن يقدر على مواجهة تحديات المستقبل.