أصبحت مدينة سرت التي كان العقيد الفار معمر القذافي يحلم بتحويلها إلى عاصمة للولايات المتحدة الأفريقية مدينة مدمّرة يسيطر عليها عناصر المجلس الوطني الانتقالي المناهضون له، والذين وصفهم «بالجرذان».

المدينة دخلت التاريخ حين تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى أحد ثلاثة معاقل لكتائب القذافي إلى جانب بني وليد (جنوبي شرقي طرابلس) وسبها (وسط).
وقد أعلنها القذافي عاصمة له في 1 أيلول الماضي بعد فقدانه السيطرة على طرابلس.
والعقيد القذافي أشهر شخصية تنتمي إلى هذه المدينة، فهي مسقط رأسه عام 1942. ومنذ وصوله إلى السلطة في 1969 اكتسبت أهمية خاصة، حيث نقلت إليها معظم الوزارات في فترة الثمانينيات والتسعينيات، وبني فيها مجموعة من المباني الحديثة.
ولعل أهمية المدينة أيضاً تنبع من كونها مسقط رأس أحمد سيف النصر، أحد قادة الجهاد الليبي في فترة الغزو الإيطالي، ومسقط رأس أحد مشايخ الصوفية «الشريف سيدي بن همال» وفيها مدفنه.
بعد شهر من المعارك بين أنصار الزعيم الليبي الفار وقوات المجلس الانتقالي، بدت شوارع المدينة وقد تناثرت فيها هياكل سيارات متفحّمة، وفي كل بناية فيها أثر للقصف ومعارك الشوارع.
يقول لطفي الأمين، المقاتل التابع للمجلس والآتي من مصراتة، إنه زار مراراً سرت في السابق، غير أنه اليوم لا يكاد يتعرف إلى المدينة الساحلية التي كانت مزدهرة ويقطنها سبعون ألف نسمة. ويضيف الأمين (37 عاماً) وهو موظف في البريد أن «كل شيء دُمّر» خلال المعارك مع آخر جيوب المقاومة التابعة لأنصار القذافي، مؤكداً «لكنها غلطتهم، لو أنهم استسلموا، لم نكن لنضطر إلى فعل ذلك». لكن الأمين يشدد على أنه «لم نفعل ذلك انتقاماً. كنا فقط نريد توقيفهم وأن نعيش أحراراً».
وقبل يومين، تمكن المقاتلون من التواصل مع المقاتلين الآتين من بنغازي (شرق) وحاصروا سرت من الجهات الأربع، وأطلقوا النار في الهواء ابتهاجاً بنصرهم الوشيك. وهم لا يخفون فخرهم من فوق سياراتهم «البيك أب» المجهزة برشاشات ثقيلة ومدافع مضادة للطائرات، بعد المعارك التي خلّفت مئة قتيل ومئات الجرحى بين رفاقهم في أقل من أسبوع.
وشوهدت بعض الأعلام الخضراء للنظام السابق ترفرف فوق بعض الأسطح، غير أنه تجري إزالتها سريعاً واستبدالها بعلم الاستقلال رمز النظام الجديد.
ويتقدم مقاتلو المجلس الانتقالي من منزل إلى منزل بحثاً عن أنصار القذافي وأسلحة، ويخرجون في بعض الأحيان وفي أيديهم أغراض مسروقة، في حين غادر موكب من سيارات «مُصادرة» مدينة معمر القذافي التي كان يريدها نموذجاً لثورة الفاتح من سبتمبر 1969 التي نجحت في إنهاء عهد الملكية وأرست أسس النظام الذي حكم ليبيا 42 عاماً.
وفي سرت كان القذافي قد استقبل قادة القارة الأفريقية لإنشاء الاتحاد الأفريقي الذي كان يعتبره خطوة لإقامة الولايات المتحدة الأفريقية وجعل هذه المدينة عاصمتها. وفي قلب هذا المشروع يقف مركز المؤتمرات «واغادوغو» الضخم الذي كان من أول المواقع التي سيطر عليها الثوار منذ أسبوعين.
وطال الدمار كل شيء في المدينة، من قصر القذافي الذي سوّي بالأرض بفعل غارات الحلف الأطلسي حتى الطريق السريع المحاذي للبحر.
(أ ف ب، الأخبار)