دمشق | أحيا السوريون، أمس، جمعة «صمتكم يقتلنا»، وسط حديث عن تراجع نسبي في عدد التظاهرات وعدد المشاركين فيها. وعلى الرغم من استمرار الاحتجاجات في مختلف المحافظات السورية، وتسجيل جمعة حاشدة جديدة في ساحة العاصي في حماه، إلا أن المدينة التي شهدت أخطر الأحداث كانت دير الزور، التي لم تهدأ طيلة أيام الأسبوع الماضي، رغم أن الحل الأمني يتصاعد بالتزامن مع اقتراب شهر رمضان، وسط إصرار أهالي المدينة على التظاهر على نحو شبه يومي. هكذا، بدت بعض شوارع مدينة الفرات منذ صباح أول من أمس مغلقة من قبل الأهالي. الجميع كان يتوقع التصعيد مع وصول المحافظ الجديد، سمير عثمان الشيخ. ومع هبوط الليل، تحولت المدينة إلى ما يشبه مدينة الأشباح، إذ أغلقت غالبية المحال التجارية، وبدأت بعض الأحياء في شمال المدينة تشهد إطلاق نار كثيفاً، بينما تمركزت الدبابات شمال غرب المدينة في معسكر لطلائع البعث، ثم أخذت تتحرك، إضافةً إلى تجول سيارات مصفحة في الشوارع التي أغلقت بالحاويات والبراميل والإطارات المشتعلة من قبل الأهالي. أما منزل المحافظ، فقد طوّقه أهالي الحي، حتى إن أبناء المدينة تناقلوا شائعة قوية عن مقتل المحافظ ومعه رئيس فرع الأمن العسكري، وهو ما نفاه المحافظ في اتصال هاتفي مع التلفزيون السوري.

أما في الصباح، فمرت سيارة «بيك آب» وأخذت تطلق النار عشوائياً على من خرج الى الأفران، فيما بدأت المساجد بالتكبير لصلاة الجمعة، قبل أن يسمع صوت انفجار قرب مقر أمن الدولة، تلاه إطلاق نار متقطع في حي القصور. أما المساجد، فقد تفاوت الحضور فيها، لكنّ أعداداً كبيرة خرجت للتظاهر باتجاه ساحة الباسل. وتحدث البعض عن انشقاقات في صفوف الكتيبة السابعة في المدينة، كما سُمعت أصوات مروحيات تحلق فوق تلك الساحة والحويقة، وتحدث عدد من الأهالي عن هبوط المروحيات في مطار المدينة، إضافة إلى توجه تعزيزات عسكرية، ممّا يوحي باستمرار التصعيد، فيما تحدثت وكالة رويترز عن «أن قتالاً اندلع بين أفراد الاستخبارات العسكرية السورية وسكان في مدينة دير الزور بشرق البلاد عقب مقتل خمسة محتجين».
وقال أحد السكان، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لـ «رويترز»، إن «القتال يتركز في شمال غرب دير الزور. إنه مستمر بلا توقف منذ الثانية صباحاً». وأضاف «الدبابات دخلت المدينة خلال الليل، لكن هناك حديث عن وحدات كاملة من الجيش تنشق. قطعت الكهرباء والاتصالات».
وفي موازاة الاشتباكات في دير الزور، خرجت تظاهرات متفرقة في محافظة حمص ومناطقها المختلفة عقب صلاة الظهر، التي شهدت أيضاً تفجير خط لنقل النفط بالقرب من منطقة تل كلخ الحدودية. كذلك خرجت تظاهرات مختلفة في مناطق من محافظ ريف دمشق، مثل الحجر الأسود، وكناكر، ومضايا، دوما، حرستا، عرطوز وغيرها.
ويتوقع الكثير من رموز المعارضة السورية أن يشهد رمضان «تصعيداً غير مسبوق في تصدي أجهزة الأمن السورية للتظاهرات والاحتجاجات بمختلف أشكالها»، و«أن يستخدم النظام السوري المزيد من القوة والعنف، فهو حتى هذه اللحظة لم يكشف عن قوته الحقيقية التي يمتلكها، ومن الممكن أن يستخدمها جميعها، إذا خرجت الأمور في شهر رمضان، عن السيناريو الذي يتوقعه في تصديه وتعامله مع التظاهرات».
ونقلت وكالة «يونايتد برس انترناشونال» عن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، قوله إن قوات الأمن السورية اعتقلت منذ فجر الجمعة أكثر من 300 شخص في مدينة دمشق، مشيراً إلى «أن أكثر من 100 شخص اعتقلوا في حي القدم خلال عملية أمنية نفّذتها قوات الأمن السورية، و15 شخصاً في ركن الدين، و11 شخصاً في حي نهر عيشة، و 8 أشخاص في حي برزة»، وكلها أحياء في العاصمة السورية.
من جهته، تحدث رئيس الرابطة السورية لحقوق الإنسان عبد الكريم الريحاوي، لوكالة «فرانس برس»، عن قيام «قوات الأمن بإطلاق النار بكثافة على تظاهرة شارك فيها الآلاف في حرستا في ريف دمشق، ما أوقع اكثر من 15 جريحاً بين المتظاهرين، إضافةً الى تعرض المتظاهرين في حي كرم الشامي في حمص لإطلاق نار كثيف من قبل قوات الأمن»، فيما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن «قوات الأمن التي يفوق عددها أعداد المتظاهرين فرقت بعنف تظاهرة في بانياس، ولاحقت المتظاهرين داخل الأحياء والأزقة».
في غضون ذلك، نقلت وكالة «يونايتد برس انترناشونال» عن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عدد القتلى برصاص قوات الأمن السورية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية وصل الى 10. وقال المرصد «إن أربعة شهداء جدد قتلوا الجمعة برصاص قوات الأمن، أحدهم قتل في اللاذقية، فيما قتل الثاني أمام فرع الأمن العسكري بدير الزور، وقتل الثالث في محافظة درعا، واستشهد مواطن آخر على حاجز في قرية الموح التابعة لمدينة القصير»، فيما سقط أول من أمس «في دير الزور خلال الحملة الأمنية 4 مواطنين، فضلاً عن مواطنين في سهل الزبداني بريف دمشق».
من جهته، أكد رئيس الرابطة السورية لحقوق الإنسان عبد الكريم الريحاوي لوكالة «فرانس برس» «مقتل شاب عندما أطلق رجال الأمن النار لتفريق تظاهرة في درعا».
بدوره، قال التلفزيون السوري إن «عنصرين من قوات حفظ النظام قتلا برصاص مسلحين في منطقة البوكمال، وتعرض عناصر آخرون من قوات حفظ النظام لرصاص مسلحين في حي قنينص في مدينة اللاذقية»، فيما أفادت مصادر محلية في مدينة البوكمال لـ «يونايتد برس انترناشونال» أن «مواجهات جرت فجر أمس في المدينة بين متظاهرين وقوات الأمن سقط خلالها قتيل وأربعة جرحى، أحدهم جراحه خطرة».




ضبابيّة دمشق

تبدو الحالة الضبابية هي السائدة في الشارع السوري هذه الأيام، في انتظار قدوم شهر رمضان، الذي ترافقه طقوس وأجواء وعادات خاصة، اعتادها المجتمع السوري وبات يعيشها بمختلف أطيافه الدينية والمذهبية.
دمشق تبدو كأنها تلخص واقعاً غير مألوف بدأت معالمه تطفو على السطح، حتى أصبح حالة اعتيادية تلخص تبعات الأحداث الاحتجاجية على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
إقبال شديد على شراء المواد الغذائية الأساسية، خوفاً من ارتفاع مفاجئ قد يطرأ على أسعارها، كما يحدث عادة في شهر رمضان، بعيداً عن الأزمة التي تعيشها سوريا الآن، أو تحسباً من غيابها عن الأسواق نتيجة تخزين بعض المواطنين كميات كبيرة
منها.
أيضاً غابت مظاهر الاحتفال والبهجة بشهر الصيام عن مجمل المناطق ومدن والمحافظات السورية، أما الدراما السورية التي كانت تنتشر إعلانات أعمالها على لوحات الطرقات في هذه الأيام من كل عام، فقد غابت هي الأخرى لتستبدل بالشعارات الوطنية والقومية، التي تدعو إلى «وئد الفتنة والمؤامرة»، و«الوحدة واللحمة والوطنية».