فُصل من عضوية اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وأُخرج مذلولاً من الضفة بعد دهم منزله واعتقال حراسه ومصادرة أسلحته وسياراته، ثم قطع الطريق عليه خلال توجهه إلى الأردن، وجُرِّد من حراسه، ونُعت بأفظع الاتهامات. نهاية لمحمد دحلان لم تكن لتخطر في أسوأ كوابيس الرجل، الذي كان حتى وقت قريب «القوي» في حركة «فتح»، ومحل ثقة قاعدة واسعة من أعضائها ترى فيه «المخلص» الذي سينتشل الحركة من ورطاتها المتلاحقة منذ خسارتها الانتخابات البلدية في عام 2005 والتشريعية في 2006، وأخيراً هزيمتها أمام غريمتها حركة «حماس» في «معركة غزّة» منتصف حزيران 2007.

انحازت اللجنة المركزية لحركة «فتح» إلى رئيسها، محمود عباس، في خلافه «الشخصي» مع دحلان، وصوّتت بفصله من عضويتها وإحالته على القضاء في قضايا «فساد وقتل وتآمر»، في مشهد مأسوي من حياة رجل كان يشار إليه على أنه خليفة محتمل لعباس نفسه في رئاسة السلطة. وأثار قرار المركزية لغطاً ليس غريباً على دحلان، الذي كان مثار جدل ومحل خلاف منذ توليه رئاسة جهاز الأمن الوقائي في عام 1994 وهو برتبة «عقيد» في الثالثة والثلاثين من عمره.
في غزّة، التي كانت «معقل» دحلان الرئيسي ومصدر قوّته، وبعصاها كان يلوّح في وجه خصومه قبل سيطرة حركة «حماس» عليها قبل أربعة أعوام، لا يكاد يخلو حديث في مقهى أو منزل أو شارع من قضية دحلان وتطوراتها، والمصير الذي سيؤول إليه. «دحلان مثير للجدل وعنيد ولن يستسلم بسهولة»، «إنه فاسد وقاتل، وله علاقات مشبوهة بالأميركيين والإسرائيليين» و«أبو مازن ليس أكثر وطنية من دحلان، وفصله من المركزية جاء بدافع شخصي لا وطني». عبارات كثيرة تصف مصير الرجل، الذي جعل من مسيرته هوية.
هذه آراء قطاع واسع من «الغزاويين» من محبي دحلان وكارهيه. يقول مناصرون لدحلان في دردشة مع «الأخبار» إنهم «يخشون إظهار تعاطفهم ومساندتهم لدحلان، وإعلان معارضتهم لقرار اللجنة المركزية لحركة «فتح» بفصله من عضويتها». ويبرّر هؤلاء المناصرون، وهم من المنتسبين إلى الأجهزة الأمنية ويتلقون رواتبهم من السلطة الفلسطينية في رام الله، عدم تجرؤهم على إعلان تأييدهم لدحلان في خلافه مع عباس، بخشيتهم من قطع رواتبهم الشهرية، بعدما بثت سلطة رام الله شائعات متعمدة بهذا الخصوص.
ويعتقد «أبو عمار»، وهو أحد مناصري دحلان، أن الأخير «يتمتع بذكاء شديد وشخصية قوية، وسيخرج من أزمته الحالية أكثر قوة». وباعتقاده أن «دحلان هو الرئيس المقبل». ويشير إلى أن دحلان الذي خرج من غزّة «مطارداً» أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ونجح في ارتقاء «السلم التنظيمي» بسرعة فائقة، حتى احتل مكانة مميّزة لدى الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي منحه رتبة «عقيد» عندما كان أصغر عضو في الوفود الفلسطينية المفاوضة «لن يعدم الوسيلة للخروج من أزمته منتصراً».
ويستدلّ «أبو عمار» على صوابية رأيه بالقول إن «دحلان حصل على أعلى الأصوات في الانتخابات التشريعية عام 2006 على مستوى محافظة خان يونس، وتغلب على خصوم أشداء من حماس»، في وقت كانت فيه حركة «فتح» في أسوأ أحوالها وتراجعت للمرتبة الثانية في ترتيب الفصائل الفلسطينية للمرة الأولى منذ انطلاقتها في عام 1965.
إعجاب «أبو عمار» بدحلان لا ينسحب على كل الفتحاويين؛ إذ يشكك سلطان في «ذكاء» دحلان، ويعتقد أن ما وصل إليه لم يكن ليتحقق لولا الدعم والتوجيه الأميركي والإسرائيلي. ويساند سلطان بقوة قرار الرئيس عباس واللجنة المركزية بفصل دحلان من «فتح» وإحالته على القضاء، لما ارتكبه من جرائم بحق الحركة وحق غزة، التي «سقطت» في قبضة «حماس» بفعل سياسة «الخمسة بلدي» التي انتهجها دحلان، وأوصلت «فتح» بكل تاريخها إلى حركة محظورة وملاحقة ومعظم أنصارها «جبناء» يخفون انتماءهم في غزّة.
ويسود جدل كبير بشأن الأسباب الحقيقية التي أوصلت علاقة عباس بدحلان إلى هذا القعر، بعدما وقف الأول في وجه الرئيس عرفات لتعيين دحلان وزيراً للداخلية في حكومته الأولى إبّان خضوع الرئيس الراحل لضغوط أميركية باستحداث منصب رئيس الوزراء عام 2003.
ويتداول «الغزاويون» حكايات عن «تطاول» دحلان على الرئيس عباس وأبنائه واتهامه لهم بالفساد المالي والإداري، وفشل الرئيس في التقدم «خطوة» واحدة في الملف السياسي منذ انتخابه على رأس السلطة في عام 2005، عقب وفاة عرفات، واستفراده بالقرار وعدم إقامته وزناً لمؤسسات السلطة و«فتح».
وتبرز حكاية «مخطط الانقلاب» الذي كان يقوده دحلان ويحشد له في الضفة الغربية على عباس، كأكثر الحكايات شيوعاً وتصديقاً، بأنّها السبب الرئيسي الذي قاد إلى هذه النهاية لعلاقة بين رجلين من «المدرسة السياسية» نفسها، بل كانا حليفين في وجه الراحل أبو عمار.
ويُسجل لدحلان أنّه أول من حاول «الانقلاب» على الرئيس عرفات، إثر خلافهما واستقالته من منصبه مستشاراً للأمن القومي في عام 2002، وتسييره تظاهرات ضدّ «تفرّد» أبو عمار بالقرار. لكن دحلان يبدو اليوم أعجز من التحرك ميدانياً ضدّ عباس.
«سقط» الرجل ولم «ينته»، فتكاثرت السكاكين حول رقبته مثلما يقول المثل الشعبي «إذا سقط العجل كثرت سكاكينه»، وبات من كان «يخطبون وده»، وهم كثر، محل خلاف، والاقتراب من سيرته محاط بخطورة بالغة. اختلف على أزمته صغار الفتحاويين وكبارهم. الصغار يخشون قطع الرواتب، أما الكبار فمواقفهم هي «تصفية حسابات» سواء مع الرجل أو ضدّه.
القيادي في «فتح» صلاح أبو ختلة، أعلن عقب قرار اللجنة المركزية مباشرة، رفض الفتحاويين في غزّة لقرار الفصل، فأتى الردّ من القيادي الآخر في الحركة، عبد الله أبو سمهدانة، سريعاً ومناقضاً: «ليس هناك اجتماع للهيئة، والحركة موحّدة خلف الرئيس عباس واللجنة المركزية». اجتمع قادة «فتح» في مدينة رفح وخرجوا بموقف مناهض لقرار اللجنة المركزية، فجاء النفي سريعاً من الهيئة القيادية.
أصدرت كتائب شهداء الأقصى بياناً تساند فيه دحلان وتهاجم «المركزية»، فأتى بيان بتوقيع مماثل يتهم دحلان بقتل عرفات، ويطالب عباس بسرعة إلقاء القبض عليه. هذه هي «فتح»، ليس فيها من يعبّر عنها. فيها الرأي ونقيضه. والكثير من التشكيلات العسكرية التي تدين بالولاء لمن يموّل أنشطتها.
وفي مقابل هذه «الزوبعة الفتحاوية» التزمت الفصائل، بما فيها حركة «حماس»، ألد خصوم دحلان، الصمت حيال الأزمة، إلا من تصريح يغلب عليه «الموقف الشخصي» لعضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، محمود الزهار، يصف فيه قرار اللجنة المركزية بأنه «حكيم»، متهماً دحلان بـ«الضلوع في اغتيال شخصيات عدة من حركتي فتح وحماس».
ويرجح البعض أن يلجأ دحلان، في مرحلة ما، إلى حسم المعركة مع عباس عبر محاولة الاتصال بـ«حماس». لكن مصدراً مسؤولاً في الحركة استبق هذا الاحتمال، مؤكّداً أنّ «الحركة رفضت في السابق أي اتصال بدحلان، ومن المرجح أنها ستواصل الرفض».
لا أحد يمكنه أن يتوقع نهاية الرجل، وإن اتفق المؤيدون لدحلان والمعارضون له على أنّه لا يستسلم بسهولة، ويمتلك من «الأسرار» ما يمكنه من «قلب الطاولة» على رؤوس الجميع.

■ ■ ■

مسيرة تسلّق القمم



غموض يكتنف مفاصل مهمة من حياة محمد دحلان، الذي يجيد «اقتناص» الفرص وأنصافها. عبر استغلاله الفراغات التنظيمية مع استشهاد قادة الصف الأول من أمثال خليل الوزير «أبو جهاد»، وصلاح خلف «أبو إياد» وغيرهما، ارتقى مراحل ورتب داخل حركة «فتح» في تونس. وكان وقتها «الابن المدلل» للرئيس الراحل ياسر عرفات، فجاد عليه برتبة «عقيد» وقلّده مسؤولية تأسيس جهاز الأمن الوقائي وقيادته في قطاع غزّة، الذي أدى الدور الأبرز في القمع والاعتقالات السياسية في الفترة الممتدة ما بين تأسيس السلطة في عام 1994 وحتى السنوات الأولى من اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000.
وُلد محمد دحلان عام 1961 في مخيم خان يونس، جنوب قطاع غزّة، من أسرة فقيرة لاجئة، هاجرت إبّان نكبة فلسطين في عام 1948، من قرية «حمامة» قضاء المجدل. يقول جيران في المخيم الذي وُلد وترعرع فيه إنّه كان «شقياً» متوسط الذكاء في تحصيله الدراسي. التحق بالجامعة الإسلامية، أكبر معاقل جماعة الإخوان المسلمين، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وفيها أسّس الشبيبة الطلابية كجناح طلابي لحركة «فتح»، وإن كان كثيرون ينكرون عليه هذا الادعاء على اعتبار أنّ «الشبيبة تأسست في الضفة الغربية بقرار من الشهيد أبو جهاد».
اعتقل دحلان عدّة مرات في الفترة ما بين عامي 1981 و 1986. وفي مجموعها لا تتجاوز ثلاث سنوات، بحسب ما يؤكّد كثيرون ممن عايشوه في سجون الاحتلال، لكنه افتخر مراراً بتاريخه النضالي في السجون والمعتقلات لعشر سنوات.
خرج من قطاع غزّة «مطارداً» في عام 1987، وعاد إليها «قائداً». تقلّد مناصب رفيعة في السلطة الفلسطينية، فكان قائد جهاز الأمن الوقائي، وعضواً في وفود التفاوض، ومستشاراً للرئيس الراحل ياسر عرفات لشؤون الأمن القومي، ووزيراً للأمن الداخلي في أول حكومة ألفها محمود عباس، عقب استحداث منصب رئيس الوزراء، على أثر ضغوط أميركية شديدة على الرئيس عرفات في عام 2003. وكان مسؤولاً عن ملف الانسحاب الإسرائيلي الأُحادي الجانب من قطاع غزّة في عام 2005. كذلك شغل منصب مستشار الرئيس عباس للأمن القومي قبل استقالته عقب الهزيمة التي ألحقتها «حماس» بالأجهزة الأمنية وإحكام قبضتها على القطاع في منتصف حزيران 2007.
أفلت دحلان من لجان التحقيق التي ألفها الرئيس محمود عباس للتحقيق في أسباب الهزيمة أمام حركة «حماس»، والتي أطاحت رؤوس ضباط كثيرين كانوا يأتمرون بأمر دحلان نفسه. انتُخب عضواً في اللجنة المركزية لحركة «فتح» في المؤتمر السادس الذي عُقد في الضفة الغربية عام 2009، بعد 20 عاماً على المؤتمر الخامس في الجزائر، وأُطيح من عضوية اللجنة، ولا تزال للقصة بقيّة...