دير الزور | عبر المساحات الشاسعة لمدينة الفرات، تواردت الأنباء المختلفة وتضاربت الآراء في دقّتها، رغم محاولة بعض وسائل الإعلام التركيز على ما يجري في مدينة البوكمال تحديداً، ومن ثم تقدير عدد المتظاهرين في حماه ودير الزور وحدهما بما يقارب مليون ومئتي ألف متظاهر، رغم تسريبات عن زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لدير الزور بعد بدء الاحتجاجات، وتناقل أحاديث عن تعهدات من مشايخ العشائر هناك بعدم المشاركة في الحراك الشعبي والابتعاد عن التظاهرات. لكن الأسابيع القليلة الماضية دلت على أن هناك رأياً آخر. فقد انضمت دير الزور إلى قائمة المحافظات السورية المتظاهرة.


تشق الحافلة الممتلئة بالركاب طريقها بسهولة من دمشق إلى دير الزور. في الطريق ثلاثة حواجز أمنية توحي كأنك تنتقل من دولة إلى أخرى. عند كل حاجز، يتكرر المشهد: ينزل مرافق الحافلة حاملاً معه قائمة بأسماء المسافرين، يعطيها لرجل الأمن الذي يقرأها بدقة ثم يقارنها بقائمة أخرى لديه. بعد ذلك، يعيدها للمرافق طالباً منه إكمال الطريق مع حرصه على التعاطي بمنتهى الأدب مع المارين رغم تعبه الظاهر.
ظلت دير الزور تشبه المنفى الحقيقي في مخيلة الدمشقيين؛ إذ يحكي أهل الشام أنّ أقسى عقوبة ممكن أن تحل بموظف حكومي هي نقله إلى دير الزور ليوقّع استقالته بيده، فضلاً عن السمعة السيئة بحق المدينة من حيث «عدائية» أهلها. أخيراً، تقرأ لوحة «دير الزور ترحب بكم»، لترى المدينة كعجوز ثكلى أنهكتها قسوة الزمن وقبضة القدر المحكمة حول عنقها، فاتشحت بالسواد حزناً على موتاها الذين يستقبلوننا قبل أحيائها. كل شيء متناقض فيها. يشير أحد الركاب إلى المدخل فيقول: «قبل سنوات، كانت الأراضي هنا عبارة عن مقابر متفرقة، لكن الدولة نقلت القبور إلى مناطق أخرى، وباتت الأراضي مكاناً للسكن الجامعي والمشفى الحكومي، وإلى جانبهما مركز قوى الشرطة والمرور». ويتابع قائلاً إن «دير الزور شهدت نهضة عمرانية أخيراً، لكن أسباباً كثيرة تدفع أبناء ثانية كبرى محافظات سوريا للاحتجاج ضد النظام».
داخل المدينة، الحياة تسير على طبيعتها. الأسواق المفتوحة تعج بالناس، بينما تمتلئ المقاهي تقريباً على نحو كامل، إلا أنّ شيئاً ما يوحي بتوتر في الأجواء وعلى الجدران؛ فمن جهة، عبارات تدعو إلى إسقاط النظام، ومن جهة أخرى لا تزال الخدمات الحياتية في المحافظة على حالها.
في المقابل، تُعدّ ساحة التمثال أو السبع بحيرات، التي تضم مقارّ الشرطة العسكرية، ملتقى الفريق الموالي. لكن الموقف هنا يختلف بالنسبة للمؤيدين عن بقية المحافظات السورية؛ فكما ينغّص رجال الأمن على التظاهرات المعارضة، بدأ المناهضون للنظام ينغّصون على مؤيديه، فالخيمة التي نصبت للاحتفال اليومي لهم، سرعان ما أزيلت، شأنها شأن تمثالين للرئيس الراحل حافظ الأسد والثاني لنجله الراحل باسل الأسد، ليصبح اسم الساحة «ساحة الحرية». هكذا خلت دير الزور من التماثيل، باستثناء صرح شاعرها محمد الفراتي، الذي ينتصب وسط المدينة التي بغالبها تأخذ صبغة المعارضة اليوم.
ما هي مطالبكم؟ الإجابة جاءت شبه موحدة وبنفس حجم السؤال بكلمتين: «إسقاط النظام». تردّ بسؤال آخر يبدو أكثر صعوبة من الأول: لماذا إسقاط النظام؟ فيجيب هاني، أحد الناشطين في التظاهرات الليلية ويقول: «دير الزور عانت كثيراً من الإهمال والقمع. الجميع يتجاهلها. إنها آخر محافظة يفكرون في تنميتها، رغم أنها الأغنى طبيعياً، فالنفط والغاز يتركز هنا، والزراعة شأن بديهي في محافظة يُعد نهر الفرات شريان حياتها، ولو أنهم اهتموا بالمدينة سياحياً، لنافست بالفرات وحده أهم المعالم السياحية الأخرى». لكن المدينة شهدت اهتماماً من الدولة أخيراً، فافتتحت فيها جامعة حكومية وبدأت المصارف الخاصة تفتح فروعها فيها. يقاطعنا الشاب مجدداً: «ما الفائدة إذا كانت كل المنشآت تغرق في الفساد؟».
في المقابل، يرى وليد الصيدلاني أن «الإصلاحات التي قام بها النظام لا تسمن ولا تغني من جوع. فما جدوى إلغاء قانون الطوارئ، مع استمرار الاعتقالات وإذلال الناس؟ أما قانون التظاهر السلمي، فهو فعلياً قانون منع التظاهرات المعارضة، واعتقال من يتظاهر بحجة عدم الترخيص». ويذهب أبعد من ذلك بقوله: «حتى الحديث الحالي عن الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، لن يجدي نفعاً، ما دامت سلطة التهديد تعمل أبشع ممارساتهم أمنياً وإعلامياً».
تحاول أن تستقرئ الآراء في الإعلام السوري، فتسأل عن التخريب الذي تتحدث عنه قناة الدنيا والتلفزيون الرسمي. الإجابة تبتعد عن أخذ الحديث نحو تقويم لأداء الإعلام السوري، إذ يقول هاني: «لا ثورة في العالم تسير وفق القالب المحدد، وقد تحدث بعض التجاوزات»، فيما يرى أحمد أن «تصرفات بعض الأفراد لا يمكن صبغها على كل الثورة في المدينة». ويعترف الشاب الناشط في المجتمع المدني، أن عدداً من المتظاهرين أحرقوا بالفعل سيارات أشخاص قرب مقار حزب البعث، لاعتقادهم أنها تابعة لهم». وفي السياق، يقول جورج، وهو صاحب محل للحلويات في المدينة، إنّ «مسلحين هدّدوه بتكسير محله إن لم يغلق في يوم الخميس مع الإضراب العام»، وهو ما يرى خالد أنه «من فعل الأمن لإبراز المتظاهرين وكأنهم إرهابيون». لكن خالد يعود ليؤكد أن «الشاشات الأخرى أيضاً تبالغ؛ فحديث قناة العربية مثلاً عن خروج نصف مليون متظاهر يوم الجمعة مبالغ فيه بشدة؛ إذ إن عدد سكان المدينة يصل الى أربعمئة ألف شخص».
أما «تنسيقيات الثورة» في دير الزور، فارتكبت بدورها أخطاءً في عملها، رغم عملها الافتراضي الهائل. هكذا يتحدث هاني عن شاب خرج لسرقة الدراجات النارية التي استولت عليها قوات الأمن، فأطلقت الأخيرة عليه النار، بينما كان يهم بالسرقة لتعدّه التنسيقيات «شهيداً». هنا تحاول التذكير بما حدث في محافظات أخرى كدرعا، فتسأل: «ماذا لو دخل الجيش أو الفرقة الرابعة؟». وهنا يأتي الجواب سريعاً؛ لأن «الوضع هنا مختلف عن باقي المحافظات. الريف هنا مسلح بالفعل، ودخول الجيش يعني الوقوع في حرب عواقبها هائلة»، على حد تعبير طلال الذي يؤكد أن السلاح جاء من العراق.
من دير الزور، كان يجب التوجه نحو المكان الأكثر خطورة، لما يشهده من أحداث متلاحقة، أي إلى البوكمال التي يفصلها عن مركز المدينة في دير الزور قرابة السير لمدة الساعة. هناك، يؤكد الأهالي أن الحدود مفتوحة والسلاح دخل بسهولة للبوكمال، ومنه إلى بعض مناطق دير الزور. ويشير آخرون إلى أن سعر البندقية لا يتجاوز ألفي ليرة سورية، وأن تشاهد مضادات طائرات «فهو أمر عادي».
أما ماذا حصل في المدينة الحدودية، فهناك روايتان: في الوقت الذي أكدت فيه مصادر السلطة وممثلوها هناك، أن المسلحين هاجموا قوات الأمن، وأطلقوا النار على عناصر مدنية، قبل أن يحرقوا مقر الشؤون المدنية والمحكمة ليتدخل الجيش عبر إنزال جوي قبل أيام، فإنّ سكان المنطقة لهم رواية أخرى، تتقاطع مع حرق المراكز المدنية التابعة للدولة، لكن السبب هو اعتلاء قناصة أسطح هذه المباني، وهروب عناصر الأمن منها بعدما أطلقوا النار عشوائياً. دخلت الدبابات المدينة، فاستولى عليها المتظاهرون. هكذا يقول الطرف المعارض.
بالنسبة إلى أهل المدينة والمحافظة عموماً، لا يعني الشيخ عدنان العرعور شيئاً، حتى إن كثيرين أقسموا إنهم «لم يكونوا يعرفونه قبل بداية الأحداث»، والغالبية ترى فيه «شيخ فتنة».




إدانات دوليّة

أدانت فرنسا أمس بشدة مواصلة السلطات السورية حملة القمع لاعتقال أبناء شعبها وقتلهم، معربة عن قلقها خصوصاً من الأحداث التي تشهدها مدينة حمص. وذكر بيان للخارجية الفرنسية أن «فرنسا تدين بأشد العبارات، مواصلة السلطات السورية لحملة القمع» وقتل شعبها، «في عملية هروب إلى الأمام من دون مخرج». وأضاف البيان أن «فرنسا تعرب عن قلقها العميق تجاه مدينة حمص وسكانها، حيث أدى القمع إلى مقتل العشرات في صفوف المدنيين»، مضيفة: «الإرهاب لا يزال يسود حمص التي يحاصرها الجيش السوري». وأكد البيان أن «على الجيش وقوات الأمن الأخرى أن تعرف أنها مسؤولة عن أفعالها».
من جانبه، جدد وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، مطالبة الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي ما لم يحدث إصلاحات على نطاق واسع.
وقال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، جيفري فيلتمان (الصورة)، في حديث لقناة «الحرة» الأميركية، إنّ الأسد يثير المخاوف من أزمة طائفية لبث الرعب في نفوس السكان. وأشار إلى أنهم «يحاولون إثارة شبح حرب أهلية، لكن من الواضح من غالبية التظاهرات أن الكل يحتج من دون اكتراث بالمخاطر».
(يو بي آي، أ ف ب)