القاهرة| «أميركا وإسرائيل تقفان وراء التوترات الطائفية الأخيرة التي شهدتها مصر بغرض كسرها»، هكذا عبّر نائب رئيس الوزراء يحيى الجمل عن المخاطر التي تهدد الثورة المصرية أول من أمس على شاشة التلفزيزن الرسمي. قبلها بيوم قال وزير الدفاع، رئيس المجلس العسكري، المشير محمد حسين طنطاوي إن «مصر لم ولن تسقط وستبقى عظيمة بين الأمم».

هل ثمة رابط بين التصريحين؟ بالتأكيد، فالملاحظ خلال الأيام الماضية أن نبرة الحديث عن المخاطر والمطامع الخارجية التي تحاول النيل من الثورة المصرية زادت بوضوح على لسان المسؤولين، وأن وسائل الإعلام المقروءة والمرئية تجتهد كثيراً في شرح أبعاد المخططات الخارجية التي تحيق بالبلد، وكان آخرها القبض على الجاسوس الاسرائيلي الذي شارك في أحداث الثورة في ساحة التحرير وتعرّف إلى الشباب وارتاد المساجد والمقاهي وكوّن صداقات كثيرة.
مما لا شك فيه أن هناك مخاطر تواجه ثورة 25 يناير وهذا طبيعي، لكن من غير الطبيعي أن يتردد هذا الكلام على لسان مسؤولين أولى مهماتهم تطمين الناس، واذا كان نائب رئيس الوزراء قد اتهم أميركا وإسرائيل بالوقوف وراء الأحداث الطائفية الأخيرة، فإن الواقع يؤكد أن هناك قوى أخرى تمثّل تهديداً، وإن بدا غير واضح مدى تأثيرها في طريق استكمال الثورة. وتأتي في مقدمة هذه الدول السعودية والإمارات وعدد من دول الخليج، كما يقول الخبير في مركز الدراسات السياسية في «الأهرام»، وحيد عبد المجيد، الذي يضيف «لا يمكن تجاهل تأثير الثورة المصرية على المواطنين في الخليج، والخوف من انتقال عدواها الى هذه الممالك». ثانياً، كما يقول عبد المجيد، «لا يمكن فصل ما أعلنته السعودية والإمارات من تقديم مساعدات لمصر شريطة عدم محاكمة مبارك عن مجمل المخاطر».
لكن بعيداً عن المخاطر الخارجية، هناك مخاطر داخلية ليست بمعزل عن هذه الأخطار، فرغم الترحيب الشديد من التيارات السياسية أمس بالحكم القضائي الذى أصدرته محكمة القضاء الاداري بحل كل المجالس المحلية، التي كان أعضاؤها قادة في الحزب الوطني المنحل، هناك عوامل داخلية أخرى لا تنفصل عن هذه المخاطر، «أبرزها حالة الانفلات الأمني»، كما يشير عبد المجيد، الذي يضيف «كلام نائب رئيس الوزراء عن أميركا وإسرائيل أغفل ربما عن عمد، الحديث عن الداخل وأن هناك صعوبات ومشاكل ترتقي الى مرتبة المخاطر، منها مثلاً تناقص أعداد السائحين والأزمة الاقتصادية».
لكن لماذا الحديث الآن عن المخاطر الخارجية؟ ربما الرغبة في فك الاشتباك ما بين الفريقين المتنازعين على وضع الدستور أولاً أو اجراء الانتخابات البرلمانية أولاً، وخصوصاً بعدما وصلت المناوشات بين الطرفين الى طريق مسدود مع إعلان الاخوان المسلمين، على لسان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان، إمكان معارضة الجماعة للجيش اذا تبنى الرأي المطالب بالدستور أولاً.
بينما يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية، رفيق الطوبجي، أن «هذا الحديث طبيعي في ظل الأزمات التي تعيشها مصر، فالثورة محاطة بعدد من الأزمات خارجية وداخلية. والتلويح من وقت لآخر بخطورة هذه الأزمات مفهوم». ويشير الى ما أعلنه المجلس العسكري منذ فترة من وجود مخطط خارجي بتقسيم مصر الى ثلاث دويلات، الأولى دويلة مسلمة في الشرق، والثانية مسيحية في صعيد مصر، والثالثة نوبية في الجنوب. ويؤكد أن «مثل هذه التصريحات والإعلان عن المؤامرات ربما تكون صحيحة، لكنها لا تلقى اهتماماً كبيراً لدى قطاع معين من الشعب، وهي التيارات السياسية التي ترى أن الحد من خطر هذه التهديدات يكون بمواجهتها، لكن ليس بالمبالغة فيها لأن هذا يواجه بعدم اكتراث»، لكنه يتفق مع عبد المجيد في أن الأخطار الداخلية لا تقل بأي حال من الأحوال عن الخارجية. ويرى أن «المصارحة بأسبابها أمر ضروري لتجاوز هذه المرحلة الصعبة».
عندما كُشف عن قضية الجاسوس الإسرائيلي قوبل هذا بسخرية كبيرة من جانب النشطاء على الفايسبوك وتويتر، وكان السؤال الأكثر في التعليقات: «ومتى كانت إسرائيل لا تتجسس على مصر؟». حتى عندما أكد نائب رئيس الوزراء أن إسرائيل وأميركا تسعيان إلى كسر مصر بتأجيج الصراعات الطائفية، استنكر الكثيرون هذا الكلام لأن معناه أن هذه الصراعات ظهرت بعد الثورة ولم تكن موجودة من قبلها، فالمتابع للشأن المصري يعرف أن الفتن والمشاحنات الطائفية موجودة وتتزايد منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن الدولة كانت متورطة في إذكاء روح الفتنة بدليل ما كشف عنه عقب الثورة من تورط وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي في تفجير كنيسة القديسين بالاسكندرية.
يغيب عن حديث المسؤولين المصريين أن جزءاً كبيراً من الغضب سببه أن الحكومة الانتقالية، التي اختار الناس رئيس وزرائها، لم تلبّ الحد الأدنى من مطالب الثورة، وأن حصاد المئة يوم الأولى كشف عن خلل واضح في أدائها.
ما بين مطامع الخارج وأخطار الداخل تسير الثورة المصرية محمّلة بمشاكل طبيعية تظهر مع نشوب أي ثورة، لكن مكمن الخطر في كثرة ترديد هذه الصيغة، التي تأتي في أوقات كثيرة بنتائج عكسية.