دمشق | لا شيء يرمز إلى حوران، الحاضنة لدرعا، أكثر من سنابل القمح. القمح وحوران وجهان لعملة واحدة. لكن علاقة تلك المنطقة بالقمح ـــــ وهي الأساس طبعاً في لقمة عيش سوريا ـــــ تدهورت بعد التحول الاقتصادي الذي شهدته الجمهورية الاشتراكية السابقة في السنوات القليلة الماضية، فارتفعت أسعار المبيدات والأسمدة والمازوت، وبالتالي كلفة إنتاج القمح. هكذا تحوّلت سوريا من بلد مصدّر للقمح إلى مستورد له. من جهة أخرى، دفع تشجيع الدولة المزارعين على التصدير إلى إفقار السوق المحلية وارتفاع أسعار مواد غذائية كانت أرخص من التراب. وبالتالي صحيح أن ما بقي من اشتراكية الدولة يحول دون موت أبنائها جوعاً، لكن صحيح أيضاً أنّ بعض السياسات الاقتصادية حملت كثيرين على النوم جياعاً.

ومن الغذاء إلى الرفاهية: احتكر الانفتاح الاقتصادي شاطئ اللاذقية فأكلت المنتجعات الخاصة المسابح الشعبية، ولم يعد بإمكان الفقراء أو متوسطي الحال من أبناء اللاذقية أن يسبحوا على شاطئهم. في موازاة ذلك، يلاحظ أن النمو في الأعوام الماضية سُجل غالباً في القطاع المالي ولا سيما شركات الصيرفة المنفصلة كلياً عن الاقتصاد التنموي، بينما ركّزت الدولة على إنعاش الاقتصاد السياحي، فامتلأت السوق السورية بالفنادق والمطاعم والشاليهات والأسواق الفخمة التي لا يمكن إلا واحداً من كل عشرة آلاف سوري أن يمضي وقتاً فيها. أما الاستثمارات العقارية التي درجت في الأعوام القليلة الماضية، ففتحت البلد أمام المستثمرين الخليجيين، ممّا أدى إلى ارتفاع الأسعار، وبات على المواطن السوري أن يحلم ثم يحلم باقتناء شقة، في يوم من الأيام. هكذا، شهد المجتمع السوري بالسرعة القياسية نفسها، إثراء لمجموعة صغيرة وإفقاراً لمجموعة كبيرة.
لكن ليس التفاوت الطبقي الذي يتحدث عنه المناضل الشيوعي عبد العزيز الخيّر هو الذي يجعل من ابن سهل حوران، بو عزيزي آخر. هناك أسباب أخرى، أهمّها القمع والتهميش. يتحدث الناشط المعارض لؤي حسين عن شباب يريدون اختيار رئيس لمجلس بلديتهم يشبههم، وأن تكون لهم كلمة على الاقل في تعيين المسؤول عن تنظيف شوارع مدينتهم. شباب لا يفهمون كيف يحقّ للشرطي أن يشتمهم ويحقّرهم، مع أهلهم غالباً، ساعة يشاء ودون محاسبة. شباب لا يريدون التعرّض للاعتقال لمجرد تشكيكهم في الرواية الرسمية كما حصل أخيراً مع أحد الذين نفوا علمهم بحقيقة ما يحصل في سوريا. يتحدّث المخرج السينمائي المعارض أسامة محمد عن تزييف النظام لصورة الآخر، فيخترع مجلساً نيابياً ثم يكذب على نفسه والآخرين بالادعاء أن هذا المجلس يمثّل الشعب. وبالتالي فإن الأسوأ من قطع لسان المواطن هو إجباره على القبول بأن يكون لسان شخص آخر هو لسانه. وهكذا فاللسان الآخر يتذوّق عنك ويستطعم عنك ويتحدث. وبحسب حسين، فإن الموجود اليوم في سوريا هو «دولة/ أمن» بدلاً من أن يكون «دولة/ سلطة»، إذ «تحولت مؤسسات الدولة من تلك المعنية بتصديق المعاملات مروراً بالإعلام وصولاً إلى النقابات، إلى مؤسسات تسلط»، وبات أكثر الموظفين تواضعاً يعتقد أن المواطن «ممسحة» يمكنه أن يداعب شواربها بأصابع قدميه. وللمناسبة، فإن أجهزة الأمن السياسي هي فوق القانون الذي يمنع محاسبة الأمني أثناء أدائه لوظيفته و«من يمت يمت من كيسه». أمّا في محاكم أمن الدولة فلا حقّ للمواطن بدفاع جديّ عن النفس ولا بالنقض أو الاستئناف.
يصل حسين إلى السبب الثالث في تحوّل المواطن السوري إلى بو عزيزي، وهو الفساد في السلطة، فيكمل عنه عبد العزيز الخيّر شارحاً أن الغالبية العظمى من الموظفين في المؤسسات الرسمية وُظّفوا في العقود الأربعة الماضية على أساس الولاء لبعض الأمنيين النافذين، لا على أساس الكفاءة. وكلمة السر المعممة في كل المؤسسات هي «دبّر راسك». وبالتالي، افرض الخوّة التي تريدها على المواطن، حقّره كما تشاء، عذّبه، اسرقه. لك الضوء الأخضر. ويمكن المواطنين أمثال الفنان السوري يوسف عبدلكي أن يكتبوا الروايات عن معاناتهم اليومية، فبعد إهداره الأيام والأعصاب متنقلاً بين الإدارات الرسمية ليحصل على جواز سفر جديد من دون أن يرشو أحداً، قرر عبدلكي في النهاية أن ينسى جواز السفر ويتقدم بدعوى قضائية على معذّبيه.
يضيف الأمين العام للحزب الاشتراكي العربي الديموقراطي (في الكادر شرح مسهب عن هذا الحزب) حسن عبد العظيم سبباً رابعاً للحراك الذي تشهده سوريا هو «النهضة العربية الجديدة ذات الثقافة الإسلامية» التي تشهدها المنطقة. ووفق عبد العظيم، فإن للشعب السوري خصوصيته، لكنه ليس منعزلاً عن الثورة التي شهدتها إيران وأنتجت نظاماً ديموقراطياً، ولا عن تركيا حيث يحترم حزب العدالة والتنمية قيم الديموقراطية، ولا عن مصر وليبيا وتونس والبحرين. وبحسب عبد العظيم، فإن البيئة الحاضنة لما يقوله الرئيس بشار الأسد عن الإصلاح تتعارض كلّياً مع توجّهاته.
ما سبق يجعل من كل مواطن سوري، إلى أية طائفة انتمى، مشروع «بو عزيزي»، بحسب حسن عبد العظيم وعبد العزيز الخيّر ولؤي حسين وأسامة محمد ويوسف عبدلكي المعارضين للنظام السوري. أما المتخصّص في الشؤون الإسلامية المحامي محمد صياح المعراوي، فيضيف سبباً خامساً لحراك أبناء الطائفة السنية أكثر من غيرهم، وهو «الملامح الطائفية الاستفزازية». فوفق المعراوي، ليس هناك صدام طائفي في الشارع، والعلويون بما هم طائفة أبرياء. لكن هناك في النظام من يسهم في تبنّي المؤسسات الرسمية لمفاهيم مختلف عليها بين الطائفتين السنية والشيعية، وهناك من يستفزّ السنة و«يجاكرهم» عبر تسليط الضوء على كربلاء، ويشجع على قيام أبناء الطائفة الشيعية بزيارة مقام السيدة زينب بمواكب استفزازية بدلاً من ممارستهم لتقاليدهم دون استفزاز، وهؤلاء يفترض العمل على إبعادهم عن السلطة.

من يتحرك؟

حسن عبد العظيم ـــــ الناصري الذي تجاوز الثمانية والسبعين ـــــ يعدّ أحد المؤثرين في التحرك الذي تشهده بعض المدن السورية، ولا سيما في مدينتي المعضمية ودوما، والأخيرة كانت ولا تزال توصف بالقلعة الناصرية. لكن، رغم تأكيد بعض المصادر الأمنية السورية أن لعبد العظيم دوراً أساسياً في ما تشهده بعض المدن السورية، يشير الأخير إلى أنّ من يمثلهم، سواء بنحو مباشر أو غير مباشر، لا يتجاوزون نسبة العشرة في المئة ممن ينتفضون اليوم للأسباب السابق ذكرها. ويؤكد الناصري العتيق أن الأساس في رسم الحراك الحالي هم شباب غير منضوين في حزب أو حركة، ينشدون المشاركة الجدية في صناعة مستقبلهم على مختلف المستويات والإصلاح الاقتصادي. ويلقى هؤلاء الدعم من كل من: التيار «القومي ـــــ العروبي ـــ الإسلامي» الذي يسعى إلى نهوض الأمّة عبر مشروع جديد أساسه الديموقراطية، التيار اليساري الذي يتحمس غالباً للتغيير، والتيار الليبرالي الذي يتألف من صناعيين وحرفيين ومزارعين أُسقطوا من تحالف السلطة ورأس المال.
جار عبد العظيم، الإسلامي محمد صياح المعراوي يرى أن طغيان الإسلاميين في التحرك سببه أن «90 % من الشعب السوري هم مسلمون سنة، أما الأقليات فلا تؤلّف أكثر من 10%. والغالبية وسط السنة، ليسوا علمانيين». ويدافع المعراوي بحماسة عن مشاركة السلفيين في أي حراك في المنطقة، من منطلق الفهم الديني لهم بعيداً عن اتهامهم بالإرهاب، مستغرباً تركيز السلطة على مشاركة السلفيين في التحركات وكأنها عار.
ولأن التيار الإسلامي المنظّم مفكك في سوريا، يعتقد المعراوي أنّ سعي السلطة إلى اكتشاف البنية التنظيمية لمن يواجهها مستحيل، وكل سنيّ سيبقى متهماً في نظر السلطة حتى تثبت... إدانته، مع العلم أن الحضور السلفي في بعض المناطق قد يكون تجاوز دعاية السلطة نفسها، ومع العلم أيضاً أن السلطة أدّت دوراً كبيراً في الأعوام القليلة الماضية على صعيد تفريخ الجمعيات الإسلامية ودعمها. أما اللاعب الأقوى في الحراك الحالي، بحسب المعراوي، فهم العلماء الذين لديهم مآخذ كثيرة على النظام، وغالباً ما يحثّون المواطنين على اتباع الوسائل الهادئة والسلمية في التغيير.
حين توقف الباص ونزل منه عناصر الاستخبارات لخطف لؤي حسين بعد يومين على انطلاق التحركات في درعا، ظنّ الأخير أن زلزالاً قد حصل، رغم كونه قد أمضى سبع سنوات في السجن. اليوم، بعدما أطلقت السلطة سراحه لتؤكد حسن نيتها، يتابع الأخير عبر ناشطين في مختلف المناطق السورية ما يحصل، تفصيلاً بتفصيل. بعد نقاش، يوافق أن بعض التحركات يأخذ طابع نصرة السنيّ للسنيّ والعلويّ للعلويّ. ويوافق أن لا معالم واضحة للمعارضة الشبابية، نتيجة إعدام السلطة، على مراحل، المجتمع المدني السوري. من جهة أخرى، يسهم لؤي في إكمال الصورة عن المتحركين بالإشارة إلى تركز الاحتجاج على مناطق غنية بالتعاضد الاجتماعي، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً.
مع عبد العزيز الخيّر تتضح أكثر نظرة من يمكن وصفهم بالمعارضة السورية، للمتحركين: لكل منطقة ثوارها؛ الناصريون في دوما، صحيح. العشائر في درعا، صحيح. الشيوعيون في الساحل وبعض الأحياء المتاخمة لدمشق، صحيح أيضاً. إسلاميون يسعون إلى ركوب مختلف الموجات، صحيح. إسلاميون أكثر من الآخرين وأفعل وأقوى في بانياس وبعض حمص، صحيح. أما الأصح بالنسبة إلى الخيّر فهو: حراك شبابي لا يمكن أبداً اختزاله بحزب أو حركة ولا صبغه براية سوداء ولا حمراء.
يتناغم الخيّر نسبياً مع أسامة محمد. يقول الأخير إن لكل منطقة سورية أسلوب مواجهة مختلفاً وأدوات تغيير مختلفة وثواراً مختلفين (وسط أصدقاء أسامة من يعتقدون أن اعتكاف الدمشقيين والحلبيين في منازلهم هذه الأيام هو تعبير عن موقف). ويشدّد على أن النظام السوري كان يمتلك منذ البداية القوة والقدرة على حماية التحرك السلمي، لكنه دفع الأمور باتجاه يمكّنه من حماية «اللاتحرك». ويستعيد أسامة الصور التي شاهدها في الاعتصام السلمي الأكبر في مدينة حمص، ليؤكد أن الاعتصام لم يكن «دينياً ولا ضد ديني». أما لاحقاً فتحرك كثيرون بدافع إنساني ظناً منهم أن التضامن (سواء كان اجتماعياً أو إنسانياً أو طائفياً) سيمنع القتل.
بعد اكتمال الصورة، نسبياً، يشير الخيّر إلى تنبّه لاعبين أساسيين في الحراك الحالي إلى الخصوصية الطائفية في سوريا التي لم تكن موجودة في مصر ولا في تونس، فضلاً عن الصراع الوهابي ـــــ الشيعي الذي برز على أكثر من صعيد، بحسب الخيّر، في سوريا. لكن الشيوعي الذي سجن 14 عاماً يرى أن هتاف «واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد» يعلو على الهتافات الطائفية «الموجودة طبعاً». وفي السياق نفسه، يوافق الخيّر على وجود كلام طائفي وآخر يتناغم مع بعض الكلام الأميركي، لكن الاثنين لن يطغيا لتناقضهما مع الوجدان السوري. ويرى الخيّر أن من امتلك القدرة على المبادرة الشعبية (قبل اندساس المندسّين) يملك القدرة على تقديم ممثل عنه لمحاورة السلطة في الوقت المناسب.
واللافت أنّ المعارضين، على عكس السلطة، لا يرون أنّ كل ما يقوله خصمهم هو كذب وافتراء، فيوافق الخيّر على احتمال اندساس عشرة في تحرك يضم ألف مواطن، لكن وجود العشرة لا يفترض أن يسمح للسلطة بأن تبطش بـ990 مواطناً، في ظل إجماع المعارضين على السخرية من رواية السلطة القائلة إن مندساً تسلق ظهر مبنى رسمي وتمركز مطمئناً ليبدأ تصيّد المتظاهرين ورجال الأمن. بدوره، ينصح أسامة بتسهيل السلطة للتحركات السلمية فيتضح لها وللرأي العام، المندس من غير المندسّ.
بعيداً عن المندسين، في أحد الأحياء المتاخمة لدمشق القديمة، يمكن الوصول إلى مجموعة من الشباب العشرينيين، الذين يتابعون ما يحصل بشغف. خلفيتهم السياسية واحدة، أما الطائفية فمتعددة. يوزعون المهمات بإشراف أحد الرفاق المتقاعدين: البعض يتعرف حديثاً إلى ربه فيقصد الجامع لينادي بالاستعداد للذهاب إلى الجنة. البعض مشغول بالثورة الافتراضية والإعلامية وهي تؤتى ثماراً. والبعض يتحين الوقت المناسب ليؤدّي الدور المرسوم له. هؤلاء، وأعدادهم قليلة نسبياً في التحركات التي تشهدها سوريا، منظّمون جداً ويعتقدون أنهم يعرفون أكثر من غيرهم ماذا يريدون.

ماذا تريد المعارضة؟

المعارضة ــ الأكثرية لم يتح لها بعد فرصة التعبير عن مطالبها الحقيقية. ورغم أن التجارب العربية ولا سيما في تونس ومصر، أظهرت أن الحد الأدنى في مطالب المعارضة الشارعية هو إسقاط النظام، لا تبدو المطالبة بإسقاط النظام السوري واضحة وصريحة دائماً. ويصعب جداً تبيان المسافة التي تفصل بين المطالبة بإسقاط النظام لأسباب مذهبية (كما يحصل في بعض المناطق وأبرزها مدينة بانياس) والمطالبة بإسقاط النظام لأسباب أخرى. مع الأخذ في الاعتبار أن أغلبية المطالبين بالحرية، من سوريا، ما زالوا يحرصون على تحييد رأس النظام، الرئيس بشار الأسد، عن الانتقادات التي يوجّهونها الى النظام الذي دافع الأسد عنه بحماسة في خطابه أمام مجلس الشعب.
الناصري حسن عبد العظيم يقول حرفياً: «نحن لم ولن نرفع شعار إسقاط النظام. الناس يريدون نظاماً ديموقراطياً بدل النظام الشمولي. لكن العنف والبطش دفعا البعض إلى المطالبة بإسقاط النظام كتصعيد مضاد. نحن ننادي بإصلاح النظام، لا إسقاطه. منذ عام 1979، مطلبنا الحوار الوطني. نريد أن يكون الشعب مصدر السلطة لا البعث». وبذلك يتلاقى عبد العظيم مع الخيّر في نصف الطريق تقريباً: يطالب الأخير بتغيير تدريجي وسلمي وآمن، معلناً خشيته من استمرار الوضع الحالي الذي سيؤدي إلى تفكك حزب البعث وتفكك الجيش وبالتالي تفكك أسس الدولة. الأمر نفسه، يردده لؤي حسين: «لا نطالب أبداً بسقوط النظام لأن لا بديل منه، وسقوطه سيشكل خطراً كبيراً. نطالب فقط بتفكيك بنية الاستبداد = إعطاء المجتمع والدولة بعض السلطات السياسية». وبالتالي فإن المعارضين التقليديين، الناشطين إلى جانب معارضين جدد اليوم، لا يريدون أكثر من نظام يعترف بوجودهم كمقدمة لمحاورتهم. أما الاعتراف بالوجود، فيكون بتبنّي النظام لخمس خطوات تسبق الحوار، هي:
1– إلغاء قانون الطوارئ. 2– إقرار قانون الأحزاب. 3– إقرار قانون تنظيم الإعلام وتحريره. 4– وضع قانون انتخابات نيابية وإدارية يضمن حرية الانتخابات ونزاهتها. 5– تعديل المادة الثامنة من الدستور التي تتحدث عن «الحزب القائد» فيصبح الشعب هو المرجعية لا حزب البعث.
أخيراً، الابتسامة نفسها ترتسم على وجه الشيوعي والإسلامي والناصري واللاحزبي في نهاية كل حوار: «لم نعد وحدنا في العالم... السوري. مهما كابر النظام فسيجد نفسه مضطراً في النهاية إلى الجلوس معنا، إلى طاولة واحدة».




«وطِِّّ راسك» يا أخي

صوت المطر ينزل على... إترنيت الحميديّة. يمعن الحمام هديلاً. يضاف إلى وقع قدميَّ وقع أربع أقدام. ودون أن يوقفني، يطلب مني أحد الجارين الرفيقين، إبراز هويتي. لبنانيّ، عكاريّ، مواليد الشارقة، ملتحٍ ويتجوّل بالقرب من الجامع الأمويّ في موعد صلاة الظهر. هذا يجعل مني مشتبهاً في ضلوعه في زعزعة الاستقرار السوري... أو مشروع شاهد «إيجابي» على التلفزيون السوري. تسرع خطواتهم فتسرع أنت أيضاً من دون إدراك. يتساءل الجار الآخر إن كان الخط الهاتفي في جوالي، «ثريّا». تزداد المعدة إيلاماً والتهمة وضوحاً. نصل إلى الضابط، فيعرّم صدر الجارين. أما الريّس فلا يكلّف نفسه عناء الاستماع ولا النظر: «خذاه من وجهي». يأتي ثلاثة جدد. أحدهم زجرني صائحاً: ولاه حقير! الثاني «شنغلني» والثالث أفهمني أنّ علي التبسم حتى لا أثير انتباه الفضوليين. أتبسم ولا أثير الانتباه بينما الأول يرفسني، يدفشني، ويردّد بصوت عالٍ «ولاه» مع كلّ زفرة.
نصيحة أولى: حين يقول «المعلّم»: «وطِّ راسك»، ابلع بطنك وادحش رأسك بنفسك بين فخذيك، أو يضطر المعلم إلى فعل ذلك بالقوة.
نصيحة ثانية: حين يقول «المعلّم»: «غمّض عينيك». أغمضهما فلا تضطره إلى إلباسك كيساً أسود.
نصيحة ثالثة: حين يودّعك «المعلّم» بعبارة: «انقِبِر انطور هون ولاه». ابتسم فلا تضطره إلى شتم «أمّك وأختك وسليلتك».
لاحقاً، كان العميد أبو جاسم في فرع التحقيق أكثر من لطيف: مصغياً، متفهماً ومحاوراً. سُرَّ كثيراً بمناقشة الأوضاع السياسية في لبنان، فأوصى، مداعباً، بتكثيف اصطياد الاستخبارات السورية للبنانيين، لا لشيء إلا لأنهم... لبنانيون. يجوز عدّها معاملة بالمثل.
بالمناسبة: ليس على المؤسسات المعنيّة بحرّية الصحافة الاستنفار. دخلنا وخرجنا من دون إعلام أحد بهويتنا الصحافية.



عتب على حزب اللّه

وسط المعارضين للنظام السوريّ من يمكن التشكيك في وطنية خلفياتهم وحقيقة أهدافهم السياسيّة. لكن، هناك أيضاً كثر وسط الشيوعيين والناصريين والإسلاميين المعارضين ممن لا يمكن أبداً المزايدة على موقفهم في دعم حركات المقاومة والصراع مع إسرائيل والموقف من الولايات المتحدة.
لا يرى هؤلاء مبرراً لتوضيح مواقفهم اليوم بعد مراكمتهم لعقود القول والعمل. ويعتب بعضهم بشدة على حزب الله الذي أيّد الثورات التحررية في مصر وتونس والبحرين، ثم تبنّى رواية النظام السوريّ كاملة من دون أن يسعى إلى تصويب بعضها أو إلى نصح القيادة علانية بمحاورة شعبها بدل قمعه. وبحسب بعض المعارضين، فإنّ استخدام النظام صور الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله كلما اضطر إلى استقطاب الشارع، يفترض أن يدل حزب الله على طبيعة الشعب السوري المؤمن بالمقاومة. ويفيد التذكير هنا بأن الشعب السوري لا النظام، هو الذي استقبل النازحين اللبنانيين خلال حزب تموز. والشعب السوري، لا النظام، هو الذي يجد في المقاومة متنفساً يؤيده، مع العلم أن هدوء جبهة الجولان وموافقة النظام السوري على البحث في تسوية مع إسرائيل يمثّلان مادتين أساسيتين في انتقاد المعارضة السورية للنظام.
المهمّ، يقول أحد المعارضين، ألّا يكون حزب الله مقتنعاً بأن قانون الطوارئ والأحادية في كل شيء هما أساس الممانعة.



الاشتراكي العربي الديموقراطي


يعدّ حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي، بزعامة حسن عبد العظيم، جزءاً من الاتحاد العربي الاشتراكي الذي أسّس عام 1964 حين انصهر عدد من التشكيلات السياسية السورية ذات التوجه الناصري في حزب واحد (حركة القوميين العرب، حركة الوحدويين الاشتراكيين، الجبهة العربية المتحدة، الاتحاد الاشتراكي السوري). خلال السنتين 1965 و1966 انسحبت حركتا الوحدويين الاشتراكيين والقوميين العرب من الاتحاد العربي الاشتراكي، وفي العام التالي حدث انقسام داخل الحزب نجم عنه ظهور جناحين، الأول بزعامة جمال الأتاسي والثاني بزعامة اللواء محمد الجراح.
وفي عام 1968، تكرّس الاتحاد الاشتراكي كحزب بقيادة الأتاسي وأخذ صفته الراهنة، ثم انضم إلى جانب الاشتراكيين العرب وحركة القوميين العرب والبعث العراقي إلى جبهة معارضة لحكم صلاح جديد.
عام 1972، أعلن الحزب تأييده لحركة حافظ الأسد التصحيحية وأسهم في تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية وشارك في الحكومة، لكن في العام التالي انسحب الحزب من الجبهة بسبب الخلاف على المادة الثامنة من الدستور السوري الذي جرى الاستفتاء عليه في العام ذاته لأنها تنص على أن حزب البعث يقود الدولة والمجتمع والجبهة الوطنية التقدمية. وتعرّض الحزب إثر قراره هذا لانقسام ظل بموجبه فوزي الكيالي في الجبهة تحت الاسم، وتحوّل جناح الأتاسي إلى حزب معارض يقوده حالياً حسن عبد العظيم.