بيت لحم| زوار بيت لحم من السياح الأجانب أو الفلسطينيين من مدن أخرى، يعانون الأمرّين لمجرد التفكير في التوجه نحو زيارة المدينة المقدسة، لكونها محاطة بـ59 معبراً وحاجزاً عسكرياً إسرائيليّاً، وتسع عشرة مستوطنة إسرائيلية تخنق المدينة من اتجاهاتها الأربعة، بينما يلفها الجدار العنصري من كافة الجهات على نحو دائري، لتصبح من أصغر المدن الفلسطينية، التي لا يمكن أن تدخلها من دون أن ينغص الاحتلال وجنوده زيارتك إيّاها، حتى لو كانت هذه الزيارة من أجل إقامة طقوس دينية، والاستمتاع بوقتك في العيد.


هذا فقط لزوار المدينة. أما عن سكانها من الذين يريدون مغادرتها للوصول إلى القدس المحتلة لزيارة قبر السيد المسيح في العيد، فإن الاحتلال يقف عائقاً أمام إعطاء التصاريح اللازمة. ووفق السياسة الإسرائيليّة المتّبعة، فإن سلطات الاحتلال، في الغالب، لا تمنح تصاريح لكل أفراد العائلة، وبالتالي فإن معظم السكان لا يستخدمون هذه التصاريح، أولاً لأنهم لن يكونوا معاً، وثانياً بسبب إجراءات الذل والتفتيش على الحواجز الإسرائيلية.
في ظل هذه الأجواء، فإن بيت لحم، التي تدعى مدينة «المهد»، تستعد بارتباك شديد لاستقبال عيد الفصح، لأن أنّات الجراح لا تزال تعلو، وآلام المخاض في ازدياد مطّرد، ولا سيما أن المدينة وأهلها يعيشون على السياحة الدينية منذ القدم، وتحديداً على الحجيج المسيحي، وحتى الإسلامي منه، الذي يأتي لزيارة القدس، فيمرّ في بيت لحم.
الاحتلال الإسرائيلي يحاول دائماً طمس كل ما هو فلسطيني، ويحول دون دخول عدد كبير من السياح إلى المناطق التي تقع تحت السيطرة الأمنية الفلسطينية بحجة أنها غير آمنة. فقد نجحت الإجراءات العسكرية الإسرائيلية في تغيير وجهة العديد من الوفود السياحية، والحيلولة دون مبيتهم في بيت لحم، واقتصار زيارتهم للمدينة على كنيسة المهد خلال ساعات النهار، والعودة بسرعة إلى القدس المحتلة بحجة أنها أكثر أمناً، وبالتالي فإن هذه الأعداد من السياح لا تنفق الكثير من المال في المدينة، ما يعني المزيد من الخسائر لقطاع السياحة.
ويشرح جريس قمصية، من وزارة السياحة الفلسطينية، أكاذيب الاحتلال، الذي يزعم في كل مناسبة دينية تقديم تسهيلات لبيت لحم وزوارها، فيعلن رفع بعض الحواجز المحيطة بالمدينة، لكن الحقيقة هي أن هذه الحواجز تعرقل حركة الحافلات التي تنقل الحجاج والزوار القادمين من خلال إجراءات تفتيش طويلة، ما يدفعهم إلى التفكير طويلاً قبل أن يقرروا هذه الزيارة.
مع نهاية العام المنصرم كان قد وصل إلى بيت لحم أكثر من مليون وثمانمئة ألف سائح، بحسب قمصية. وهو رقم بالغ الأهمية للمدينة وأهلها، ويمثّل حافزاً نحو مزيد من النمو الاقتصادي للمدينة. ويضيف إن «هؤلاء السياح هم من الجنسيات الأميركية بالدرجة الأولى، وتأتي بعدها الروسية وسائر دول الاتحاد السوفياتي السابق، ومن ثم من مختلف أنحاء أوروبا، وتليها دول آسيا كالفليبين وإندونيسيا، وأفريقيا».
ازدياد عدد الزوار قد لا يعني رخاءً للمتاجر التي تعيش على السياحة في المدينة، ولا سيما أن الشركات السياحية، التي تأتي بهؤلاء الزوار، تكون في الغالب إسرائيلية، وبالتالي فهي تسعى ما أمكن إلى تقليص فترة البقاء في بيت لحم، وتؤطّره ضمن زيارات معدّة سلفاً، وخصوصاً إلى كنيسة المهد، من دون أن يتضمّن برنامجها، على سبيل المثال، جولات موسعة في أحياء المدينة القديمة.
كمال توفيق، الذي يمتلك مصنعاً لتحف خشب الزيتون في بلدة بيت ساحور المجاورة لبيت لحم، يشير إلى أنه يعمل في المهنة منذ أن كان عمره ثمانية عشر عاماً، أي قبل أربعين عاماً. كمال يقول إن «الوضع السياسي يؤثر على السياحة في المدينة المقدسة إلى حد كبير، فما شهدناه ونشهده من تصعيد إسرائيلي على غزة، ينعكس على الحجوزات الخاصة بالحجاج المسيحيين على نحو كبير، في فنادق المدينة».
ما يحدث في الشرق الأوسط برمته يؤثر في السياحة في الأراضي المقدسة، يؤكد كمال، فمنذ انطلاقة الثورة التونسية، وما تبعها من ثورات في الوطن العربي، أُلغيت رحلات الكثير من الوفود السياحية والدينية. ويضيف، بتنا أقرب إلى الجلوس وحساب الخسائر، بعدما كنا ننتظر موسماً دينياً مهماً لا يمر علينا سوى مرة في العام.
رغم ذلك فإن أهالي بيت لحم لا يفكرون إلا في السياحة، ما أثمر افتتاح ثلاثة فنادق جديدة في المدينة، إضافةً إلى متاجر ضخمة للتحف ومخصصة للسياح الأجانب لا للمحليين من أهل المدينة.
وفي ظلّ اضطراب السياحة الخارجية، سواء بفعل الأوضاع السياسية أو القيود الإسرائيلية، فإن بيت لحم تحاول باستمرار العزف على وتر السياحة الداخلية، من مسيحيي الضفة الغربية، والمسيحيين داخل الخط الأخضر في فلسطين المحتلة عام 1948، الذين يأتون لقضاء عطلة الأعياد في المدينة، يبيتون فيها، ويتسوقون منها لأن أسعارها رخيصة مقارنةً بالأسعار في إسرائيل.
وزارة السياحة الفلسطينية أطلقت، في الفترة الأخيرة، حملة إعلامية في محاولة منها لترويج فعاليات مدينة بيت لحم وكل ما يجري فيها من نشاطات، هذه الحملة تأتي بالمشاركة مع القطاع الخاص المحلي للترحيب بزوار المدينة، وتشجيع السياحة الداخلية، ومحاولة إقناع السياح الأجانب بالمبيت في بيت لحم والتمتع بفعالياتها الليلية.
عيد الفصح في بيت لحم هذا العام قد يقتصر على الشعائر الدينية، رغم كل المحاولات لإبقاء قطاع السياحة بشكله الحيوي. وعلى هذا الأساس فإن كل الاستعدادات الجارية لاستقبال العيد، تنظَّم بخجل شديد بسبب الجراح النازفة في فلسطين والعام العربي، والأخرى التي لم تندمل بعد، من كل حدَب وصوب.




اجتياحات وانتهاكات


كأن الحصار غير كافٍ، لتُرفِقه قوات الاحتلال باجتياحات عسكرية، على غرار ما حصل أمس، حين توغلت قوة عسكرية إسرائيلية بحمولة ست آليات الى عدة مواقع في محافظة بيت لحم من محاور عدة، حيث جابت بلدة الدوحة وشوارعها المختلفة، وكذلك الشارع الرئيس في القدس ـــــ الخليل المحاذي لمخيم الدهيشة، والشارع الرئيس في مدينة بيت لحم.
ويأتي التوغل، بعدما نُظّمت جولة ميدانية لوفد من مجلس الكنائس العالمي لبعض قرى محافظة بيت لحم، التي تأثرت بالجدار والاستيطان. وأطلع عوض أبو صوي، مسؤول وحدة مناهضة الجدار والاستيطان في وزارة الزراعة لجنوب فلسطين، الوفد على الانتهاكات التي تمارسها دولة الاحتلال ومستوطنوها ضد أراضي المزارعين الفلسطينيّين.
يذكر أن مجلس الكنائس العالمي يعدّ من المؤسسات الدولية، التي تُعنى على نحو كبير بمتابعة ورصد انتهاكات دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيّين.