بيت لحم| هي قرية الولجة الفلسطينية، التي لا يزيد تعداد سكانها على 1500 نسمة، وتقع إلى الجنوب الغربي من مدينة بيت لحم وسط الضفة الغربية، تقع القرية وسط غابات من الصنوبر والزيتون وكروم العنب، وعلى مشارف القدس المحتلة، تحيطها العديد من المستوطنات التي أقيمت على حساب أراضيها، ويمر أسفلها قطار القدس الإسرائيلي، الذي يربط مستوطنات الخليل في جنوب الضفة بالقدس المحتلة ومدن أخرى.


حالما بدأت إسرائيل بإقامة جدار الفصل العنصري، صودر ما بقي من أراضٍ زراعية لهذه القرية. لم تكتف إسرائيل بذلك، بل شرعت بهدم عدد كبير من البيوت الواقعة على مسار هذا الجدار، بحجة الأمن ومنع عمليات المقاومة الفلسطينية.
منزل المواطن عطا الله أبو رزق كان من بين البيوت التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي دون سابق إنذار. يروي عرفات أبو رزق، نجل عطا الله، كيف حضر الجيش الإسرائيلي ذات يوم وطلب منهم إخلاء المنزل خلال ساعة، وأمرهم بأن يهدموا البيت بأيديهم، وإلا فسيضطرون إلى دفع تكاليف الآليات العسكرية الإسرائيلية التي ستحضر للهدم.
رفضت العائلة الامتثال للإخلاء، فهدم المنزل على ما فيه ولتجد العائلة نفسها في العراء، قبل الانتقال إلى استئجار منزل في مخيم الدهيشة في بيت لحم. ومنذ ذلك الحين وهم يحاولون بناء منزلهم والعودة إلى أرضهم، لكن الفقر المدقع كان دائماً حائلاً دون إتمام ذلك.
بعد سبع سنوات جاءت فرصة إعادة البناء عبر مؤسسة «هولي لاند ترست» الفلسطينية، التي تعمل على تعزيز الصمود وتعميم أساليب المقاومة اللاعنفية. المؤسسة، التي تركّز في برامجها على «إعادة بناء منازل هدّمها الاحتلال الإسرائيلي»، وصلت إلى عائلة أبو رزق في الولجة، وعلمت بأنها أسرة فقيرة تتكون من الوالد المصاب باضطرابات نفسية ازدادت بعد عملية الهدم، والوالدة، وابنهم المتزوج ولديه ثلاثة أطفال، وجميعهم كانوا يعيشون في المنزل المهدوم، الذي لم تكن مساحته تتجاوز غرفتين فقط.
بدأت «هولي لاند» بإرسال نشرات إلكترونية عن بناء المنزل لاستقدام متطوعين أجانب للمساعدة على البناء، وللحصول على التمويل. وبالفعل حضر إلى القرية فريق بريطاني، بعدما استطاع جمع 25 ألف دولار أميركي، لتبدأ عملية البناء المحفوفة بالمخاطر، لأن الجيش الإسرائيلي قد يصل في أي لحظة ويعاود الهدم.
جاكوب، ابن السبعة عشر عاماً، أحد القادمين من بريطانيا مع والده، تحدث لـ «الأخبار» عن هذه التجربة، وعن قراره القدوم والمشاركة في بناء المنزل. بالنسبة إليه هذا عمل تطوعي وله قيمة إنسانية من الدرجة الأولى، ذلك أن القصة مأساوية وتؤشّر إلى غياب العدالة عن الأراضي الفلسطينية، سواء في فكرة هدم المنازل، أو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عموماً.
ورغم مرور أيام قليلة فقط على وجود جاكوب في الضفة الغربية، يؤكّد أن «عقله لا يزال يرفض قبول كل ما يجري حوله على الأرض، من ظلم وقهر، وخاصةً ونحن نتحدث عن أطول احتلال في العالم».
متطوع بريطاني آخر يدعى سايمون، كان مشاركاً في أحد المهرجانات الثقافية والفنية التي تقام في بريطانيا، وكان هناك الكثير مما يمكن قراءته عن فلسطين، وبين تلك الأوراق كانت نبذة عن بناء بيت هدمه الاحتلال الإسرائيلي، ما عدّه سايمون «إلهاماً» كافياً للقدوم والمشاركة في عمل كهذا.
تحدث سايمون عن فكرة أن تكون بعيداً، ولا تملك أكثر من القراءة عما يجري في فلسطين، وسط شعور بعدم القدرة على فعل شيء لهؤلاء البشر، «فقررت القدوم والمشاركة لأن مثل هذا العمل يعدّ بمثابة هدية خاصة جداً بالنسبة إلي، في محاولة لخلق بصيص من الأمل وسط دائرة السواد التي تسكن هذه المنطقة».
الأمر أصبح جزءاً من ثقافة الشعب الفلسطيني، فبعيداً عن المتطوعين الأجانب، والأموال التي تأتي لدعم بنائه مجدداً، تشارك الكثير من الشركات الفلسطينية في عملية الإعمار، بالتبرع بمواد البناء كالحجارة، والحديد، والإسمنت، وغيرها الكثير، ومنها من يتبرع بمبالغ مادية رمزية.
«مهما هدموا سنواصل البناء، وسنحافظ على أرضنا لأنها عرضنا»، هكذا وصف الفكرة لنا عرفات أبو رزق، الذي يستذكر كيف قضى في سجون الاحتلال سبع سنوات من عمره، بينما شقيقه الآخر لا يزال في الأسر، وكيف أنه يعلم علم اليقين معاني العطاء للأرض، وكافة أنواع المقاومة، «وبالتالي من غير الممكن التنازل عن منزلنا وأرضنا».
عرفات يقول «إنْ لم أستطع الحفاظ على المنزل والأرض لأجلي أنا وعائلتي ووالدي، فليكن أنني أفعل ذلك لأجل أطفالي والأجيال القادمة برمّتها، لأن القضية ستستمر في سعي إسرائيل إلى سرقة المزيد من أرضنا».
جنود الاحتلال واستخباراته كانوا حاضرين في المكان يراقبون كل حجر يوضع، ويصوّرون كل المتطوعين تمهيداً لمنعهم من دخول فلسطين مرة أخرى. ثلاث سيارات عسكرية أغلقت الطريق المؤدي إلى المنزل، لكنها لم تستطع منع مواصلة العمل، وتحقيق حلم أسرة كان لها منزل باستعادته مجدداً، والحفاظ على أرض من المصادرة والسرقة.




بالنسبة إلى جمعية «هولي لاند ترست» فإن عملية بناء المنزل لها رمزية كبيرة لتثبيت السكان في الأرض، وتعميق قدرة الشعب على الصمود والمقاومة على أرضه. بهذه الكلمات تحدث سامي عوض، مدير «هولي لاند ترست» عن إعادة بناء المنزل، مؤكداً أنّ تكرار الهدم يعطينا المزيد من العزم على المواصلة، لأن الأمر غير مرتبط بمنزل أو عائلة، بل بأرض نحميها، فإسرائيل تنتظر أن نستسلم، وإن حدثت هذه اللحظة فإننا نكون قد سلّمنا الأرض بأيدينا.