العودة، إن كانت هناك عودة، فإلى جمهورية الأسرار. كهنة مقدسون، يجلسون في غرف وراء أسوار عالية، ويقررون مصير البلاد. أما الرئيس المخلوع حسني مبارك فلن يعود، لا هو ولا حاشيته.

الحاشية في مأزق يشبه الفئران المتعايشة من ذعر الاصطياد، وفي الوقت نفسه تمارس غريزة القوارض في هضم كل ما تستطيعه داخل المعدة الصغيرة، استعداداً لحياة طويلة في الجحور.
قوارض كانت ديناصورات قبل قليل، ومع الشعور باليتم استبدلوا الغرائز ليستطيعوا استكمال الحياة في ظل مطاردة ورغبات حارقة في الانتقام من شعب عاش خوفاً طويلاً وشعوراً بالضعف في مواجهة جبروت السلطة.
I
الفئران مصدر خطر صحي ونفسي؛ لأن تلك الكائنات المختفية، المنظمة التي تتوالد بسرعة مذهلة، تهاجم الحياة والحصاد هجوماً قارضاً لا خاطفاً. الفئران مصدر للخوف والخديعة. خوف من انتقال الأمراض وخديعة لصوص يعيشون في الجوار، في جحور غير مرئية ويقومون بطلعات منظمة تقرض الطاقة الحيوية من دون رجوع. تحفر لها مسارات تحت الأرض.
وهذا ما يحدث تقريباً في بنيان الدولة كلها. فئران السلطة تحفر طريقها بحرفية قوارض طوّرت جيناتها للاستيلاء المنظم على البناء من دون أن تشعر أصحابه بأن هناك عصابات كاملة تحت الأرض.
هذا ما يخيف شعباً انتصرت قوته الثورية، لكنه يعيش مع انهزامية مقيمة، وأساساً مع عدم التنظيم، وغياب التصور والمرجعيات. يتضخم الخوف لديه ويتحول إلى حالة مرضية، أو ذعر، تعلو فيه أصوات الهواجس على أصوات العقل، وجلد الذات بدلاً من التفكير، والخوف من أي حركة مباغتة من مصادر السلطة القديمة، بدلاً من المواجهة.
حالة خطيرة، وخصوصاً مع انتشار طبعات مختلفة من أيتام مبارك. ليسوا الفئران التي كانت ديناصورات فقط، بل القوى المعارضة التي دخلت ميدان الثورة بكامل عجزها، وبعد فورة الانتصار، فوجئت بأنها لا تستطيع الحياة من دون مبارك وألعابه.
القوارض أيتام فاعلة في الهدم، أما فلول المعارضة العاجزة فإنها فاعلة في إعادة بناء جمهورية الأسرار من جديد، لكن بطبعة تعترف بحقهم في التلصص على ما يحدث خلف الكواليس. جمهورية الأسرار تقوم على إخلاء الميدان من الثورة، وترفع شعار: «اتركونا نعمل في هدوء... الخير كله معنا». يريد الجيش أن ينتظر الخير من أعلى، بينما الثورة تريده من أسفل، بناء ديموقراطي لدولة لا يحكمها كهنة يملكون الأسرار وحدهم.
II
الجيش يريد تنظيف البيت. هذه بوابته لدخول التاريخ، مؤسسة بيضاء تحمل حلم الشعب بالديموقراطية على دبابتها، وتحجز موقعاً سرمدياً في تكوين «نظام جديد». إيقاع الجيش بطيء، لكنه أسرع من الثورة الحائرة في الميدان، لا تعرف ماذا تفعل بالحرية.
الجيش أسرع يعمل آلياً لمصلحة فرض السيطرة على الجميع، لكنه لا يملك كل أسرار النظام، والنظام نفسه بلا مؤسسات ولا قوى يمكن الجيش الاستعانة بها في الحكم وإدارة «الدولة»، التي تشبه الدول لكنها غير موجودة. فلا مؤسسات تشريعية ولا قضاء مستقلاً ولا جهاز سياسياً فعالاً، ولا كوادر إدارة يمكنها إنقاذ المرحلة الانتقالية.
وهذا بالطبع أكثر إرباكاً لعملية توفيق «الثورة» مع «الاستقرار»، فيتأخر الإعلان الدستوري، بعدما كان مرفوضاً، وتتأخر قوانين خاصة بإنعاش الحياة السياسية (قانون الأحزاب ومباشرة الحقوق السياسية).
التأخير هنا لأن إرادة إصدار القوانين تقوم على التوفيق، لا تطهير النظام. توفيق يعطي فرصة للثورة المضادة لأن تفقد فاعلية الثورة بالتدريج. الثورة في مرحلتها الحالية من المفروض أن تتيح سيطرة لعناصر الثورة على الثورة المضادة، وإرادة عملية الانتقال كلها تجري لكي تؤخر عملية السيطرة، أو تكون السيطرة بدرجة أقل، أو بعد إنهاك الثورة إلى درجة تجعل من السيطرة منزوعة الفعالية.
III
يحاول الجيش في البداية استيعاب القوة المنظمة (الإخوان المسلمون)، لكي يخفف وقع التصادم، وتقوده القوة نفسها إلى تصادم من نوع مفاجئ: هل تحالف الجيش مع الإخوان؟ وكيف يمكن تخيل التحالف بين الجيش والجماعة؟ هل هو تحالف ضد التاريخ العدائي بينهما؟ أم تحالف بين القلب المحافظ في مؤسسة الجيش العلمانية وقلب الجماعة المفتون بالدولة وقوتها؟ لا أحد يسأل بالتفصيل، فالذعر يحكم إيقاع الحركة، والجيش يريد السيطرة لا مزيد. والإخوان يريدون عبور الحاجز بين الحظر والشرعية، وقوتهم لا تسمح بعبور آمن، والاعتراف بهم أربكهم، وأخرج سلطويتهم النائمة ليتصوروا أنهم قادة الثورة، وأن هذا زمنهم ولا صوت يعلو فوق صوتهم.
ولم يعرفوا أن صوتهم اختلط في الشارع مع أعدائهم التقليديين: الحزب الوطني والسلفيون.
أصبح الإخوان مع السلفيين في مركب الفاشية الدينية. ومع السحرة القدامى في الحزب الوطني الذين يريدون استحضار شبح مبارك من جديد. وهنا أدركت غريزة الإخوان أنهم لا بد من العودة إلى التحالفات القديمة. لا بد من العودة إلى ما قبل الاستفتاء.
«الإخوان» دخلوا في مرحلة دفاع وتبريرات خلال لقاءات طوال الأسبوع الماضي، ومع حلفاء ما قبل سقوط مبارك من قوى سياسية (في الجمعية الوطنية للتغيير والبرلمان الشعبي وغيرها). حاول الإخوان تغيير «صورة الفاشي الديني الذي يركب على دبابة ميري». لكنهم غرقوا في التبرير بدون موقف علني ضد اللعب بالدين. ورغم الزهو يدفع الإخوان اليوم لعنة الانتصار في الاستفتاء.
IV
محمد، حامل النار للشيشة سأل بابتسامة: «يعني كده الإرهابيين ها يحكمونا؟». تلخيص مذهل لم يجد صاحبه إجابة، بل سؤال: «ماذا قلت في الصندوق؟». اتسعت ضحكة محمد ممزوجة بسخرية: «لم أقل لا ولا نعم. لكن عمدة بلدنا أجبر كل أهلها على أن يقولوا نعم، وإلا فسيدفعون غرامة 600 جنية. وأنتم تعرفون ماذا يعني هذا المبلغ في قريتنا». ضحك وارتفعت نبرة سخرية، لم نعرف إلى من يوجهها: «والله لو كنت في البلد، لكنت قد أوقفت العمدة عند حده».
حامل النار التقى مع شريحة كاملة من المجتمع المصري، بينهم ثوار، أو حتى من طوابير «نعم» المكتسحة، كلهم جمعهم فزع أو ذعر: «طيور الظلام يحكمون».
السلفيون شاركوا في الفزع. أقاموا الأفراح، وأعلنوا على لسان أحد نجوم دعاتهم أنها «غزوة الصناديق». السلفيون غير مسيسين، وغير قادرين على تطوير حركة سياسية. إنهم يقفزون على دراجة نارية اشتعل وقودها وتحركت بالفعل، ولا يعملون إلا من خلال أزمة.
الأزمة أشعلها الإخوان، وصرخوا: «إنها حرب على المادة الثانية». والسلفيون قفزوا عن الدراجة النارية المسرعة وأشعلوا فتيل حرب إنقاذ الإسلام. وهذه الحرب حققت أهداف جهات، أكبر من مشعلي الحرائق، الجيش تأكد من سيطرته، والحزب الوطني تأكد أنه قادر على التسلل باسم الجماهير ما دام جمهور الثورة غادر الميدان، وأصبح الكلام باسم الثورة مباحاً للجميع.
وهنا التقت الأوهام في حزمة واحدة، أوهام الإخوان بقدرتهم على القفز منفردين، وأوهام الثورة بأن الجيش سيغادر سلطويته كما غادر كل مشارك في الثورة موقعه، وأوهام السلفيين أنهم أصبحوا رقماً سياسياً رغم تاريخهم في خدمة أمن الدولة، وأوهام الحزب الوطني في أن عصره سيعود. اللحظة معقدة، وخاصة في ظل حالة الذعر التي تضخّم الأحداث، وتجعل من خطبة شيخ مشهور بالفرقعات الإعلامية إعلان قوة عندما يقول إن «الشعب عاوز دين... اديلو دين واحنا بتوع الدين» و«اللي موش عاجبه يسيب البلد».
السلفيون ينتحرون مبكراً جداً، ويمنحون الإخوان فرصة جديدة للدخول في التحالف مع قوى السياسة التقليدية (الأحزاب القديمة والجمعية الوطنية للتغيير مثلاً) في سبيل تكوين حائط صد يحمي الجماعة، ويمنح القوى السياسية زخماً تنظيمياً في مواجهة الزمن القصير.
الزمن هو لعبة الثورة إذاً وقوتها.
V
الثورة لا تبحث عن فرصة، بل عن موقع يضمن لها البقاء في الملعب. الثورة تحتاج إلى تنظيم نفسها في نقابات قوية ومستقلة، وأحزاب تعبّر عن مصالح قوى اجتماعية، ومؤسسات إعلام تحمل إفكاراً ثورية. مواقع الثورة هي سر حمايتها، واستمرارها في طريق بناء نظام ينهي الإقطاع السياسي لأن الثورة لن تنتهي غداً.