قد يكون عدد ضحايا الثورة على نظام حسني مبارك 140 (حتّى الآن)، غير أنّ النظام قتل خلال 30 عاماً ملايين النفوس بسياسات الإحباط المعيشي وتدمير الأرواح، عبر تجويع المصريين وسجنهم في مجتمع خائف.

الجانب الاقتصادي ـــــ الاجتماعي من الانتفاضة على مومياء بلاد النيل أساسي جداً، وكلّما كانت النتائج المالية والاقتصاديّة وخيمة، بات يجدر بالثوّار في القاهرة والإسكندرية وحتّى السويس، مروراً بالصعيد، أن ينتشوا بتداعي منظومة فساد اقتصادي وأخلاقي، تُقدّم نفسها على أنّها ترعى بلاداً مستقرّة، تستقبل السياح في جنان على البحر الأحمر، وتُقدّم للشركات الطموحة سوقاً هائلة.
لعلّ أكثر ما يثير السخرية في تأليف الحكومة الجديدة أمس، كان التصريح السريع لوزير المال فيها، سمير رضوان. فهو هوّل على بلاد النيل والعالم بأنّه يتوق إلى تولّي «مهمّة قوميّة في ظروف دقيقة»، طبقاً لما نقلته عنه وكالة «رويترز». لم تتسنّ معرفة ما إذا كان لسلفه يوسف بطرس غالي رد فعل أو تعليق معيّن أو توصيات تمثّل مدماكاً إضافياً في المهمّة الهرقلية. لكن ليس مهماً ذلك أبداً، فرؤية النظام للمجتمع اتّضحت منذ وقت طويل، وتحديداً منذ تبيّن أن القائد الوطني العروبي وبطانته ليسوا إلّا مرتزقة ووكلاء لمصلحة مشروع تدجين الشعوب.
على أي حال، ليس خافياً على أحد أنّ التحدّيات الاقتصادية والمالية التي تواجه مصر في هذه المرحلة كثيرة، وستكون أكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة، إذا سلّمنا بأن المومياء ستندثر وأنّ نظاماً جديداً سينبعث من رماد النيران المشتعلة.
حالياً، جميع الأعمال في مصر متوقّفة عملياً مع توقّف الإنترنت بالدرجة الأولى، وتوقّف عمل المرافق العامّة، حيث تعلق حاويات البضائع في المرافئ، وتتعطل التجارة مع الخارج. كذلك هي حالة الروافع الاقتصاديّة الأخرى التي تدعم أرقام النظام. ومنطقياً لا بدّ من خسائر حتميّة يجب تكبّدها لكي يتحقّق الانتقال.
من بين تلك الخسائر قرار مؤسّسة التصنيف الائتماني، «Moody’s»، خفض تصنيفها للدين السيادي المصري ولأفق الأداء الاقتصادي عموماً، غداة خطوة اتخذتها وكالة «Fitch». كذلك ارتفعت كلفة التأمين على الديون السياديّة الصادرة من مصر (والمنطقة)، وبينما الشركات والبلدان تجلي موظّفيها ورعاياها تخوّفاً من المرحلة، واستعداداً لما بعدها. وهنا يُشار تحديداً إلى قرار الشركات الأوروبية المنتجة للنفط وقف أعمالها وسحب موظّفيها...
في هذا الإطار، يبدو من المجدي النظر إلى تأثير التحوّلات التي تحدث في مصر على محيطها؛ فمنذ الأسبوع الماضي ساد عدم اليقين في بيئة المستثمرين، وازداد الطلب على «الملاجئ الآمنة» في السوق. ويتزايد زخم هذا التأثير تزامناً مع التحوّلات اليوميّة التي تشهدها البلاد. فأسواق المال الخليجية تشهد نوعاً من الخوف وتتراجع مؤشّراتها. أمّا الأهمّ، فهو تأثير ثورة النيل على سوق النفط، حيث وصل سعر برميل الوقود الأحفوري في بورصة لندن (Brent) إلى عتبة 100 دولار، وذلك للمرّة الأولى منذ عام 2008، حين اندلعت الأزمة المالية العالمية. ففي ظلّ المنحى الصعودي المسجّل منذ فترة، تخطّت عقود النفط الحاجز النفسي حيث تنظر الأسواق بقلق إلى قناة السويس التي يمرّ عبرها النفط من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسّط، كذلك تمر عبرها نسبة 8% من التجارة الدولية عبر البحار. لكن هذا النوع من الخسائر والتحوّلات لا يعني شيئاً أمام الاستحقاق الذي تعيشه البلاد حالياً، تماماً كما لا يعني الكثير معدّل القيمة السوقية للشركات المدرجة في البورصة إلى الناتج المحلّي الإجمالي، من منظور الأمن والاستقرار الاجتماعيّين ومستوى الرفاهية. فالشعب يعي تماماً أنّ قرار حسني مبارك تأليف حكومة جديدة تكبح معدّلات التضخّم (ارتفاع الأسعار) وتحافظ على الإعانات الطاقويّة والغذائيّة، ليس إلّا مناورة جديدة لا خير فيها سوى تملّق شعبوي يعتمده النظام.
في هذا السياق تحديداً، يندرج كلام وزير المال «الجديد»، فحجم الاقتصاد المصري لا يتجاوز 217 مليار دولار بمعدّل حصّة للفرد من الناتج عند 2700 دولار، بالمقارنة مع 8500 دولار في لبنان. ومثلما هي عليه الحالة اللبنانيّة، تعيش مصر تفاوتاً حاداً في المداخيل، ولا تحتاج بلاد النيل في هذه المرحلة إلى مهندس من النظام ليتحدّث عن مراحل مالية دقيقة، ولا سياسات تقشّف أو دعم اجتماعي، بل اقتلاع لجميع جذور التجربة الثلاثينيّة ورموزها وعكس جميع المؤشّرات التي أدّت إليها.
باختصار، ليست المهمّة الآن التوقف أمام المؤشّرات المالية والاقتصاديّة في مصر والمنطقة، بقدر ما يجب قراءة الحراك الشعبي الذي تحفّزه الدواعي الاقتصاديّة والديموقراطيّة، على نحو مختلف وتأثيره على صوغ مستقبل جديد لهذه البلاد العربية، عنوانه النموّ الاقتصاديّ والحريّة لمصلحة الجميع.




«اقتصاد إسرائيل قوي»

قال محافظ بنك إسرائيل المركزي ستانلي فيشر، أمس، إن الاقتصاد الإسرائيلي قوي بدرجة تمكنه من تجاوز الاضطرابات الحالية في الأسواق الناتجة من الاحتجاجات الواسعة في مصر. وأبلغ فيشر مؤتمراً يبحث التحديات الأمنية التي تواجه الدولة العبرية بأنه «سيتعين علينا أن نتصدى لما حدث في الأيام السبعة الماضية. اعتقادي أننا لدينا الاقتصاد والسياسات التي ستسمح لنا بأن نتعامل مع تحديات المستقبل».
وقال فيشر إنّ من المرجح أن يعدل المصرف المركزي الإسرائيلي في الأسابيع القليلة المقبلة تقديراته للنمو لعام 2011 من مستوى حالي يبلغ 3.8 في المئة بعدما حقق نمواً أقوى من المتوقع في 2010 بلغ 4.5 في المئة.
(رويترز)