13 خزانة لعرض التحف الفرعونية تحطمت، مومياءان مُزقتا بعد «استئصال» رأسيهما، كنوز الملك توت عنخ أمون تضررت وتحطمت على الأرض، مركز بيع نهب تماماً. تلك كانت الحصيلة الأولية لأعمال التخريب التي تعرض لها المتحف المصري في القاهرة ليل الجمعة والسبت الماضيين بعدما دخله 10 سارقين.


هذه التصريحات أدلى بها زاهي حواس
، المدير العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية (الذي عين وزيراً لوزارة الآثار التي تألفت البارحة في مصر). تصريحات حواس أتت على موقعه على الإنترنت، وهي بالطبع لا تخلو من المشاعر الشخصية وصعوبة تحرك حواس في مصر بسبب منع التجوال! يقول حواس: «نهار الجمعة دخل حديقة المتحف آلاف المتظاهرين، ولم يكن هناك من يمنعهم؛ لأن المتحف لم يكن محروساً جيداً. فدخلوا المطعم ومكتب بيع الهدايا التذكارية ونهبوا كل ما يحويه.10 أشخاص فقط تمكنوا من دخول المتحف بعدما عثروا على سلالم الحرائق المثبتة على الجدران الخلفية، فكسروا الزجاج واستعملوا الحبال للوصول إلى القاعات، مع العلم بأن علوّ سقف المتحف يصل إلى أربعة أمتار. دخلوا القاعات وبدأوا عملية تخريب للواجهات، وحطموا تمثالاً لتوت عنخ أمون». حواس يتوقف عن الشرح، مؤكداً أنه يمكن ترميم القطع لأنها بقيت مكسّرة داخل المتحف ولم تخسر أجزاءً منها. لكن ما لا يتطرق إليه حواس هو مصير المومياءان اللتان استأصل السارقون رأسيهما. فهو لا يحدد هويتيهما، ولا يقول حتى ما الذي حصل بالتحديد. وهذا ما يحاول علماء الآثار المختصون في مصر معرفته عبر الصور التي التقطها الصحافيون.
حواس يخبر بأن أحد السارقين طلب مياهاً للشرب من حراس المتحف الذين ألقوا القبض عليه، لكن المديرة السابقة للمتحف المصري، وفاء الصديق، أكدت للنشرة الإلكترونية الألمانية زيت أونلين، «أن عملية السرقة جرت على الأرجح على يد رجال أمن المتحف. ويبدو أن البعض منهم خلع ملابسه الرسمية لكي لا يتعرف إليه، وفريق ثانٍ دخل المتحف عبر مخارج الإطفاء وتوجه نحو الطبقة الأولى». وتؤكد الصديق أن متحف مدينة منفيس ومركز بيع الهدايا التذكارية نُهبا على نحو كامل. وتتطرق الصديق إلى سلسلة رواتب حراس المتاحف في مصر التي لا تتخطى 250 جنيهاً في الشهر، أي ما يعادل 35 دولاراً!
أما عن الوضع خارج القاهرة، وبعيداً عن الأضواء، فالمواقع الإلكترونية تؤكد أن السرقة تجري في موقع سقارة من دون رقيب. أما في وادي الملوك، فيبدو أن الوضع سليم. ويؤكد علماء من الجامعات الأميركية أنه جرى الاتصال بمديرة متحف الأقصر التي أكدت أن أبواب المتحف موصدة والحراس وأفراد الشرطة يحيطون بالمبنى. وقالت إن مدير متحف الكرنك يقبع داخل مكاتبه. أما في الإسكندرية، فما من اتصال مباشر يؤكد ما يجري على الأرض. زاهي حواس كان قد أكد في تصريحه على موقعه على الإنترنت أن موظفي متحف الجواهر الملكية كانوا قد أخلوا القاعات من القطع المعروضة وخبأوها في مستودعات المتحف قبل أن يغلقوا أبوابه ويتركوه.
ويبقى الخوف الأكبر حالياً من عمليات تهريب القطع الأثرية عبر المطارات، وخاصة أن عمليات التفتيش غير موجودة، والترحيل يجري بسرعة. عمال الآثار في دول الغرب (التي تُعَدّ السوق الأكبر للآثار المصرية) حاولوا مراراً وتكراراً رفع مستوى تفتيش الجمارك في دولهم (وخاصة بريطانيا، إيرلندا، والولايات المتحدة) لإيقاف أي عملية تهريب. فالوضع، وإن بات مضبوطاً في القاهرة حالياً، بيد أن زمام الأمور في المحافظات والمواقع البعيدة خارج عن السيطرة الفعلية. والخوف ليس من سرقة المتاحف، بل من سرقة المستودعات التي تحوي في الكثير من الحالات قطعاً غير مرقمة في السجلات، ما يعني أن عملية سرقتها تسمح ببيعها سريعاً.
تجدر الإشارة إلى أن المتحف المصري كان في خضم المفاوضات مع متحف برلين للمطالبة برأس نفرتيتي. وفي الأيام القليلة الماضية أتى رد الدولة الألمانية الرسمي برفض الطلب. من الأسباب غير المعلنة، التي عادة ما تتكرر في أروقة كبرى المتاحف في العالم، أن «التحف الأثرية محفوظة جيداً في متاحف موصدة الأبواب والنوافذ، وتتمتع بشبكات حماية متطورة جداً». المعروف أن كبرى المتاحف في العالم حينما توصد أبوابها، لا يمكن الدخول إليها، فالزجاج مثلاً يكون مضاداً للرصاص والكسر حتى في حال الزلازل.
من الواضح أن الدولة المصرية لم تعمل قط على توفير أي أنواع من الحماية لمتحفها، مع العلم بأن ما حصل في العراق مثلاً حث كبرى المتاحف في العالم على إعادة النظر في طرق الحماية المتبعة، لكن ليس في القاهرة. كيف يمكن دولاً تحفظ آلاف القطع في متحف واحد أن لا توفر له على الأقل زجاجاً مضاداً للكسر؟ كيف يمكن أن يتوقف مصير حضارة على شعور المواطنية عند الشعب ليقف مشبوك الأيدي أمام متحفه ليحمي تراثه؟ كان يجب أن يكون هذا الأخير محمياً، والدخول إلى المتحف مستحيلاً، ويجب أن يكون الدخول إلى جميع المتاحف العربية مستحيلاً، في القاهرة والأقصر وتونس والجزائر وعمان وبيروت، وصنعاء... لكي لا يأتي التغيير على حساب التاريخ.