«يوم غضب» مليوني في محافظات القاهرة والإسكندرية والمنصورة تلبية للنداءات المطالبة للرئيس المصري بالتنحّي عن السلطة. يوم جديد من تحدّي الشعب المصري لتحركات السلطات الهادفة إلى إجهاض الثورة الشعبية

حافظ المصريون، الذين احتشدوا أمس لليوم السابع على التوالي، في مختلف المحافظات لمطالبة الرئيس حسني مبارك بالرحيل، على تفاؤلهم بقرب تحقق مطلبهم، فيما يستعدون اليوم للخروج في تظاهرات مليونية في القاهرة والإسكندرية والمنصورة.
وواصل ميدان التحرير، في وسط العاصمة المصرية، استقبال التجمعات الشعبية المعارضة، بعدما تحول إلى مركز لانتفاضة الاحتجاج على الفقر والفساد والبطالة، فيما تجلت روح الأخوة بين المحتجين والجنود عندما تقاسموا الشاي والطعام، واقفين إلى جوار دبابات كُتب عليها بالطلاء شعارات مناهضة لمبارك.
وبينما واصل الجيش تنظيم عملية الدخول إلى ميدان التحرير، انتشر نشطاء عند أطرافه يرفعون لافتات كتب عليها «على الجيش أن يختار بين مصر ومبارك»، ومطالبين الجماهير بإبراز بطاقات هوياتهم لجنود الجيش «لكي لا تندس الشرطة بيننا».
وفيما دعا الناشطون الوافدين للانضمام إلى مسيرة مليونية اليوم للمطالبة برحيل مبارك، انخرط الآلاف في هتافات مناوئة للرئيس، ورفعوا لافتات كتب على إحداها «في التحرير حتى التحرير».
وغدا المشهد في ميدان التحرير في وسط القاهرة أقرب إلى أجواء المهرجانات منه إلى الاحتجاج، مع تحوله إلى ما يشبه «حديقة هايدبارك» في لندن. وارتدى مئات المتظاهرين الأكفان، مردّدين «هذا كفني من أجل مصر... نموت فيه أو نخلعه بعد سقوط مبارك».
بدورها، شهدت المنصورة أمس مسيرة جديدة قُدّر عدد المشاركين فيها بـ120 ألفاً، فيما وصل عدد المتظاهرين في الفيوم إلى 70 ألفاً، مقابل 50 ألفاً في بني سويف و100 ألف في المحلة.
أما في المنوفية، مسقط رأس مبارك، فقد تجمع المتظاهرون وهم يرددون «يا علاء قول لأبوك أهل المنايفة بيكرهوك»، و«لا مبارك لا سليمان ... الكلام دا كان زمان».
وفي موازاة الاستعداد للتظاهرات المليونية في القاهرة والإسكندرية والمنصورة، يبدو أن السلطات المصرية قررت اتخاذ تدابير للحدّ من إمكان توافد سكان الأقاليم إلى مراكز التظاهرات.
وفيما أعلن توقيف حركة القطارات في مختلف المحافظات بدون مبرر، قررت شركة مصر للطيران إلغاء جميع رحلاتها الجوية الداخلية والخارجية، من الساعة الخامسة أمس حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم. واتهم محتجّون في منطقة البحيرة السلطات بنشر دبابات على مشارف منطقتهم لمنع المتظاهرين من الوصول إلى القاهرة، فيما علّق أحد المتظاهرين على تدابير السلطة بالقول «إذا كان مبارك قد أوقف القطارات حتى لا يأتي المصريون من كل أنحاء مصر غداً، فنحب أن نذكّره بأن القاهرة يسكنها 22 مليون مصري».
في هذه الأثناء، بدأت الأحزاب المصرية السعي في ما بينها لترتيب صفوفها، في محاولة لحفظ أدوار لها في المرحلة المقبلة. وأعلن رئيس حزب الوفد الليبرالي، السيد البدوي، أن أحزاب الوفد والتجمع والناصري والغد، إضافة إلى شخصيات عامة على رأسها الدكتور كمال أبو المجد والدكتور أحمد زويل المنتظر أن يعود اليوم إلى مصر، أنشأت «الائتلاف الشعبي للتغيير»، وجدد القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، عصام العريان، التأكيد أن الجماعة بصدد تأليف لجنة سياسية واسعة مع المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، للتحدّث مع الجيش.
ولفت العريان إلى أن جماعة «الإخوان» لا تتخذ قرارات من جانب واحد من دون القوى الوطنية، وأنها ستسعى أيضاً إلى الاتصال بأطراف سياسية أخرى من دون أن يقدم إيضاحات.
من جهته، أكد مساعد البرادعي، زياد العليمي، أن المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية لن يتحاور إلّا مع «القيادة المركزية» للجيش، لا مع أيّ من أفراد النظام، وأن الحوار سيتركّز من وجهة نظره على ترتيبات المرحلة الانتقالية التي تسبق انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة.
وأكد العليمي أن المعارضة ترفض الاعتراف بشرعية الحكومة التي أُلّفت، وأنها ستعدّها «كأنها لم تكن»، فيما شدد المتحدث باسم حزب الجبهة الديموقراطية المتحالفة مع البرادعي، إبراهيم نوار، على أن قوى المعارضة المشاركة في حركة الاحتجاجات تنوي تصعيد تحركاتها خلال الفترة المقبلة، إذا ما استمر مبارك برفض مطالبتها له بالتنحّي، مطالباً قيادة الجيش بعدم التعرض للمشاركين في التظاهرات.
وكشف العليمي عن تقديم البرادعي تعهدات لمبارك بعدم ملاحقته قانونياً إذا تنحّى عن الحكم، وترك البلاد تلبيةً لمطالب الشعب.
في هذه الأثناء، استمر الشلل في الدوائر الرسمية في مختلف المحافظات الرسمية، فيما واصلت المحال التجارية إغلاق أبوابها، باستثناء المخصص منها لبيع المواد الغذائية والأفران.
وفيما بدأت أحياء عدة في القاهرة تعاني من شح المواد الغذائية، بدأ السكان يشكون من غياب الخدمات بعدما تراكمت القمامة في الأحياء وبدأت المياه بالانقطاع.
في المقابل، تراجعت أعمال النهب والسرقة على نحو ملحوظ، بفضل الإجراءات التي اتُّخذت على أكثر من صعيد، بينها تشديد الجيش لوجوده، واستعادة الشرطة لانتشارها في العديد من المناطق، وحراسة لجان شعبية لمناطقها. وعلّق أحد المصريين من الذين أنيطت بهم مهمة حراسة الشوارع على تكاتف اللجان الشعبية بالقول «من النهاردة مفيش حكومة ... إحنا الشعب».
وفي السياق، أكد العميد عاطف سيد، أن الأمن والاستقرار سيعودان في الأيام القليلة المقبلة، بعدما طمأن إلى أن قوات الجيش لن تتدخل ضد المتظاهرين. وأضاف أن الجميع يحق لهم التعبير عن آرائهم، وأن الجيش ينصت ويحاول المساعدة في إرضاء كل الأطراف.
(الأخبار)