تترقب دمشق في هذه الأيام التحولات السياسية في مصر بهدوء وحذر، وهي ترى أحد أبرز خصومها السياسيين يتهاوى، آملةً أن يكون التغيير المرتقب في رأس الهرم المصري، مقدمة لمرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين بعد فترات من التوتر وصلت إلى حد القطيعة في السنوات القليلة الماضية.

وعلى الرغم من عدم الوفاق السياسي بين النظامين في دمشق والقاهرة، قررت سوريا خلال أول أيام «ثورة النيل» اعتبار أن ما يجري يندرج ضمن الأوضاع الداخلية لمصر التي لا تتدخل فيها.
إلا أن الاكتفاء السوري في الإعراب عن الأمل في أن «تسود الحكمة ما يجري في مصر»، بالإضافة إلى منع السلطات لاعتصام سلمي أمام مبنى السفارة المصرية في حي كفرسوسة، سرعان ما تبدل بعد التيقن من أن رحيل الرئيس المصري حسني مبارك، بات مسألة وقت لا أكثر.
تبدل في الموقف عبّر عنه الرئيس السوري، بشار الأسد، الذي تحدث بوضوح أمس عن أسباب ما يجري في مصر، مشيراً إلى أنه ليس سوى نتيجة لابتعاد النظام عن «معتقدات شعبه».
وأكد الأسد، في حديث مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن التظاهرات في مصر وتونس واليمن تطلق «حقبة جديدة» في الشرق الأوسط، ويتعين على الحكام العرب بذل المزيد من الجهود لتلبية طموحات شعوبهم الاقتصادية والسياسية. ورأى أن لديه وقتاً أكثر من حسني مبارك كي يجري إصلاحات، بما أن معارضته لإسرائيل وأميركا جعلت موقعه أفضل في بلاده، لافتاً إلى أنه «يجب أن تكون قريباً جداً من معتقدات شعبك. هذه القضية الأساسية، وحيث ثمة تباعد، ستجد هذا الفراغ الذي يخلق الاضطرابات».
«تباعد» قصد من خلاله الرئيس السوري الإشارة إلى مواقف نظام حسني مبارك من القضايا الإقليمية، التي مثّلت سبباً للخلاف بين النظامين في القاهرة ودمشق، بعد أن كان البلدان حليفين وتوحدا تحت مسمى «الجمهورية العربية المتحدة» من عام 1958 إلى عام1961.
والعلاقات التي لطالما تعرضت لمد وجزر، كانت القيادة الساسية في كلا البلدين قادرة على ضبطها عبر الوسائل الدبلوماسية، إلى أن أتى اغتيال رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري في عام 2005، ليمثّل إيذاناً ببداية مرحلة جديدة غلب عليها التوتر، بعدما رأت مصر أن سوريا ضالعة، بنحو أو بآخر، في عملية الاغتيال.
ومنذ عام 2005، اتخذت القاهرة موقفاً متشدداً من دمشق، ولا سيما بعد الخلاف على إنشاء المحكمة الدولية، قبل أن تزداد حدة التوتر مع حرب تموز في عام 2006 والانتقاد المصري لأداء حزب الله.
وتأسيساً على ذلك، شمل التعارض في الخيارات السياسية بين البلدين الموقف من إيران. واتهمت مصر مراراً سوريا بأن مواقفها السياسية أقرب إلى أجندة إيرانية تسعى إلى شق الصف العربي بأيادٍ سورية، فيما رأت سوريا أن التقارب مع الدول الإقليمية غير العربية، وتحديداً تركيا وإيران، يمثّل فرصة لا يجب تفويتها لتعزيز حظوظ التعاون في المنطقة.
ولعل الخلافات بشأن الملفين اللبناني والإيراني تعدّ هامشية، إذا ما قيست على حجم الخلاف القائم بين النظامين بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط.
ولطالما رأت سوريا في توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل بشكل أحادي، على أنه عامل أضعف الصراع العربي الإسرائيلي، وأدخل مصر في حلف يتعارض مع تاريخها، مسهماً في تراجع دورها، بعدما كانت القاهرة ودمشق في عهد جمال عبد الناصر محور السياسة العربية الذي لا يمكن تخطيه.
وانسحب هذا التباين على رؤية مصر والقاهرة لكيفية إدارة الملف الفلسطيني.
وفي مقابل التعويل السوري على دور لفصائل المقاومة ودعمها، بوصفها الرهان الرابح في إدارة المعركة مع العدو الإسرائيلي، دافع النظام المصري عن السلطة الفلسطينية، بوصفها ممثلاً شرعياً للفلسطينيين، مهمشاً دور الفصائل، وخصوصاً «حماس».
وما حاول النظام السوري غض الطرف عنه، في ما يتعلق بتخاذل النظام المصري تجاه القضية الفلسطينية، فجره دور القاهرة في حصار غزة، من خلال إقفال معبر رفح، في أعقاب سيطرة «حماس» على القطاع.
وتباين المواقف من القضية الفلسطينية أثّر مباشرة على ملف المصالحة بين «حماس» التي يقيم رئيس مكتبها السياسي، خالد مشعل في سوريا، وحركة «فتح» المدعومة من مصر، وسط اتهامات متبادلة بين البلدين بالوقوف وراء تعطيل المصالحة.
وفي ظل هذه الخلافات التي ترى دمشق أنها مرتبطة بطبيعة النظام المصري، والدور الذي اختاره لنفسه منذ توقيع معادة السلام مع إسرائيل، تأمل سوريا أن يضع سقوط نظام حسني مبارك حداً لها.
وما لم يبح به الموقف السوري الرسمي، فاضت به الصحف السورية خلال الأيام الماضية، بعدما خصصت في الأيام الأخيرة معظم افتتاحياتها لمقاربة أسباب انتفاضة الشعب المصري، رابطةً بين ما يجري، وبين عدد من الأخطاء وقع فيها النظام المصري.
ورأت صحيفة «الثورة» أن ما يجري في مصر ، يعود في جزء منه إلى عدم «أخذ حسابات الشعب المصري بالحسبان»، لتؤكد أنه بعد انجلاء الصورة، ستكون هناك جولة «تعيد ترتيب الأولويات، وليس هناك من تخفى عليه تلك الأولويات... دور مصر الإقليمي والعربي، وموقفها من الصراع العربي الإسرائيلي».‏
أما مستشارة الرئيس السوري، بثينة شعبان، فرأت في صحيفة «تشرين» أن كل ما سيحدث في أرض الكنانة «يشير إلى ما سيفتح أمام العرب آفاق مرحلة تطور جديدة». وربطت في مقالها بين ما يجري في المحيط العربي وبين «تراكم الغضب في الضمير العربي، وخاصة الشعور المتراكم بالإذلال والإهانة والعجز، الذي يشعر به ملايين الشباب أمام عجز حكوماتهم وصمتها أمام الويلات التي تعرضّ لها العراق وفلسطين وغزة».
من جهته، رأى عز الدين درويش، في افتتاحية صحيفة «تشرين»، أن «هناك تطورات، وربما تحولات كبرى تشهدها المنطقة، وهي غير مفاجئة في الكثير من جوانبها وحيثياتها، إذا ما أسقطت على الواقع السياسي وما اعتراه من ترهل ولا مبالاة وابتعاد متعمّد عن نبض الشارع، وما يختزنه من إحساس وطني وقومي لا متناه، ومن إرادة جازمة في امتلاك القرار، والتخلص من التبعية، والاستظلال بالعروبة، وتأدية موجبات الصراع العربي ­ الإسرائيلي».