عندما بدأت الثورة التونسيّة، الشرارة الأولى في ثورات العالم العربي المتنقلة على ما يبدو، كان الزعيم معمر القذافي أول المتصلين بزين العابدين بن علي، للتهوين من مصابه، ومدّه بدعم معنوي لم يتعدّ الكلام الشعبي، الذي اشتهر به عقيد ليبيا، الذي يصرّ في الظاهر على التمسّك بخصال البداوة. حتى بعدما أطاحت الثورة بن علي، عرض القذافي عليه أن يستقبله، وبقي ثابتاً على موقفه، متوجّهاً الى الشعب التونسي بالقول إنهم سيندمون «خسرتم خسارة كبيرة، فالذي ابنه مات لا يمكن أن يعود في الدنيا، والذين ماتوا لا يمكن أن يعودوا».

إن بن علي أفضل من حكم البلاد «لا يوجد أحسن من الزين أبداً في هذه الفترة، بل أتمناه ليس إلى عام 2014، بل أن يبقى إلى مدى الحياة». تألّم الزعيم الليبي لرحيل من وصفه بـ«أخي»، وها هو يشهد على اندحار «أخ» ثانٍ له. ما إن وقعت الواقعة ورُجّت الأرض رجّاً تحت أقدام حسني مبارك، حتى سارع الزعيم الليبي الى الاتصال به، وطمأنته ورفع معنوياته. لكن المشهد في الشارع لا يُطمئن بتاتاً. أكّد له حرصه على استقرار مصر، وبقي على تواصل معه، متابعاً بقلق بالغ ما يجري في دولة الجوار، فمصر ليست تونس، هي مصر المتزعمة عرش العروبة، مصر عبد الناصر ورأس حربة الصراع مع إسرائيل وإن أدخلها أنور السادات وحسني مبارك في طريق فرعي. فإذا سقط حاكمها، يعني أنه لن تبقى خيمة على رأس أي حاكم عربي.
الزعيم الليبي أكّد لمبارك ثقته باستقرار مصر، وحذّرت صحفه من أن الانفلات الأمني تخطّى كل الخطوط ووصلت الى مقارنة ما يحصل في الشارع المصري بالجرائم الإسرائيلية «لا الإسرائيليون رغم فائض العداء تمكّنوا من ذلك حتى أثناء الحروب، ولا أعداء مصر الآخرون وصلوا إلى هذه النتائج الكارثية رغم حجم الكراهية ورغم حجم الاستهداف»، بحسب صحيفة «الجماهيرية» الناطقة باسم اللجان الثورية التي رأت أن مصر «التي تشكّل قرابة ثلث العرب لا تستحق هذه الفاتورة .. ولا تستحق هذا التشفّي العربي». هل يكون القذافي الزعيم رقم 3 أو ربما 4 بعد أن يسبقه علي صالح أو ملك الأردن في السقوط أمام سيل الغضب الشعبي. الوضع معه يختلف وإن ظل الاحتمال وارداً. فإضافة الى اختلاف طبيعة النظام في ليبيا، الذي يزايد في تطبيق الديموقراطية الشعبية المباشرة، فإن ادّعاء القذافي التحلّي بالخصال العربية لن يشفع له. فابن سرت البدوي، كان شديد التأثر بعبد الناصر، وبعدما نفذ انقلابه مع مجموعة من الضباط على الملك إدريس، نودي بـ«تشي غيفارا» العرب، وطبق نظام حكم ديموقراطي شعبي مباشر عن طريق مجلس ولجان شعبية. من أشدّ المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، دعم منظمة التحرير. وتعبيراً عن رفضه للمفاوضات طرد أكثر من 30 ألف فلسطيني عام 1995 بسب أوسلو، ودعا الى دولة واحدة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين.
ثائر وغريب الأطوار، يعبّر بلغته البدوية البسيطة عن أكثر المشاكل العربية تعقيداً. لكنه لمّا يئس من العرب استدار نحو أفريقيا، فتوّج نفسه ملكاً عليها وأعلن العمل من أجل «الولايات المتحدة الأفريقية». له تاريخ حافل في مناهضة الغرب وإمبرياليّته ودعم حركات التمرد.
لكن هذا العداء بدأ بالتحول بعد أحداث 11 أيلول 2001، فسعى الى التقارب مع الغرب، ولا سيما بعد إسقاط نظام صدام حسين، ربما خشي أن يكون التالي. وسلّم مشروعه النووي في 2006، فكان أن كوفئ بعلاقات دبلوماسية كاملة مع الولايات المتحدة وانفتاح على الغرب. لكن خطابه لم يتبدّل، بقي ثائراً وشعبياً ومعارضاً؛ وهي حركات بهلوانية يخدع بها الشعب العربي.
في مقابل ذلك، فإن في ليبيا أرضيّة خصبة قادرة أن تتلقّى بذور الثورات. فهناك أحداث مضت تؤكد إمكان اندلاع مثل هذا، ولا سيما أن للزعيم الليبي معارضين صامتين في الداخل، وحكمه دكتاتوري ولا يجيز الحريات السياسية والمدنية. وقد تعرض لمحاولة اغتيال في تشرين الأول 1993 من قبل عناصر من الجيش. وفي تموز 1996 تحوّلت مباراة كرة قدم الى تظاهرة دمويّة ضدّه.
ورغم التعتيم الإعلامي، فإنه جرى بعض الحراك في الشارع على خلفيّة أحداث تونس، وتظاهر مواطنون في مدينة البيضا، فعمدت الحكومة الليبيّة تحسّباً، الى خفض الرسوم عن السلع الغذائية المستوردة. أخيراً، من هو البديل المتوقّع؟ البحث يبقى ضمن عائلة القذافي نفسها. ويقدم الابن الثاني، سيف الإسلام نفسه كإصلاحي، وتبدو أفكاره السياسية أكثر انفتاحاً وديموقراطية من أبيه، وهو يتمتع بشعبية كبيرة وله حضوره الدولي بفضل نشاطات الجمعية الإنسانية التي يترأسها، مؤسسة القذافي. رسم صورة المشهد السياسي المتوقع لا يكون بمعزل عن اعتبارات الخلافات داخل عائلة القذافي نفسها. بينما يمثل سيف الإسلام الجناح الإصلاحي، فإن شقيقه الأصغر معتصم يمثل الجناح المتشدّد، ويرأس إحدى الوكالات الأمنية الليبية، ويقارع أجندة شقيقه. وبعد أحداث تونس، أُجبر سيف الإسلام على التنحّي عن رئاسة جمعيته، كما اعتُقل صحافيون يعملون في جريدته؛ وفي ذلك تفوح رائحة عدوى قد تنتقل الى ملك الملوك!