بدا واضحاً خلال اليومين الماضيين أنّ نظام حسني مبارك يلجأ إلى آخر أوراقه: حكومة يرأسها عسكري سابق، مع خطوة احتياطية بتعيين وزير الاستخبارات عمر سليمان، نائباً للرئيس، في مؤشر إلى احتمال خلافة مبارك. وأخيراً، هناك عنف مفرط ضدّ المتظاهرين برفقة تحليق المقاتلات فوقهم وتوسيع لنطاق حظر التجوال الذي بقي حبراً على ورق

جاء سلوك النظام المصري، في اليومين الماضيين، متلائماً مع عوارض التردُّد والارتباك والتخبُّط التي يعانيها منذ يوم الثلاثاء الماضي. حالات اختصرها الرئيس حسني مبارك في كلمته التي ألقاها مساء الجمعة، وحلّ بموجبها حكومة أحمد نظيف، ليضطرّ في اليوم التالي إلى رمي كل أوراقه بيد العسكر من خلال خطوات عديدة جميعها تشبه نوعاً ما سيناريو نظيره التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، ولم تؤدِّ سوى إلى مزيد من إثارة غضب ثوّار النيل.
بدايةً، جاء تعيين أحمد شفيق، وزير الطيران المدني في حكومة نظيف المقالة، رئيساً لحكومة «غامضة وحربية»، جلّ ما عُرف عنها أنها شبه عسكرية. حكومة رمى مبارك المسؤولية في ملعبها، عندما طالبها بأن تكون أولويتها «استعادة الهدوء والاستقرار» في البلاد، و«محاصرة البطالة وإتاحة فرص العمل والتصدي بكل حسم للفساد بكل مظاهره»، والعمل لـ «المزيد من الإصلاح السياسي»، وفقاً لوكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية.
طابع حربي أكمله مبارك بالخطوة الأهم، رغم أنها قد تكون متأخرة، عبّر عنها تعيين مدير جهاز الاستخبارات العامة اللواء عمر سليمان نائباً للرئيس. هو منصب ظل فارغاً طيلة عقود ثلاثة، أي منذ أن تولّى مبارك الحكم في 1981، في خطوة رأى فيها المراقبون أنها تؤشر إلى نيّة بتسليم الحكم للوزير سليمان، الرجل الأقوى في النظام، تماماً مثلما تسلّم نائب الرئيس حسني مبارك، الحكم بعد اغتيال أنور السادات. وما كان من مبارك إلا مواصلة قرارته العسكرية من خلال حفلة تغييرات أجراها في صفوف قيادة الجيش، ربما لأن القيادة القديمة لم تلتزم بقرار وزارة الدفاع، التي جاءت لتعلن النفير العام، محذرةً من أنها ستتعامل مع مَن يخرق قرار حظر التجوال بكل قسوة وصرامة.
وأمام كل هذه التحذيرات والتهديدات التي ترافقت مع غياب كامل للشرطة عن جميع شوارع القاهرة والاسكندرية على الأقل، رغم تشديد وزير الداخلية المقال حبيب العادلي على ضرورة عودتها إلى الشارع، احتلّت مقاتلات الجيش المصري سماء القاهرة، والمروحيات أجواء ميدان التحرير، محلقةً على علوّ منخفض، إضافةً إلى إرسال عشرات ناقلات الجند التي تقل أعداداً كبيرة من عناصر الجيش، في سلوك عجز بدوره عن ترهيب المتظاهرين الذين كانت تزداد أعدادهم مع تقدم ساعات النهار؛ وردّاً على تحليق المقاتلات فوق روؤسهم، صاح المتظاهرون «مش حنمشي... هو مبارك يمشي... حسني اتجنِّن حسني اتجنِّن».
ولأن مبارك حاول أن يجعل من الجيش حصنه الأخير، توالت إعلانات التلفزيون الرسمي عن زياراته لمركز عمليات القوات المسلحة «لمتابعة تطورات السيطرة على الوضع الأمني»، إلى جانبه نائبه سليمان، ووزير الدفاع محمد حسين طنطاوي، ورئيس الأركان سامي العنان، الذي سبق أن قطع محادثاته في واشنطن التي كان مقرراً استمرارها حتى الثاني من شباط المقبل.
وكشفت وكالة «رويترز» أن مبارك أصدر قراراً جمهورياً بتعيين اللواء أركان حرب جمال إمبابي قائد الجيش الثاني الميداني، محافِظاً لمنطقة الوادي الجديد، واللواء أركان حرب عبد الوهاب السيد مبروك قائد قوات حرس الحدود، محافظاً لشمال سيناء، الحدودية مع قطاع غزّة.
وفي المشهد الرسمي نفسه، تجنّدت وسائل إعلام النظام لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتركّزت جهود البروباغاندا الحكومية على التضحية بأحد أشرس رموز نظام مبارك، رجل الأعمال أحمد عز، الذي استقال من مركزه القيادي كأمين عام للحزب الوطني الديموقراطي (الحاكم). عزّ، الذي يُعدّ العقل المدبر لجمال مبارك، كان موضوعاً لما وصفه المعارضون المصريون «مسرحية» إعلامية، تلخّصت بهجوم الصحف الرسمية على الرجل الذي كان قبل أيام فقط شخصية لا يمكن المساس بها. وكتبت صحيفة «الأخبار» الحكومية، في صدر صفحتها الأولى، «سقوط أحمد عز»، مضيفةً «خربها واستقال». وفي السياق، أشارت الصحيفة إلى أن «عز هو أحد أسباب إثارة الجماهير بقراراته وسياساته داخل الحزب الوطني». وحذت صحيفة الأهرام حذو «الأخبار» بتذكيرها بتصريحات زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الوطني محمد رجب، التي رأى فيها أن عز «مسؤول إلى حد كبير عما جرى في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب»، في إشارة إلى تحقيقه فوزاً مزوّراً كاسحاً.
ولأنّ معركة الصورة والإعلام عموماً أساسيان في «ثورة النيل»، أمرت وزارة الإعلام المصرية، صباح أمس، فضائية «الجزيرة» بوقف كل نشاطها في البلد، وقطعت في وقت لاحق بثّها إلى بعض أنحاء الشرق الأوسط، قبل أن تنقل الفصائية القطرية موجات بثها إلى أقمار اصطناعية أخرى.
وأمام العجز عن احتواء الغضب الشعبي، حاول رئيس مجلس الشعب فتحي سرور رمي «ورقة إصلاحية» إضافية، بإعلانه أن البرلمان «سيصحح عضويّة أعضائه من خلال الاحتكام إلى القضاء» بدلاً من أن تلاحقه الشكوك، علماً أن 90 في المئة من هؤلاء مطعون في شرعيتهم. وقال سرور «هناك صيحات تطالب بحل المجلس، وأصبح الأمر الآن محل تحقيق تجريه محكمة النقض». هو نفسه سرور الذي جزم، أول من أمس، من على منبر فضائية «العربية»، بأنّ القيادة المصرية «لا خطط لديها لإجراء انتخابات مبكرة»، وملتزمة بانتخابات أيلول المقبل. وفي وقت لاحق، برز كلام لسرور إما أنه يهدف إلى تقسيم أدوار بين أطراف النظام للتخفيف من حدّة الغضب الشعبي، أو أنه يشير إلى انقسامات في صفوف فريق عمل مبارك؛ فقد قال، خلال اجتماع للجنتي الدفاع والأمن القومي وحقوق الإنسان في مجلس النواب، إنّ الحكومة السابقة برئاسة أحمد نظيف «فشلت في الاستجابة لمقترحات البرلمان». كذلك طالب عدد من النواب بإجراء تعديل دستوري «ليكون هناك مشاركة للشعب». واضطر سرور إلى تأجيل انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب في دورته الجديدة، إلى الأحد المقبل، «بسب عدم اكتمال النصاب القانوني للجلسة».
ومساء أمس، كشفت مصادر «الجزيرة» أنّ قوات الأمن ستعيد انتشارها غداً في كل المناطق المصرية إلّا في ميدان التحرير، على أن تقتصر مهمّاتها على حفظ الأمن العام، مع تحاشي الاشتباك مع المتظاهرين. أمّا في منطقة بني سويف، فقد أُعطي قادة الأمن «إجازات مفتوحة».
وكان العنف المفرط سمة اليومين الماضيين، وسط أنباء عن انتشار الجثث بالعشرات في محافظات عدة، وخصوصاً أمام وزارة الداخلية وسجن أبو زعبل، أحد السجون الكبيرة في شرق القاهرة، وسجن الفيوم حيث قُتل رئيس مباحث السجن اللواء محمد البطران، إضافةً إلى الاسكندرية والسويس وبني سويف وغيرها، وسط عجز عن إحصاء الضحايا، مع نداءات المستشفيات للمواطنين بالتبرع بالدم نظراً إلى كثرة الجرحى.
وكان متحدّث باسم وزارة الدفاع، قد أعلن، أول من أمس، أنّ الجيش يدعو «شعب مصر العظيم» إلى عدم التجمهر، وإلى التقيد بحظر التجوال بين الرابعة بعد الظهر إلى الثامنة صباحاً، قبل أن يعلن مبارك، بصفته «الحاكم العسكري»، تمديد فترة حظر التجوال لتصبح من الساعة 3 حتى الثامنة صباحاً. وحذّر الجيش من أنّ الدولة ستتعامل «بحزم» مع المخالفين. أمر أرفقه الجيش بدعوة المواطنين إلى حماية أنفسهم ومصالح الأمة من أعمال النهب والتخريب.
وسبق ذلك اجتماع «مهمّ عقده مبارك مع عدد من الشخصيات في مقر رئاسة الجمهورية»، نتج منه تعيين سليمان، الذي أقسم اليمين الدستورية أمام مبارك بسرعة.
(الأخبار)




دعاة مصر يتصدّرون المشهد

وجّه الداعية المصري القطري البارز يوسف القرضاوي دعوة للرئيس المصري حسني مبارك إلى التخلي عن السلطة. كذلك فعل الداعية عمرو خالد الذي عاد إلى مصر للانضمام للمتظاهرين. ورأى القرضاوي، أبرز الدعاة السنة في العالم، في حديث لقناة «الجزيرة»، أن لا حل للأزمة الحالية في مصر إلا برحيل مبارك، متمنياً على المصريين الاستمرار بانتفاضتهم بالسبل السلمية.
وقال القرضاوي، الذي يرأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، «أنصح الرئيس المبارك أن يرحل عن مصر ليس هناك حل لهذه المشكلة إلا أن يرحل مبارك». وأضاف متوجهاً الى الرئيس المصري «ارحل يا مبارك، ارحم هذا الشعب، وارحل حتى لا يزداد خراب مصر».
وتابع «لم يعد لك بقاء يا مبارك، أنصحك أن (تتعلم) من درس زين العابدين بن علي (الرئيس التونسي المخلوع). لا أريد أن تحاكمك الجماهير بل أن تحاكم بعد ذلك في محكمة مدنية». وشدد على الرئيس المصري «أريدك أن تخرج. حكمت ثلاثين عاماً»، مؤكداً أنه يتكلم باسم «علماء الدين في مصر والعالم». وتوجّه إلى الشعب المصري قائلاً «استمر في انتفاضتك»، لكنه حذر من أن الاعتداء على مؤسسات الدولة حرام، وشدّد على ضرورة أن يكون التحرك بالسبل السلمية. ورأى أن النظام المصري «أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع وغبي لا يفهم»، مشيراً الى أن الرئيس المصري «خلال الليل خرج علينا بخطاب كأنه يعيش في عالم غير عالمنا».
من جهة ثانية، نبّه مسؤول سابق في الأزهر المصريين في التلفزيون الحكومي أن سفك الدماء حرام شرعاً، وضمّ صوته للنداءات التي طالبت بالهدوء بعد أيام من الاضطرابات.
من جهته، تقدّم الداعية المصري عمرو خالد المتظاهرين أول من أمس فور عودته الى مصر، وطلب من مؤيّديه أن يشكلوا لجاناً أمنية لحماية الأهالي من المشاغبين. كما انضم الى عشرات الآلاف من المتظاهرين في ميدان التحرير ودعا الشباب الى ضبط النفس والتعامل بإيجابية مع الجيش الوطني. وكان قد جال على المستشفيات العامة في القاهرة متفقداً الجرحى، وداعماً جهود الشباب في حملتهم للتبرع بالدم. وغادر عمرو خالد اجتماعات منتدى دافوس العالمي بسويسرا قبل يومين متوجهاً الى القاهرة.
(الأخبار، أ ف ب)