«مصر يامّه يا بهيّه/ يا ام طرحه وجلابيّه/ الزمن شاب وانتِ شابّه/ هو رايح وانتِ جايه»... قُم من نومك الطويل يا شيخ إمام. انزع النظّارة عن وجهك، وأبصر النور أخيراً. فقد تحوّلت أغنياتك أحلاماً، والأحلام نقلت أسرّتها إلى الأرصفة. «رجعوا التلامذة يا عمّ حمزة»... وعرفنا حقاً «البحر بيضحك ليه»... و«عرفنا مين سبب جراحنا... وعرفنا روحنا والتقينا... عمّال وفلاحين وطلبة... دقّت ساعتنا وابتدينا... نسلك طريق مالهش راجع... والنصر قرّب من عينينا»...


وهو نصر من دون قادة ومن دون مكبّرات صوت ومن دون وعود خلاصيّة. فالمتظاهرون الذين احتلّوا ميدان التحرير لم تدفعهم إلى الشارع عقائد أو خطط بديلة. وهم لا يسعون إلى إيصال حاكم آخر إلى السلطة، ولا يملكون تصوّراً للجنّة في السماء ولا للجنّة على الأرض. ما من استعمار يدعمون انقلاباً ضدّه، وما من نظريّات تحديث يتّكئون عليها، وما من مسلّمات تنمويّة يروّجون لها.
تظاهرات هي أشبه بانتفاضات عارية. انتفاضات على الظلم، من دون ادّعاءات. ظلم امتدّ عقوداً إلى الوراء، وأصاب أكثر من جيل من أبناء النيل. انتفاضات لا تعِد الأبناء والأحفاد بأيّ شيء، بل تنتقم للآباء المقهورين والعاجزين. تنتقم من القمع القائم على شعارات محنّطة انتهت إلى تحريض بائس على الطائفيّة، ومن التسلّط الطبقيّ الذي رمى بالفقراء خارج اهتمامات الدولة، ومن الفساد الذي استباح كلّ شيء لإثراء العائلة الحاكمة وشبكات رجال الأعمال المشبوهين المحيطين بها... وتنتقم أخيراً من سياسات الذلّ التي ابتذلت شعار السلام في كامب دايفيد قبل أن تنحدر إلى قعر الخيانة عبر المشاركة في حصار الشعب الفلسطيني في غزّة.
مهما بلغت وسائل التعتيم، فإنّ العالم العربي كلّه يشاهد السيّد الأميركيّ وهو يرفض تسمية أصدقائه بالدكتاتوريّين، يدافع عنهم باسم تعاونهم معه، ثمّ يتملّص منهم ويرميهم كالكلاب الهرِمة. والعالم العربيّ كلّه يشاهد مأساة الدمى الأميركيّة وهي تتساقط تحت ضربات الشارع من دون أن تجد من يؤويها سوى مملكة القهر والظلام.
في آخر ليل «جمعة الغضب»، تفرّجنا على الدكتاتور في التلفزيون. كان صباغ شعره يزيده قبحاً. وكلماته البائسة تزيده ترهّلاً. ردّد شعارات عن الاستقرار والإصلاح وتحسين مستوى المعيشة. لم يبلّغ أحدٌ الدكتاتور أنّ الشيخ إمام لم يمُت... أنّ أغنياته تحوّلت أحلاماً... وأنّ الأحلام باتت تسكن الأرصفة.