أرادت التصريحات الرسمية المصرية القليلة على مدى الأيام الأربعة الماضية، أي منذ بدأت التظاهرات يوم الثلاثاء الماضي، أن تقول للقاصي والداني إن نظام الرئيس حسني مبارك قادر على احتواء الأزمة. ثقةٌ كُرّست خلال اليومين الأولين، لتبدأ في التراجع تدريجاً، بعدما قال الشعب كلمته، متحدياً كل وسائل القمع.

كان رئيس مجلس الشعب فتحي سرور أحد المتكلمين الرسميّين في اليوم الأول للتظاهرات. سارع إلى محو فكرة إسقاط التجربة التونسية على الواقع المصري من الأذهان.
أكد، رداً على سؤال عن مدى انعكاس ثورة الكرامة في تونس على مصر، أن «مصر دولة كبيرة لا تقلّد الآخرين. هم من يقلّدون مصر التي عرفت الإصلاح السياسي. وتشبيه مصر بتونس ظالم».
أخطأ سرور. تسارع الأحداث لم يسمح لخياله أن يرسم مشهد اليوم التالي. مشهد الآلاف من المصريين الغاضبين يفترشون الشوارع ويصرخون مطالبين بإسقاط نظام حسني مبارك. لم يكن المصريون بحاجة إلى تقليد تونس، هم الممتلئون بمشاعر الظلم والقمع والقهر منذ أمد بعيد. الشعب التونسي نجح في إلهام نظيره المصري. منحه الأمل، فشعر بأن الحلم سهل التحقق.
شوارع القاهرة تمتلئ بالمحتجين منذ يوم الثلاثاء الماضي. وإلى جانب تصريحات سرور، بدت ردود الفعل الرسمية واثقة إلى درجة كبيرة في قدرتها على إخماد الغضب الشعبي. فالأجهزة الأمنية مجهّزة. الغاز المسيّل للدموع حاضر. ولا مانع من الاعتقالات... وقد عبّرت وزارة الداخلية جهاراً عن لجوئها إلى هذه الأساليب، حين أعلنت إلقاء القبض على 500 متظاهر في اليوم الثاني للتظاهرات. اعتقالات جرت رغم حسم السلطة، على لسان وزير الصناعة والتجارة رشيد محمد رشيد، أن «مصر لا تتجه نحو الاضطراب، والحكومة ستتمكن من السيطرة على الغضب»، مشيراً إلى أن «القاهرة أجرت بالفعل إصلاحات اقتصادية وسياسية».
تصريح أراد رشيد من خلاله إبطال طلبات المتظاهرين، فحوّلهم بجملة إلى متظاهرين عفويين، نزلوا إلى الشارع للمطالبة بأمور وفّرتها الحكومة المصرية لشعبها!
كلام رشيد جاء استكمالاً لما صدر عن وزارة الداخلية خلال اليوم الأول للتظاهرات، التي دعت إلى إنهائها، متهمة جماعة الإخوان المسملين بالقيام بأعمال شغب. وزير الداخلية حبيب العادلي أعلن أن «لا تأثير لنزول الشباب إلى الشارع. الأمن قادر على الردع».
بدت المواقف الرسمية في اليومين الأولين للتظاهرات مرتاحة، ومتيقنة من السيطرة على التظاهرات، مع إتقان النظام مَلَكة اللعب على الكلام ومحاولة إشعار المواطن المصري بضمان حقوقه في حرية التعبير. لكنه أراد تحطيمه. قال له: إن نزولك إلى الشارع لن يكون له أي تأثير. فيما جاءت التصريحات متناقضة في أغلب الأحيان. الإعلان عن تفهم رغبات الشعب ثم رفض التظاهرات. بيان للحزب الحاكم قال إن «صدره يتّسع لمطالب الشباب ويتفهمها، ونحن نعمل على إيجاد حلول لها».
هذه التحركات كانت تجري وسط صمت مطبق للرئيس المصري، حتى إنه لم يردّ على «الشائعات» التي قالت إنه فرَّ وعائلته إلى الخارج، على غرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. وتولّى مسؤولية النفي الأمين العام للحزب الوطني الحاكم، صفوت الشريف، الذي قال إن «الحزب الوطنى لا يعرف الهروب».
إلى أن جاء يوم أول من أمس وبدأت تتغير الصورة. أُطلقت تصريحات حملت بين سطورها قلقاً من «غضب الجمعة (أمس)»، بعدما قرر النظام الحاكم مخاطبة الرأي العام المحلي والعالمي مستخدماً سلاح التقليل من خطورة الأحداث. حرص الشريف على التقليل من حجم التظاهرات وأهميتها، قائلاً إن المسألة «لم تكن كما صوّرها البعض بخروج الملايين إذ كانوا عدة آلاف وجرى التعامل معهم بضبط النفس».
أسقط الشريف عن شعبه صفة الشعب. حوّل المصريين إلى مجرد أعداد لا قيمة لها، ولا أهمية لآرائها ومشاكلها. قرر تجاهل الناس عله بذلك يُخمد غضبهم. وجاء يوم الغضب، أمس. كان الصوت الشاذ الوحيد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى، العضو البارز في الحزب الوطني الحاكم، مصطفى الفقي، الذي يبدو أنه شعر بخطر حقيقي يهدّد النظام الحاكم الذي ينتمي إليه، فدعا الرئيس المصري حسني مبارك إلى التدخل وإجراء «إصلاحات قوية وغير مسبوقة». قال «لا يمكن الأمن أن يخمد ثورة في الدنيا كلها، الحل الأمني وحده ليس كافياً، والرئيس وحده ولا أحد غيره يستطيع إيقاف ما يحدث».
في لحظة لا تنمّ إلا عن خوف، انضمّ الفقي إلى فئة الشعب وطالب بإصلاحات غير مسبوقة. اعترف بقصد أو بغير قصد، بخلل ما يتطلب إصلاحات مستخلصاً عبارات من تونس ليحفظ رأسه في المرحلة المقبلة.
الصمت انسحب على النظام بأكمله أمس. هكذا تدحرج من ثقة عالية إلى الاستنجاد برئيس قرر امتهان الصمت، قبل أن يُسقِط شعبه أو يُسقِطه الشعب.